أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، نوفمبر 05، 2025

في إدارة الحفاظ على المدن والمعالم التاريخية

تجربة ميدانية في إدارة التراث العمراني

 

جمال الهمالي اللافي


المقدمة

في سياق عملي الطويل في مجال الحفاظ على المدن والمعالم التاريخية، ومن خلال تجربتي العملية التي اكتسبتها خلال فترة عملي بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس بين عامي 1990 و2001، وجدت أن التحديات لا تكمن فقط في تقنيات الترميم أو في فهم القيمة التاريخية للمكان، بل في طريقة إدارة المؤسسات المعنية بهذا الشأن، وفي كيفية اتخاذ القرار، وتوزيع المسؤوليات، وتفعيل الحوار. ما أطرحه هنا ليس توصيات جاهزة، بل تأملات نابعة من تجربة ميدانية، ومن احتكاك مباشر مع الواقع، ومع ما يعتريه من تعقيدات وتداخلات. أكتبها على أمل أن تفتح بابًا للنقاش، لا أن تغلقه.

عند التعامل مع مسألة الحفاظ على المدن والمعالم التاريخية، ينبغي لمن يتحمّل هذه المسؤولية أن يراعي عددًا من الجوانب المرتبطة بكيفية إدارة المؤسسات المعنية، وطرق التدخل في أعمال الترميم والصيانة. أستعرض هنا بعض النقاط التي لمستها خلال تجربتي العملية، لتعميم الفائدة وتوضيح الرؤية:

1.      الإنصات قبل اتخاذ القرار

من المفترض أن يبادر المعنيون بمجال الحفاظ، ممن يقودون مؤسساته، إلى التواصل أولًا مع المختصين والمنتفعين بالمكان، بهدف التعرف على وجهات نظر مختلفة أو متفقة، وتوسيع مداركهم المعرفية قبل وضع أي تصور عام لإدارة هذه المؤسسات.

2.      أولوية التخطيط على الترميم

من المهم تنظيم عروض ومحاضرات متخصصة ترتكز أولًا على الدراسات التخطيطية، التي ينبغي أن تسبق الدراسات الهندسية والتاريخية والاجتماعية. هذا الترتيب يساعد على فهم احتياجات كل منطقة داخل المدينة التاريخية، ويضمن توزيعًا عادلًا للأنشطة، مما يسهم في إحياء المدينة بالكامل ويعزز فرص نجاح المشاريع في كل منطقة منها.

3.      الحذر من الانغلاق المؤسسي والمحاباة

ينبغي تجنب الاعتداد بالرأي الشخصي من طرف المسؤولين، أو التعاطي مع مجموعة منتقاة على أساس المحاباة، دون النظر إلى خبرتهم أو كفاءتهم المهنية. مثل هذا السلوك يضر بمصلحة المؤسسة، ويؤدي إلى اتخاذ قرارات ارتجالية لا تستند إلى منهجية علمية في التعامل مع المدن التاريخية ومعالمها المعمارية والعمرانية.

4.      الحضور المؤسسي الكامل في الفعاليات المعرفية

من الضروري أن يحضر المدير العام واللجنة الإدارية وكافة العاملين من مختلف التخصصات هذه العروض، لما لذلك من أثر في نشر الوعي وتبادل الأفكار. كما يُستحسن استضافة أصحاب الخبرة والاختصاص ممن لا تسمح لهم ظروفهم بالالتحاق بالعمل داخل المؤسسة، لكنهم لا يمانعون تقديم استشاراتهم عند الحاجة.

5.      الحوار الدوري كأداة للتصحيح

إجراء حلقات نقاش دورية بين الإدارة والعاملين يساهم في تذليل الصعوبات، وتفهم وجهات النظر المختلفة، وتلافي الأخطاء، وتدارك ما فات، مما ينعكس إيجابًا على أداء المؤسسة.

6.      التكامل المؤسسي في اتخاذ القرار

من المهم إشراك المؤسسات الأخرى ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة بمجال الحفاظ على المدن التاريخية في اتخاذ القرارات التي تمس اختصاصها، لضمان التنسيق وتكامل الرؤية.

7.      إشراك السكان وتحفيزهم

ينبغي إشراك سكان المدن التاريخية في كل إجراء يمس مدينتهم وحياتهم، وإعلامهم وتوعيتهم به قبل الشروع في تنفيذه. كما يُستحسن تحفيزهم بالحوافز التشجيعية، بما يعزز التزامهم بآليات صيانة المعالم المعمارية التي يشغلونها، ويساعد في الحفاظ على قيمتها التاريخية.

الخاتمة

الحفاظ على المدن التاريخية ليس فعلًا تقنيًا فحسب، بل هو موقف معرفي وأخلاقي ومجتمعي. وما لم تُدار المؤسسات المعنية بهذا الملف بوعي شامل، وبانفتاح على الخبرة والتعدد، فإن الجهود ستظل مجزأة، والنتائج محدودة.
ما كتبته هنا هو محاولة لتوثيق ما رأيته ولمسته، لا من باب التنظير، بل من باب المسؤولية تجاه المكان، وتجاه من سيواصلون العمل فيه بعدنا
.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...