أنماط البيوت التقليدية في ليبيا


بيوت الحفر بغريان

م. المعماري/ محمد عقيل الخطيب


المقدمة:
لكل مكان وزمان في العالم خصائصه المتميزة التي تظهر على إنتاج الإنسان ،والعمارة باعتبارها نتاج إنساني له العديد من الأبعاد التي من الممكن أن تعبر عن الإنسان والمكان والزمان في نفس الوقت.

وهذا البحث هو محاولة لتحديد خصائص بيوت الحفر الموجودة في منطقة الجبل الغربي و خصوصا في منطقة (غريان) ذلك من خلال تحديد الخصائص الفضائية والإنشائية الشكلية وصولا إلى الاستنتاجات والتوصيات المرتبطة مع هذه الخصائص، وذلك لان النتاج الإنساني يمكن ان يفيد في إعطاء حلول آتية ومستقبلية وان كانت موجودة في عين المكان والزمان الحالي . وقد تم ذلك من خلال الزيارات الموقعية والأسئلة التي وجهت للساكنين بهذه البيوت سابقا.

مفهوم الخصائص التصميمية:
المقصود بالخصائص التصميمية في هذا البحث هو دراسة الشكل المادي matter  الذي يعرف بالملامح والتكوينات التي يمكن إدراكها بصورة مباشرة او غير مباشرة بالبحث تمثل حالة ترجمة المواد المستعملة وصياغتها في نظام له  حيز في الوجود ،من هنا كانت عملية التكيف في العمارة adaptation التي هي تركيب الأجزاء للتحول إلى حالة أخرى تقاوم التأثير بالعوامل الفيزياوية والثقافية.

العوامل المؤثرة على الخصائص التصميمية للبيت:
لقد صنف الباحث رابا بورث هذه العوامل الى فيزيائية واجتماعية التي يمكن تحديد أهمها:
1.     العوامل الفيزيائية:
العوامل الجغرافية، من  خلال جيولوجية  المنطقة، من توفر  لمواد البناء وحتمية  معالجات معمارية معينة ، لمقاومتها وصولا إلى الملاءمة للإنسان.
2.     السلوك الاجتماعي:
العادات والتقاليد مثل القبلية ونوع الارتباط الأسري وغيرها من قيم ترتبط بالتطور التاريخي والاقتصادي للمجتمع.
3.     العوامل الثقافية:
المبنى وتأثيره  على طبيعة المجتمع وسلوكه، فالمجتمع المسلم محافظ ، فهناك فصل بين الضيوف والعائلة وقيم أخرى تؤثر على أدق تفاصيل العمارة والتوزيع الفضائي.
4.     التطور التقني:
ذلك من خلال   درجة تطور المجتمع والاتصال الحضاري بالمجتمعات الأخرى   وصولا إلى حلول ملائمة للمشاكل التي تجابه الذي يقوم بإنشاء  أي عمارة في أي مكان وزمان .

من ذلك يمكن  استخلاص ثلاثة اتجاهات للخصائص المعمارية لبيوت الحفر في غريان يمكن دراستها لتحديد الخصوصية والأهمية  للبيت. حيث الخصوصية هي عملية  إعطاء صفة لأي نتاج إنساني وتعبير عن هويته، ليكون منفردا بصفات معينة تعبر عنه، ويمكن بالتالي الاستفادة في أي مكان وزمان غيره ،بعد تكيفه من المحيط الجديد، فتأثير العامل الاجتماعي لتكوين  الفضاءات والعلاقة  بينهما يرتبط مع الخصائص الفضائية، فالتكوين المعماري يتألف من نظامين هما الداخل والخارج ولكل من عنصري هذه الثنائية دور موازي للآخر ومكمل  له، والعلاقة بينهما تتحدد من خلال المفصل المعماري بينهما. والتكوين الفضائي لايمكن إن يوجد إلاّ ضمن منشأ يقاوم الظروف البيئية، ويكون ذو ديمومة كبيرة قدر الإمكان، من خلال نظام إنشائي حسب التقنية المتاحة.

والإنسان يحاول ل بكل الطرق أن يكسب  أي نتاج من العمارة، رموزا وعناصر انعكاس قيمه ورغباته، ويولد أنظمة شكلية، ترتبط مع النظام الفضائي والإنشائي للعمارة.
فلتحديد الهوية والخصوصية   لبيت الحفر يمكن تحديد إطار يتألف من ثلاثة أنظمة هي( الفضائي والإنشائي والشكلي)، ستتم دراسته من خلال وصف وتحديد أهم عناصر وعلاقات هذه الأنظمة.

هذا  ويمكن أن تتخلص  جغرافية منطقة غريان  وهي تقع في الجبل الغربي ، وذات طبيعة مناخية ،هي مناخ البحر الأبيض المتوسط ،وتتأثر في أيام قليلة بالمناخ الشبه صحراوي أو التكوين الجيولوجي للمنطقة هي صخرية رسوبية مع وجود بركان في بعض المناطق.

الخصائص الفضائية:
يعتمد النظام الأساسي لبيوت الحفر في غريان التوجه الداخلي بفناء مركزي يكون اقرب إلى الشكل المربع ،حيث توزع الفضاءات العائلية والخدمية حوله.هذه الحلة من استعمال للفناء الداخلي في البيوت ،يلاحظ استعماله في اغلب البيوت التقليدية في مختلف مناطق ليبيا .إضافة إلى ذلك يعتبر استخدام الفناء (ضمن نمط التوجه الداخلي ) وهو من مميزات العمارة الإسلامية والعربية والتقليدية في العالم.



         
          يتم الوصول إلى الفناء المركزي من البيت خلال مدخل بمستوى سطح الأرض ،من خلال مايسمى (السقيفة ) ، يتم تسقيفه بأغصان الزيتون في الجزء الأول  ، ومع استمرار الممر بالانحدار إلى الأسفل وصولا إلى مستوى الفناء ،تستغل الطبقة الصخرية في الأرض للتسقيف ، من خلال الحفر خلالها.

قبل الدخول إلى الفناء يتم إيجاد فضاء (انتقالي بين السقيفة والفناء)   ويسمى (الحانية ) ، حيث يحتوي هذا الفضاء على مساطب للجلوس  ومنطقة لربط الحيوانات .ذلك عند وجود ظروف جوية غير ملائمة في بعض الأيام  يتم إنزال الحيوانات إلى هذا الفضاء للحماية.
هذا الفضاء يكون عادة بأبعاد تقترب من 3x3 متر وبنفس الارتفاع تقريبا، والفناء المركزي بأبعاد مربعة عادة ومستطيلة في بعض الأحيان حيث يكون بأبعاد   8x8متر كحد أدنى، ويمكن أن يصل إلى 10x15 متر وبعمق 8_10 م  والفناء هو أول جزء يتم حفره من البيت وبعدها يتم حفر الغرف في أركان الشكل الرباعي الذي يحدده فضاءات العائلة التي تتوزع حول الفناء ،تكون منخفضة عنه بمقدار  0.3_0.6  م،وهي على نوعين متعددة الأغراض، يكون اقرب إلى الجزء الأمامي وأخرى للنوم.

تحتوي جدران هذه الفضاءات على فجوات لحفظ مختلف الأشياء وتسمى (رواشن) كذلك يتم اكساء لجدران الفضاءات من الداخل بمونة الجبس وفضاءات النوم يتم استخدام نظام الفضاء المزدوج الارتفاع ،لإيجاد فضائين ،علوي للنوم ،وسفلي للخزن والجلوس ،وذلك من خلال سقف وسطي يتم عمله بجذوع أشجار الزيتون ، حيث يتم الصعود إلى فضاء النوم  بواسطة (السلم ) يكون فضاء النوم بعرض من  2.0_3.0 م وبطول يصل إلى 3.0 م عادة. أما الارتفاع يكون بحدود 2.5 م، حيث يكون الجزء المرافق الصحية تكون غير موجودة في البيت. وهناك حفر بعمق  03 _0.5  م  في منتصف فضاء الفناء ، يتم من خلالها جمع مياه الأمطار  بدلا من التجمع في الفناء. المخزن يكون من خلال فضاء علوي يتم الوصول إليه من خلال (سلم خشبي ) ضمن عملية نحت بالصخر ،ونفس الفضاء مجزئ إلى عدة فضاءات صغيرة ،هذا الفضاء هو أساسا لخزن الحبوب ،ويتم إيصال الحبوب إليه من خلال (قناة عمودية ) محفورة في الأرض، بحيث يتم سكب الحبوب التي يتم جلبها بواسطة الحيوانات من الأعلى إلى الفضاء.

الخصائص الإنشائية:
النظام الإنشائي الأساسي في البيت هو نظام مصمت حيث يتم استغلال وجود ( طبقة صخرية مصمتة بعد طبقة من التراب على شكل طبقة بسمك (2_3) متر . أن  تكون أساسا طبقة طينية متماسكة أساسا حيث نجد أن عملية إنشاء فضاءات العائلة يتم بعد حفر الفناء الوسطي بكل من الطبقتين الترابية والصخرية ،تم يتم حفر المداخل للفضاءات ثم يتم نحت الفضاءات بداخل الطبقة الصخرية المصمتة.

كذلك يتم استخدام نظام الجدران الحاملة المسقفة بجذوع الأشجار وخاصة الزيتون ، في فضاء الضيوف المربوعة ، المتواجد بمستوى الأرض الطبيعية  المصمتة ومن المدخل الخاص بالبيت، وتستعمل جذوع الأشجار أيضا في تسقيف الممر المنحدر الرابط بين مستوى الأرض الطبيعية إلى مستوى الفناء . ذلك من الجزء الذي يمر في المنطقة الترابية، قبل المنطقة الصخرية من الارض، حيث يتم استغلال الطبيعة المصمتة في هذه المنطقة لتسقيف الممر.

الخصائص الشكلية:
النظام الشكلي بصورة عامة  في البيت  يعتمد على الخطوط المبسطة التي تقترب من الاستقامة، مع تواجد بعض المعالجات للمداخل بالأقواس وخصوصا في فضاء الضيوف ( المربوعة) الموجود بمستوى سطح الأرض. أي أن النظام الشكلي ناتج عن غرض نفعي ( pragmatic ) بشكل أساسي فالهدف هو السكن إضافة إلى وجود الفضاءات الرئيسية للعائلة تحت مستوى الأرض بمستوى لايمكن أن يشاهد من الغريب ، والمشاهد هو فقط ( المربوعة ) للضيوف.

مدخل البيت

الممر المنحدر المؤدي إلى الفناء

الفناء المركزي والفضاءات التي تحيط به

الفناء المركزي

الفناء المركزي وعلاقته بالمحيط الخارجي

الفضاء العائلي

فضاء عائلي آخر في نفس البيت

بساطة الأشكال تعكس الاهتمام بالوظيفة لابالشكل او بالوظيفة أكثر من الشكل المعماري، فاستعمال الأثاث داخل المسكن بالرغم من البساطة فهي تعطي تنوعا بصريا في داخل الفضاء الذي لايحتوي سوى على جدران صماء وبعض الفجوات في الجدار للخزن ، هو مثال على استمرار التأكيد على الوظيفة بدون إهمال الشكل.

الاستنتاجات:
  • بيت الحفر في غريان يمثل حالة من الاستغلال الأمثل لإمكانيات البيئية، لمواجهة هذه الظروف البيئية.
  • البيت حقق حالة من التصميم الفضائي، المتوافق مع الحاجات الاجتماعية للأسرة وضمن قيم المحافظة.
  • هناك نقص في الخدمات الصحية للمسكن، ذلك بسبب طبيعة التقنية المتوفرة في وقت إنشائه.

التوصيات:
  • إعداد دراسة مناخية متكاملة بالعلاقة مع تصميم البيت، لاكتشاف الإمكانيات المتاحة في التصميم، لاستغلالها في التصاميم المعاصرة.
  • دراسة إمكانيات تطوير البيت لمختلف الاستعمالات في الوقت الخاص، لاستغلالها سياحيا، من خلال البيوت المنفردة أو مجاميع البيوت.
  • عمل الدارسات المقارنة بين بيت الحفر في غريان، مع بيوت الحفر في مناطق ليبيا  الأخرى، وغيرها من البيوت ( تحت الأرض ) الموجودة في العالم، لإيجاد الخصوصية والترابط .

تعليقات

  1. This excellent website truly has all of the information and facts I needed concerning this subject and didn't know who to ask.

    Feel free to surf to my web-site - new gadgets ()

    ردحذف
  2. لو سمحتو نبي من كاتب هدا الموضوع نبي منه مساعده

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية