حوار مع فنان تشكيلي


علي عمر إرميص وفن البحث عن الهوية


يسري حسين


حروف وكلمات تعزف على أوتار التعبير الفني والتشكيلي وتقيم جسور اللقاء مع الآخر



شهدت الساحة البريطانية تَجلي لغة فنية متألقة ميزت أسلوب الفنان التشكيلي العربي علي عمر أرميص، الذي تتعمق تجربته دائماً بالإبحار في محيط الثقافة الإسلامية والدلالات الموحية للخط العربي وقدراته على الترميز والإشارة إلى ثوابت العقيدة الإسلامية. ويميز أرميص إدراكه العميق لرسالة الفن والاستقرار شديد التوهج على موضوع الهوية والإبداع الخاص على مر سنوات طويلة. وهو يعتبر أكثر أبناء جيله قدرة على تنمية هذا الاتجاه الذي استقر عليه ويعكس سمات الشخصية الثقافية الإسلامية.
ويعود عمق تجربة الفنان إلى اطلاعه على عالم القيمة الجمالية الإسلامية، ونظريات محفورة في قلب العقيدة، جاءت مع نور الإسلام، الذي أطل على الكون بنظرة مختلفة تدعو إلى الله الواحد الأحد، لا شريك له، وليس كمثله شيء. هذه القاعدة المهمة في رباط العقيدة مسؤولة عن نظرية جمالية تقوم على التجريد الخالص، وتركز على أسماء الله وثقافة علوم القرآن وجماليات الخط العربي، الذي تبلور مع الإسلام.

القيم الجمالية في ضوء العقيدة:
هذه النظرية الإسلامية، أعطت النور الإبداعي لمجموعة كبيرة من أهل الحرفة الفنية على مدار العصور، للتأمل في آيات الخالق العظيم وتصوير الحروف والجمل العربية لتكشف عن جمالها في درجات الخط العربي ومدارسه المختلفة. وكان لوجود الحرف العربي، الذي نزل به القرآن الكريم، دلالة قوية على تحديد طريقة الاجتهاد والتنويع على أوتار الجماليات التي ارتبطت بهذا اللون البديع. وعندما تدخل المسجد الإسلامي ترى هذه الآيات منقوشة بإبداع حقيقي بألوان الخزف والحفر والإبداع المدهش على جدران المسجد. وتشد هذه الآيات المصلين نحو القرآن الكريم وترتيل آياته والإبحار مع كلام الله العظيم.

وعمارة المساجد الإسلامية قامت على أطر زخرفة دينية ذات هدف واضح هو دفع المؤمن للتأمل وقراءة آيات الله والنظر في طريقة كتابة الحروف ومكانتها خصوصاً إسم الله ورسوله الكريم. وعندما تدخل بيتاً من بيوت الله، ترى هذه اللوحات الكريمة مكتوبة بحروف ملونة. لكن الشكل الجمالي ليس لذاته وإنما لدفع المؤمن نحو التأمل في عالم الله، وقوانينه وثوابت العقيدة. وتتفق هذه الجماليات مع طراز العمارة الإسلامية وعالمها المدهش من البناء والكلمات في تداخل مستمر وفعال.


وعندما ذهب المستشرقون إلى العالم العربي شدتهم طريقة بناء المساجد ودلالاتها في عالم العقيدة الإسلامية، ودور المسجد - الجامع في حياة المسلمين، حيث تتم العبادة والإستماع إلى آيات الله وخطب الجمعة والإنصات إلى الأحاديث القرآنية ودروس الوعظ والإرشاد الديني.
والمسجد مدرسة شاملة في عالم العقيدة الإسلامية. وعلى جدرانه توجد آيات الله مكتوبة بخطوط المدارس الإسلامية، وهي تيارات فنية في عالم الكوفة وخط الرقعة والثلث وغيرهم من إبداع المدرسة الإسلامية الرائدة.


ويعطي هذا الإرث قاعدة ثابتة لنمو إتجاهات وتيارات معاصرة تستفيد من هذه القراءة والعودة المباشرة إلى القرآن الكريم للإطلاع على تعاليم الله وإرشادات الكتاب الكريم لفهم الذات الإنسانية وتغير الظواهر الكونية والإطلاع على العلم الإلهي، المسؤول الأول عن هذا الكون ومظاهر الإعجاز فيه.

الإبتعاد عن الإغتراب والعودة إلى الوعيوقد إهتمت تيارات عربية في مرحلة الإغتراب عن الثقافة القرآنية، بالإطلاع على عالم فن الغرب ومحاولة تقليده وإستنساخ أفكاره. وعلى مدى أحقاب طويلة كان رد الفعل العربي باهتاً وهامشياً وغير مؤثر بتقليد الغرب ومحاكاة فعله الثقافي. وقد برزت في الآونة الأخيرة موجة تعود للأصول بزخم معاصر، أي إنها تقرأ الثوابت وتستوعبها، لكنها تأتي بفعل فني جديد، يعيد نقل الموروث إلى عالم متجدد من التركيب والألوان والحقائق المعبرة عن علم تشكيلي معاصر، يقوم على القرآن الكريم والحرف العربي ومساحات الألوان التراثية المتميزة.
ويقف أرميص فوق قمة هذا الإتجاه لأصالة فريدة لديه بالعمق والمعنى والتجديد القائم على المتابعة والحوار والإطلاع وبناء عالمه على أسس فنية تشكيلية تعتمد على إضاءات إسلامية وتجلي الحروف وإستخدامها في بناء قاعدة المعرفة التشكيلية الواسعة.


ويبهر في أعمال أرميص، إتساعها وعمق معرفتها ومعاصرة لغتها وإعتمادها على قاموس فني خاص بها. هذا النهج رسخ للفنان مساحة كبيرة في مجال الثقافة العالمية المعاصرة بنفس وتوجه إسلاميين، وهو أكثر الفنانين العرب إطلالاً على مسرح العالمية حيث تهتم الحركات المعاصرة كافة والقاعات المختلفة بإقتناء أعماله لأنها تعبر عن شرق وفن وإسلام.

لوحات تشكيلية تجدد لغة الحوارومعرض الفنان الأخير في لندن حيث يقيم، كان الأكثر حضوراً بين تيارات الفن الإنساني المعاصر، مع تقديم وجهة نظر تطل من عيون حضارة الإسلام وفكرها وتنوع القاعدة التي يملكها. ومن المهم التأكيد على عطاء حضاري ممتد للإسلام في أشكال الفكر والفن والحوار مع الآخر، وتجاوز الصدام لتقديم هوية، تملك لغة البناء والتشييد، وتبحر في عالم الإبداع المدهش على مر قرون وأحقاب، حيث تتجلى لغة الإضافة الإنسانية في أكثر من نهر وطريق.
والتأمل في لوحات أرميص يعطي إشارة كاملة عن رحابة المساحة التي يتحرك فوقها الإنسان المسلم، حيث توجد إتهامات وإشارات وأفكار تفتح أبواب الإجتهاد الفني، وتحرض الفنان على الابتكار والإنطلاق في ساحة كاملة من الحرية .

وقد شعرت بهذه الحرية خلال تجوالي في المعرض الأخير والتعرف على أعمال أرميص المدهشة، حيث إنفرد بقاعة واسعة وبأعمال فيها لغة التجدد والحوار مع الحرف وتأمل إعجاز الكون والوصول إلى قناعات تقود إلى الإيمان بخالق عظيم، أبدع هذا الخلق بجمال وعذوبة وإتساق وتوازن، يعد آية للإعجاز وبيان حكمة الصانع الذي تجلت قدرته.
وأدهشني في عالم أرميص لغة الألوان التي تميل إلى الرمز وإلى أبعاد درامية تحكي وتتحدث وتترجم لأفكار وإتجاهات ومواقف في عالم متسع أمام الفنان يمارس فيه حريته.
ومن ضمن الإدعاءات المضللة أن الفنان المسلم مقيد وغير قادر على التحليق في عالم الإبداع. ولوحات علي عمر أرميص تكذب كل ذلك عبر حرية واضحة في التأمل والتعبير وإستعمال الألوان والإبحار الكامل في إجتهادات مختلفة تجسد الأفكار والرؤى وعمق سلم الجماليات الإسلامية.
إقامة الجسور بين الأنا والآخر
تعطي لوحات الفنان صفة عالمية في ترجمة الإتجاه الإسلامي، وهذا الاتجاه قادر على دخول ساحة المعاصرة بخصوصية ثقافية تعكس مجموعة القيم الحضارية للإسلام.
وقد إنشغلت هذه اللوحات بفكرة "الهوية" التي لا تصطدم مع الآخرين، وإنما على العكس تثير الحوار معهم على أسس الخلاف واللقاء. ومن حق كل طرف إنساني الإحتفاظ بعالمه وهويته الخاصة. والاختلاف يعمق من نهر الخصوصية. لكنه لا يدفع نحو الإنغلاق، وإنما على العكس تماماً يؤكد الحوار والإنفتاح على الآخر.
تمكنت لوحات أرميص من إقامة الجسور من خلال لغة الإبداع التي تعكس تأمل الفنان داخل الذات وفي قلب منظومة كاملة من الثوابت تعطي للمسلم بوصلة خاصة تقوده نحو العالم، لفهم الأشياء والتعامل معها.

وكان الفيلسوف الإغريقي القديم سقراط، يدعو إلى معرفة النفس لفهم العالم والتعامل معه. وقد تعثر المثقف المسلم في معرفة النفس لذلك عانى الإضطراب والإنقسام والحيرة. ومعرفة الذات لأبعاد ثقافتها وهويتها يساعد على قراءة خريطة العالم بوضوح أكبر. وعندما يدرك الإنسان ذاته، عبر فعل الهداية والإيمان، ينطلق في رحلة التعامل مع الآخرين، لتحديد مساراته واللقاء على مائدة إنسانية عامرة بالأفكار، يعرف فيها كل فرد نفسه وثقافته. وقد وجدت الإقبال على عالم أرميص وفهمه وإستيعاب القيم الجمالية المرتبطة بها، والثوابت الإيمانية التي تشير إليها. ولوحات الفنان جميلة وعامرة بالجمال والبحث والتأمل الخلاق في كون عظيم ومبهر.

وتعطي هذه اللوحات متعة في انطلاقها داخل حقول جمال التعبير التشكيلي. ويتحول الحرف في هذه الأعمال إلى قطعة لامعة بالضياء داخل مساحة ضخمة من عزف ألوان متعددة فوق قاعدة من الأفكار والإشارات الرمزية والعطاء المتميز.
جمال اللوحات في إستعمال لغة الفن بلا مباشرة، مع حوار مثمر بطبيعة الرمز داخل بناء الحرف العربي. وقد إستخدم القرآن الكريم الحروف في آيات محددة، دلالة واضحة على إشارات ورموز وإحالات خاصة إلى فعل الإيمان ورسالة الله.

ودائماً عالم الفنان الكبير علي عمر أرميص، يشدني بهذا الإبداع المتجدد خلال سنوات ممتدة، يتطور فيها بإستمرار. وكل معرض إضافة جديدة إلى مشوار حياته وصدقه وقدرته على إبداع في نهر الخصوصية يتمسك بالثوابت ويجدد لغتها. ويسمح للفنان هذا الإنحياز إلى الهوية بالحوار والتعامل مع الأخرين. ويقدم الفنان صيغة مطلوبة تؤكد أن التمسك بالخصوصية يسمح بالإنفتاح والتجدد والحوار دائماً.
وقد أعطت لوحات أرميص الأخيرة، لمحة أخرى على تنوع عالمه الأصيل والعميق. والفن العظيم يعمل بإستمرار على إثارة الأفكار والتيارات والتأمل في عالم جميل يستند إلى عقيدة أكثر جمالاً.
* الفنان التشكيلي علي عمر إرميص في سطور/
علي عمر أرميص فنان عالمي ، ليبي مقيم في بريطانيا يعتمد الحرف العربي كأساس للوحاته الفنية. اتخذ من بريطانيا مقر اقامة له منذ أكثر من ثلاثة عقود.

يرسم على مختلف الاحجام حيث يصل حجم بعض اللوحات إلى 5 امتار ، مستخدما لونا واحدا أو الالوان المتعددة بواسطة فرشات كبيرة على أوراق مصنوعة يدويا. متخذا الحرف العربي اساسا للوحة الفنية.

اسلوبه فريد في نوعه، حيث يجمع في لوحاته مقتطفات من الادب العالمي ، وخاصة الادب العربي والاسلامي والشعر والنثر ويستخدمها كتعليقات على القيم الانسانيه مثل العدالة والسلام وحقوق الانسان ، وحمايه البيئة والمسؤوليات الاجتماعية والاخلاقيه. الجمع بين النص ، الالوان ، والأشكال ، الاحساس بالفضاء والايقاع مما يخلق مقطوعات و تركيبات بصرية وموسيقية جميلة.

ويعتبر أرميص من قبل العديد من المراقبين وخبراء الفن في جميع انحاء العالم كفنان عالمي فريد من نوعه . وقد عرضت اعماله على نطاق واسع في العالم ويعتبر من أهم الفنانين التشكليين المسلمين المعاصرين في العالم.

يختار اعماله من كتب المختارات الادبية العربية، مثل العقد الفريد وبهجة المجالس و الاغاني الخ.





الموقع الرسمي للفنان/

تعليقات

  1. السلام عليكم
    الاخوة الكرام
    لمادا لايوجد فى معهد للتراث مثل المعهد العربى للتراث الموجود فى سوريا فى مدينة حلب يهتم بالموروث بنواعة

    ردحذف
  2. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي شعبان


    بداية، هذه مدونة شخصية يشرف عليها مؤسسها فقط. هذا حتى لا يتم تكليفنا بما لا نطيق ولا تسمح به الامكانيات والظروف.

    بالنسبة لفكرة تأسيس معهد عربي للتراث، فهذا موكول إلى الدولة الجديدة أن تضعه في اهتماماتها، علما بأن هناك جهاز لإدارة المدن التاريخية يقع عليه عبء الحفاظ على الموروث الثقافي لجميع المدن الليبية( المعماري/ الحرفي/ الفني/ والعادات والتقاليد/الوثائق والمخطوطات وكل ما يندرج تحت إطار الموروث الثقافي من شواهد).

    وربما تختلف المسميات إلى جانب مصداقية القائمين على هذه المؤسسة وفروعها في المناطق الأخرى. لهذا لا تظهر نتائج ملموسة ومؤثرة في المجتمع تحقق الغاية من تأسيسه.

    كذلك هناك الكثير من الجمعيات التي تأسست وتتأسس حاليا وفق هذا المنظور ولكنها تفشل لغياب الدعم والتوجيه، إضافة إلى افتقار القائمين عليها إلى الجدية والمصداقية.

    ليبيا لا تفتقر للمؤسسات التي يقع على عاتقها حفظ التراث وإعادة إحيائه وتقديمه في رؤية معاصرة.

    ولكنها نفتقر إلى الإخلاص في العمل والمصداقية والاحترافية.

    نسأل الله أن تكون ثورة الشعب الليبي على نظام حكم مستبد وجاهل دام 42 سنة، هي بداية ثورة الشعب على نفسه ليقوم بإعادة تصحيح أوضاعه في جميع المجالات والجوانب الأخلاقية والعلمية والعملية والفكرية.

    أشكرك على مرورك أخي شعبان، مثلما أشكرك على هذه المشاركة القيّمة.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية