أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الجمعة، فبراير 27، 2009


نماذج من عمارة طرابلس


علي الصادق حُسنين

لابد في البداية من توضيح أنني اعتمدت في كتابة هذه الورقة * على ثلاثة مصادر هي :
1- مقال نشرته صحيفة " مستقبل طرابلس " في عددها الصادر يوم 24/12/1929.
2- مقال نشرته دورية " الأسرة النصرانية " في عددها الصادر يوم 3/2/1929
3- مقال حرره الأستاذ " أنجيلو بيتشولي " وجاء ضمن المجلد الثاني من كتاب أصدره الناشر " مونادوري " سنة 1934 عنوانه " إيطاليا الجديدة فيما وراء البحار " ثم كان سندي ما رواه لي – مشكوراً – الأخ الكريم الحاج : محمود الحنيش ، الذي هو أحد أبناء المنشية المخضرمين ، أمد الله في عمره وجزاه عني خيراً.

إن العناية المتوخاة من حديثي تتمثل – بالدرجة الأولى – في إذكاء ذاكرة تاريخنا الحافل بالأحداث وذلك حتى تكون الأجيال الصاعدة لاسيما طلبة كلية العمارة والتطوير العمراني على علم بما ألفه البحاث الإيطاليون عن المعمار ببلادنا ، وليس من قبيل التواضع والاعتراف بقصر باعي في هذا المجال .
لعله من المعروف بل ومن الملموس أيضاً أن طرابلس ما برحت تزخر بتحف معمارية يرجع بعضها إلى حقب سحيقة ولكن يعوزها التوثيق باستثناء قلة قليلة منها مع العلم بأن التوثيق شئ لازم مفيد.
ولا يفوتني أن أشدد على أن التوثيق المتعلق بالمباني الأحدث عهداً يكاد يكون معدوماً لأن ملفاته إما أن تكون قد ضاعت في خضم أحداث الحرب العالمية الثانية أو في أثناء عمليات نقلها مراراً من موقع إلى آخر وإما أن تكون محفوظة بغير نظام ولا تصنيف ولا فهرسة بمخازن البلدية أو بدار المحفوظات التاريخية في القلعة.
ففي ضوء كل ذلك تتجلى صعوبة وصول الباحث إلى ما يرومه منها.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يجب ألا يغيب عن الأذهان أن مخططات التطوير العمراني المترادفة التي شهدتها المدينة مع أسباب أخرى قد حتمت إزالة بعض العمائر المذكورة مثل ثكنة البرهانية والمستشفى العسكري ومقر البلدية ومقر شعبة الحزب الفاشستي ومسرح الميراماري وبنك إيطاليا وعمارة " اينا " وعمارة الأوقاف التي كانت تضم مسجد سيدي حمودة وضريحه ولكن ظهرت – في مقابل ذلك – إلى الوجود عمائر عصرية أخرى مثل مجمع ذات العماد وبرج الفاتح ومقر أمانة المواصلات الذي يضم إدارة البريد والبرق والهاتف بالإضافة إلى عدد لايستهان به من العمارات السكنية العامة والخاصة ولا ننس مركب جامعة الفاتح والمركز الطبي المجاور له ومستشفى الخضراء وغيرها.
من المعروف أن الدايات العثمانيين الأوائل قد اتخذوا لإقامتهم بعض البيوت الفاخرة مما كان متوفراً عصرئذ داخل أسوار حاضرة طرابلس وذلك باستثناء " طور غدو باشا " الذي ورد في بعض المصادر أنه بنى لنفسه قصراً جميلاً بمحلة باب البحر خلف الحصن الذي أقامه على الناصية المواجهة للميناء .

ومما يروى أن " دار القاضي " أي مقر المحكمة الشرعية سابقاً بشارع جامع الدروج ظلت في وقت من الأوقات مقر إقامة بعض هؤلاء الدايات علماً بأنها عبارة عن " حوش " عربي الطراز يتألف من طابق أرضي وأخر علوي ولا يحمل من معالم الزخرفة سوى الشئ اليسير ، إنه مازال قائماً وغير مسكون وفي حالة إنشائية يرثى له بحيث أضحى ترميمه من الضرورة القصوى بمكان وإلا تداعت أركانه وآل إلى الخراب أسوة بغيره.

ومن المعروف أيضا أن القلعة لم تصبح مقراً لإقامة الحاكم إلا إبان العهد القرمانلي لأنها كانت قبلئذ أكواماً من الأنقاض نتيجة للدمار الذي لحق بها وللإهمال الذي شهدته لحقب طويلة .


وفي وثيقة إيطالية من أرشيف مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية وردت إشارة إلى إقامة الوالي إبان العهد العثماني "الثاني بكل احتمال" كان في عمارة ما انفكت أرضها حتى الآن من أملاك المؤسسة الخيرية المذكورة تطل واجهتها الشرقية على شارع أول سبتمبر وتطل واجهتها الجنوبية على شارع الكويت .
ومن جملة العمائر التي أنشئت بشارع العزيزية " شارع التحدي حالياً " في مطلع القرن المنصرم كمقر لإقامة الوالي كان قصر العزيزية المؤلف من طابقين والخالي من أية زخرفة تذكر وبالعمارة نفسها أقام الحكام الإيطاليون إلى أن أقيم المبنى الذي حل محلها في وقت لاحق وهو مبنى بديع من دورين يحمل زينات وملامح المعمار الإيطالي وتنم واجهته على فخامة طرازه . وبعد فترة غير طويلة أضحت هذه العمارة بدورها لا تفي في رأي أحد المعلقين حتى بحاجة متصرف ناحية بسبب قلة الحجرات والغرف ولتجرد جوفها من معالم الزخرفة ومن الأثاث الملائم.

ومن الحري بالذكر أن الإيطاليين استقدموا من روما منذ 1912 فريقاً من مهندسي وفني وزارة الأشغال العمومية لأجل القيام بدراسة أوضاع طرابلس وتقديم تقاريرهم ودراستهم ومقترحاتهم .
وسرعان ما باشر سلاح المهندسين وبعض مقاولي القطاع الخاص الأعمال ، كما أتخدت الإجراءات اللازمة لوضع مخطط لمنطقة باب البحر فهدمت وأزيحت المباني القديمة التي كانت تحجب قوس " مرقس أوريليوس " بغية إبراز هذا المعلم الروماني الوحيد الذي تحتضنه المدينة (**) .
لقد بذلت في الواقع جهود جبارة في سبيل إعداد طرابلس لإيواء المهاجرين أو المهجّرين المستعمرين الإيطاليين فمن جملة العمائر التي شادوها خارج أسوار المدينة القديمة معهد أومبيرتو دي صافويا الذي أصبح يعرف – منذ أكتوبر – بمعهد جميلة الأزمرلي والذي كان تابعاً لمؤسسة اخوان المدارس المسيحية " لاسال ".

تبرع بوضع تصميم هذه العمارة مهندس يدعى اوريستي فروغوني كان من خريجي إحدى مدارس المؤسسة المذكورة في مدينة ماسا ، وقامت الشركة الإيطالية للإنشاءات والأشغال العامة بتنفيذ الأعمال في مدينة قياسية حقاً إذ جرى الاحتفال بوضع حجر الأساس يوم 7/1/1929 في عهد خلفه الجنرال بيترو باضوليو علماً بأن مساحة الأرض التي أقيمت عليها تبلغ 5835 متراً مربعاً .

إن هذه العمارة تشكل نموذجاً فريداً في روعته لما بذل في تصورها وإنجازها من عناية ولما روعيت في تفصيلاتها من دقة شديدة . إنها من طابقين إذ أحدث بها قسم داخلي للقادمين من خارج الحاضرة .
كان إظهار هذا المشروع إلى حيز الوجود بتشجيع من الحكومة التي أسهمت في تكاليف بنائه بمبلغ 350 ألف ليرة ، أي مايعادل ثلث التكلفة الإجمالية وذلك فضلاً عن تحملها نفقات التأثيث.
يتسم مظهر هذا المبنى بالعظمة والبهاء ويتميز بواجهته الجميلة المتناسقة الأجزاء والبالغ طولها 56 متراً ويتميز أيضاً بطابعه المعماري المتناغم مع البيئة المحلية التي تحتضنه مع توفر مايلزم من إضاءة وتهوية وشروط صحية أخرى وألحق بهذا الجزء المطل على شارع الأفغاني جناحان طول كل منهما 45 متراً. تتسع فصول هذا المعهد لثلاث مئة تلميذ تقريباً ويتسع قسمه الداخلي لإيواء نحو أربعين تلميذاً.
تتسع فصول هذا المعهد لثلاث مئة تقريباً ويتسع قسمه الداخلي لإيواء نحو أربعين تلميذاً.
يقع المدخل الرئيسي للمعهد بشارع الأفغاني وبعد تجاوزه يجد المرء على يمينه مكتب المدير وعلى شماله كنيسة صغيرة بسيطة الزخارف تتسع لحوالي 300 مصل .
وبعد ردهة المدخل ينفتح أمام المرء ممر طولي يستمر يميناً وشمالاً إلى عمارتي الجناحين المفضيين إلى فنائين. وفي منتصف الممر الطولي هذا تقوم ستارة زجاجية عريضة تسمح بالاستمتاع بمنظر روض بديع به حوضان متماثلان تطوقهما شتى أنواع نباتات الزينة . إن للمعهد مسرحاً غاية في البهاء به أكثر من 400 مقعد.

وعلى الممر نفسه تفتح أبواب قاعات الطعام التي جاءت فسيحة ومؤثثة بلا تقتير ولا تبذير ولكن بذوق سليم ، ويلي ذلك المطبخ الذي تم توضيبه على نحو عصري بالمتطلبات الصحية وتحت ذلك يقع القبو الذي يضم مخازن شتى للمواد الغذائية والمشروبات مع عدد من الثلاجات لحفظ المواد القابلة للتلف .
وإذ يطلع المرء من هذا القبو إلى الطابق الأرضي يواصل سلوك الممر المشار إليه آنفاً الذي ينتهي به إلى الفناء الخاص بالمدرسين حيث غرست بعض الأشجار المثمرة وأفرد جزء منه لزراعة الخضراوات وجزء آخر لتربية بعض الدواجن وجزء ثالث لممارسة لعبة الكرات اليدوية " bocce ". (*)
إن جداراً يفصل هذا الفناء عن الساحة الكبرى التي يقضي التلاميذ في رحابها فترات الاستراحة وتجري فيها دروس التربية البدنية وتقام فيها مباريات كرة القدم والطائرة وكرة السلة ومختلف المسابقات والألعاب الأخرى . وطوال ممر الجناح الأيمن – ابتداء من ردهة المدخل الرئيسي - تقع فصول الدراسة التي تتميز باتساعها وبتوفر الإضاءة والتهوية الكافيتين وبأثاثها العصري ، وعلى غرارها جاءت قاعات المطالعة الخاصة بتلاميذ القسم الداخلي والتي تستعمل كذلك لتمرينات الموسيقى والإنشاد وللجلسات العادية التي يتسلى فيها التلاميذ ويتجاذبون أطراف الحديث .

وقد جهز المعهد بمتحف صغير ينطوي على عينات من المعادن والنباتات والحيوانات المحنطة وقطع من العملات الأسلحة القديمة . أما السلالم فأنه مريحة ومكسوة بالمرمر وتؤدي غالى السطوح بعد الطابق العلوي الذي يشمل غرف النوم التي تتوفر فيها كافة الشروط الصحية وقد أثثت تأثيثاً جيداً.
والى جانب ذلك هناك حمامات مع صيدلية ومستوصف . ومن أعلى السطوح كان – ولم يعد – ممكناً الاستمتاع بمنظر عام فتان للمدينة والبحر الذي يحفها شرقاً وشمالاً ولواحة المنشية الفواحة الكثيفة التي كانت – ولم تعد – تحيط بها غرباً وجنوباً إذ أزيل السواد الأعظم من نخيلها وحلت محله دور ودارات وغيرها من العمارات .
وعلى الرغم من انشغال السلطات العسكرية بالعمليات الحربية وبمطاردة المجاهدين وبمقاتلتهم سعياً وراء توسيع رقعة الاحتلال ، وفي خضم الجهود الرامية إلى تنفيذ المخطط العام لمدينة جديدة في ظل الاستعمار الغاشم قامت الجهات المختصة بنزع ملكية عدد هائل من بساتين المنشية بما في ذلك مقبرة سيدي نصر التي أصبح جزءاً منها ضمن الجانب الغربي من المساحة التي خصصت لإقامة قصر جديد ينطوي على ديوان الوالي وأجنحة إقامة أسرته وضيوفه(*). لقد بدأ تنفيذ الأعمال في أواخر عهد الوالي جوسيبي فولبي ، " 1921 –1925" على يد شركة إيطال - كيني للمقاولات / ميلانو التي أنجزته سنة 1931 ، وكان ذلك قبل نهاية فترة حكم الجنرال بييترو باضوليو " 1929-1933" التي لم ينتقل إليه فقدر لخلفه الفريق طيار ايطاليو بالبو " 1934-1940" أن يستمتع بالإقامة في رحابه ، إن هذا الصرح الذي جاء في الواقع تحفة معمارية فريدة في طرازها يتألف من كتل جميلة الملامح تمتزج فيها عناصر الفن الشرقي بعناصر الفن الغربي وتجسد محاكاة للقديم وتلاؤماً مع الحديث ويتجلى فيه تناسب الأجزاء مع الكل تناسباً منطقياً غاية في الانسجام .

لعله من المفيد إيراد أن المعماري الذي وضع هذا التصميم كانت نشأته بشمال إيطاليا ولكن قيض له أن يقيم فترات طويلة بتونس والجزائر وطرابلس ، فوقف بحكم ذلك على طباع هذه الأقطار وميزاتها . وإذ تحرر من كل استلهام اخرق صاغٍ لهذا الصرح تصوراً معمارياً متوسطياً أستطاع أن يسطنبته من أغوار القرون الوسيطة العربية وأن يسبغ عليه طابع عصرنا الحاضر لاسيما باتخاذه العناصر الثلاثة التالية :
1- القباب التي من شأنها أن تزيد من حجم الفضاء الجوفي.
2- الشرفات التي جاءت عقودها قصيرة الأوتار ومرتفعة المركز بحيث تحجب أشعة الشمس وتحمي من لسعاتها.
3- منظر الموقع العام الذي يتميز بهيمنة الشمس على البحر واليابسة وذلك في تناغم مع النسمات الطفيفة التي تهب من الواحة ذات النخيل الكثيف ، وقد بقى هذا الفناء وفياً لهذا اللون من المعمار ولما جادت به قريحته من خلق وإبداع .
لقد تناول الناقد الفني جينو داميريني هذا الإنجاز بالدرس ونشرت دراستها في كتاب عنوانه"قصر الوالي في طرابلس" من إصدار الناشرين الثلاثة " تريفيس – تريكاني – تومينيلي " معاً إلا أن سنة الإصدار لم يرد لها ذكر فلنفسح له مجال الحديث إذ يقول :
إن العمارة التي أبدعتها عبقرية المهندس مانتيغاتزا يمكن رؤية ظاهر كتلتها أن تولد للوهلة الأولى الانطباع بكونها تجديدا أسلوبيا ينم عن لطف واهتمام ويتسم بطابع موريسكي محلي ، إلا أن هذا الإحساس المعقول يتضح على اثر التمعن في القصر بمجيد من الانتباه وعندئذ تبدو روح التجديد مستقلة استقلالا أكثر حداثة إذ يتجلى فيها شئ من الحنين إلى عمائر البندقية ومن شأن ذلك أن يعود بالمرء إلى جزيرة كريت والى بلاد المشرق إبان مطلع القرن الخامس عشر ، بل يقوده مباشرة إلى عمارة " فندق الأتراك في البندقية وكذلك إلى بعض ماتنطوي عليه كنيسة القديس مرقس من صيغ معمارية وفيما يواصل المرء استطلاعه يبرز له جوف القصر شيئا فشيئا الابتعاد عن النموذج المألوف ويجنح به إلى التقييم الشخصي من خلال توسع أنيق ولكنه مهيب في الخطوط والكتل التي تحتل مواقعها فيها – بتوازن تلقائي – جميع التقسيمات الفرعية المتمثلة في حجرات الصرح وغرفاته ومرافقه الخدمية وهذا وأن المسقط الأفقي يمكن أن يساعد على فهم هيكلية هذه العمارة الفريدة التي تتكون من طابقين احدهما علوي تهيمن عليه خمس قباب وأخر سفلى يرتفع مستواه قليلاً فوق سطح الأرض وعبر الرواق المعمد المواجه للمدينة يصل المر من الردهة مباشرة إلى الصحن الفسيح الذي يشكل عنصراً ضرورياً في فن البناء الليبي و الذي أفلح مانتيغاتزا في استغلالها إلى ما يشكل قمة العمارة إلا وهو القبة المركزية.

وتحت هذه القبة – في توازٍ – ستارة نصف كروية شبكية معدنية ترصع عيونها فصوص من الزجاج البراق المزخرف علماً بأنها من إنجاز الفنان بييترو كييزا . إن الصحن يفصل قاعات الاستقبال عن جناح الضيافة وعن ديوان الوالي والأمانة الخاصة ومن الحري بالتنويه أن المسقط الأفقي بسيط ولكنه منظم تنظيماً منطقياً . وأسوة بصفوف الأعمدة والشرفات المتراكبة يوحي هذا الصرح – من خلاله بساطته – بفكرة العظمة ، ومن شأن هذه البساطة أن تضفي على غرفه وحجراته شيئاً من الروعة ، حتى لا يغيب عن ذهن الداخل إليه أنه على أعتاب دار إقامة فخمة .

وعندما يكون القصر مفتوح الأبواب يتسنى الاستمتاع بمد البصر صوب كل الجوانب .وفي واقع الأمر قد تم دراسة أجزاء فتحات عديدة على محوري العمارة : أنه لمشهد خلاب يتمثل في الواحة بنخيلها وفي البحر وزرقته وفي خلفية المدينة التي تسيطر عليها القلعة العتيقة مع العلم بان كل ذلك يتأتى من الطابق السفلي .
يتم الوصول إلى الطابق العلوي عبر سلم خشبي لا صغير ولا كبير يتلاءم تماماً مع الفكرة المميزة لسائر أجزاء العمارة ويشتمل هذا الطابق على المأوى الخاص الذي صمم بطبيعة الحال خارج نطاق قواعد الطراز الساحقة إذ جاء رحيباً رحابة كافية وجاء توضيبه بصورة تسمح بأن تجري فيه الحياة الخاصة لسكانه في كل الأحوال باستقلالية تامة إن هذا الطابق متصل مباشرة بالقبو الذي ينطوي على المطابخ والمرافق الخدمية الاخرى التي توفر كل وسائل الحياة الحديثة التي من شأنها أن تفي بحاجات دار عديدة السكان .
ولضمان أن تكون الحياة الحميمة لساكنه مستقلة بشكل مناسب عن حياته متصلة بعمله فإن المدخل الرسمي للقصر وضع على الواجهة الرئيسية المقابلة لوسط المدينة ووضع المدخل الخصوصي على الجانب الأيسر ، بيد أن الدخول إلى القبو يتم عبر سرداب طويل يكون النزول إليه من طريق فرعية.
أما الطابق الأسفل المخصص للنشاط الرسمي فينطوي على قاعات تمثيل فخمة وحجرات للجلوس وجناح لأجل الضيوف وديوان الوالي ومكاتب أمينه الخاص وضباط " اليوران " يتوسط هذا الطابق صحن مشرقي الطابع يحيط به رواق أعمدته من المرمر " بوتيتشينو " وبلاطه مزدان بحواف من المرمر ذاته وهناك مساحات مكسوة بمرمر اصفر ضارب إلى السمرة وبزليج خزفي ، يتم الدخول إلى هذا الصحن عبر ردهة معمدة يتكون أعمدتها " فيرونا " الأصفر اللون ويتكون بلاطها من الفسيفساء البندقية النمط . ويفصل بين الصحن وردهة المدخل حواجز مصنوعة بتفنن من الزجاج والبلور والحديد المطروق ، وتتوسط الصحن نافورة بديعة صنعت من حجر العزيزية تعيد ملامحها إلى الأذهان نوعاً من نافورة كاتدرائية – مونرئلي في بيليرمو بصقلية – هذا وأن زخارف مختلفة المحلات قد أنجزت بنقوش جصية وأنواع المرمر وجاءت ملامحها بسيطة أنيقة ، وصنعت الأبواب من خشب الجوز وجاءت الأرضيات من مرمر مختلف الأنواع عليه فرشة " باركيه " من خشب الجوز والبلوط ووضبت قطعها بتفنن عل أشكال مختلفة.

وعلى واجهة الطابق العلوي دكة على هيئة " حديقة شتوية " يحيط بها حاجز زجاجي في إطار معدني وتزدان هذه الدكة برواق له أعمدة من مرمر " فيرونا " الأصفر اللون .
وعلى الجانب الشرقي المواجه للبحر يقع جناح السكني وينطوي على غرفة واسعة لتغيير وحفظ الثياب وغرفة النوم التي تتاخمها بعض المرافق من جملتها مصعد كهربائي خصوصي لاستعمال رب الدار . وعلى الجانب الغربي يقع جناح أفراد الأسرة وهو عبارة عن شقة هائلة تحتوي على غرف النوم شتى وغرف لتغيير وحفظ الثياب وحمامات وبعض المرافق الخدمية الاخرى أما الركن الجنوبي الغربي فقد اتخذت منه غرف كبيرة للمعيشة تجاورها قاعة الطعام والمكتبة وغرفة الجلوس وغير ذلك .
إن ممرات واسعة تربط بين شتى الغرف كما تربط بين المرافق الواقعة بالطابق نفسه حيث يوجد كذلك المرفق الخدمي الواقع بين المطبخ وقاعة الطعام والذي ينتهي عنده الممر بمصعد ثاني للأشخاص ومصعد ثالث للأشياء.
لقد جرى تنفيذ زخارف هذا الطابق أيضا بالنقوش الجصية وضروب المرمر وفرشت أرضية بعضها بالمرمر وبعضها الأخر بخشب الجوز والبلوط وإضافة إلى الشرفات المطلة على الواجهة الرئيسية إن الجوانب الثلاثة الاخرى من الطابق العلوي زودت بشرفات فسيحة تطل على انقسام المنتزه الذي يحيط بالقصر .

ويستمد الصحن الضوء نهاراً عبر الحواجز الزجاجية والستارة الهائلة السالف وصفها أما في الليل فتتم الإضاءة من خلال الستارة التي تخفي وراءها أربعة مصابيح فنية مصنوعة من الحديد المطروق ومثبتة في الزوايا الأربعة المعقودة تحت الرواق المعمد.
وان الزخارف الأخرى وقطع الأثاث وتنجيدها وتنجيد الحوائط وغير ذلك كان محل دراسة وعناية وجرى تنفيذها بمهارة وان كان ذلك قد استلهم بحس فني يعطي الانطباع العام الذي ينبثق عن نظرة شمولية بقاعات هذا القصر الجديد وينمو عن البساطة والأناقة والمهابة .
ولعله من الجدير بالذكر أن الطراز الذي اختير لإنشاء هذا الصرح على غراره أنما هو طراز البندقية الشائع في القرن الثامن عشر الذي أعار نفسه بصورة بديعة رائعة من حيث ملائمته مقتضيات التنوع في الأشكال والألوان .

وأخيرا نتطرق إلى الحديث عن المنتزه الذي يحتضن هذا القصر والذي يشكل عملاً جديراً بالإعجاب والاكبار اذ تم تصوره بحس فني مرهف وبأسلوب تقني أصيل على الإطلاق لأنه جاء متحلياً بسمات خاصة تميزه عن المنتزهات المماثلة الاخرى سواء من حيث تنوع التصاميم أو تباين الحدائق التي تكونه وتندمج وتنصهر معا في صورة متناسقة تتناغم تماما مع عظمة العمارة التي ترتمي في أحضانها.
لدى تكوين هذه الحديقة روعيت مساحات مرتفعة بطبيعتها وتركت كما هي دونما تغيير كما تركت المناسيب الأصلية أي المستويات الطبيعية لشتى المواقع وجرى الربط بينها بحلول مناسبة مبتكرة على هيئة أدراج ومسارب منحدرة بحيث نتج عن ذلك مركب رشيق لا ينطوي على فروق فجائية بين المناسيب.

وقد تم تطبيق منهج أخر تمثل في تنويع أشكال المناطق والأركان التي يتألف هذا المنتزه البهيج منها فخصص الجانب الغربي للبستان الغربي أي الأوروبي و اختير الوسط للحديقة الايطالية بمنسوب مرتفع وانشأ الروض العربي على الجانب الشرقي وجاء غنياً بالنافورات وتنتصب فيه خميلة زاهية تستند على تشكيلة من الدعائم المربعة البيضاء وتزدان بكسوة بسيطة من الزليج الخزفي .

وان الموقع الخلاب مع انه جاء خلوا من ضروب التصنع والتكلف الزخرفي بل اشتمل على بيئة بهيجة حيث وضبت النباتات في مواضعها وجرى توزيعها بدراية وخبرة ومهارة فكونت كتلة بهية خضراء اصبغ عليها فن البستنة لمساته السحرية اكسبها رؤية طبيعية ومعمارية عجيبة .

وقد زود المنتزه البديع بتشكيلة كاملة من مستلزمات الري كالخزانات والمضخات والحفارات والمرشات والأنابيب والصنابير وأنشئت به شبكة صرف وشبكة إضاءة كهربائية تم تصميمها وتنفيذها بإتقان وفق القواعد التقنية وبذوق فني من الروعة بمكان ، ومما يستحق الإشارة إليه بوجه خاص السياج الحديدي المنصوب على طول صور الحديقة انه من تصميم معماري طرابلسي هو المهندس اليهودي " اومبيرتو دي سينيي " الذي أنجز عملا جاء في الحقيقة متناسقاً مع الكتلة المركزية للقصر ولائقاً بها " انتهى كلام داييري " إلا أن هذا السياج قد أزيل – من نحو ثلاث سنوات – بحيث أصبح منتزه القصر جزءا من كيان المدينة ومرفقاً عاماً في متناول المواطنين كافة .

في الختام لابد من إيضاح أن هذا القصر ظل المقر الرئيسي لـ " بالبو " وخلفائه الثلاثة غراتسياني و باستيكو و نازي وبعد هزيمة ايطاليا وانتهاء حكمها في البلاد وحلول الإدارة العسكرية محلها فقد استعملت الأخيرة هذا القصر كمجمع للمحاكم وكانت تفتح أبوابه نهارا للجمهور للتجوال في أركان منتزهه وكان تقييم فيه الجالية الايطالية الحفلات وسواها ، كما اتخذ منه بعدئذ مقر لإدارة المباحث الجنائية وقد استعمل فيما بعد - للعديد من الأغراض وفي مختلف الحقب ، حتى صار وحتى الآن مقر المكتبة القومية المركزية ، أحد معالم طرابلس الثقافية.

(*) محاضرة ألقاها الكاتب على طلبة وطالبات قسم العمارة بكلية الهندسة – جامعة الفاتح - طرابلس
(*) وهذا بطبيعة الحال ليس من اجل الليبيين الذين يريدون إفناءهم للاستحواذ على بلادهم وإنما من أجل أهدافهم ومخططاتهم الاستيطانية التي كانت شعارها دائماً "الغاية تبرر الوسيلة".
(***) ومنها جاء في اللهجة العامية الليبية كلمة "بطش" وقد كان لعبة شعبية محببة وشائعة بين الأطفال .
(****) ونزع الملكية عقاب كانت تتبعه سلطات الاحتلال الايطالي مع المجاهدين أو حتى من يشتم منه أنه متعاون معهم.

هناك تعليقان (2):

  1. I do believe all the concepts you've introduced for your post. They are really convincing and will definitely work. Still, the posts are too quick for starters. Could you please lengthen them a little from next time? Thank you for the post.

    Also visit my web page; causes of back pain

    ردحذف
  2. each time i used to read smaller articles that also
    clear their motive, and that is also happening with this paragraph which I am reading here.


    My web blog - how to shrink jeans

    ردحذف