أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الأربعاء، مارس 03، 2010

هوس العالمية



جمال الهمالي اللافي


ماهذا الهوس بالعالمية والغرب تحديدا؟ الذي أصبح هاجس كل العرب والمسلمين، وهذا الخلط في المعايير والموازين والأشكال.... القضية تبحث في هذا الصراع المحموم للوصول إلى العالمية من خلال تنفيد أعلى برج، أكبر مطار، أضخم مبنى، أوسع حديقة... والغريب أن يتم تسمية هذه المشاريع بأسماء الحكام والرؤساء. حتى تلك الأبراج القبيحة جدا والتي لا تساوي فلسا مما صرف عليها من أموال طائلة، يطلق عليها أسماً يحمل بعدا سياسياً. وكأن السماسرة الذين يتاجرون بالأوطان يريدون وضع حصانة على مشاريعهم التافهة. بل تعدى الأمر حدود المنطق والعدل إلى الهوس بتحقيق أرقام قياسية يراد بها الدخول إلى موسوعة جينيس بأكبر طبق شوربة في العالم وأكبر تبولة وحمص وكبة وأكبر بوفيه حلويات في العالم.... لماذا هذا السعي المحموم وراء أفعل التفضيل؟ ليس في الموضوع استهزاء أو تقليل من شأن أي منجز حضاري في أي بلد عربي أو إسلامين ولكن أليس هناك أولويات؟

ما يعاب على المعماري العربي اليوم أن يتحول إلى مجرد ناسخ ينقل بدون وعي وإدراك عمائر لا تراعي ظروف البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمناخية، ولا تضيف شيئا مهما في حياتنا، إلاّ ما تحمله وراءها من قيم تتعارض مع قيمنا وعقيدتنا، فهي تحمل بذور الفساد.
بالنسبة لمسألة العالمية، فإنها وعلى قول الكثيرين من مفكرينا الأجلاء، تبدأ من المحلية، وهي نتيجة نصل إليها بتفوقنا وإبداعنا وليست غاية ننشدها من خلال تقليد أحدث الصرعات وآخر الموضات... وعمارتنا العربية والإسلامية في مختلف عصورها خير شاهد على ذلك.

وفيما يتعلق بمسألة الاستفادة من تجارب الآخرين، وتطويع التقنيات الحديثة لخدمة عمارتنا المعاصرة، فهذا أمر لا ينكره إلا جاهل. وبالتالي هناك فرق كبير بين أن نقتبس من الآخر قيمه وأفكاره وطرزه، ولو كانت تتعارض مع قيمنا وظروفنا. وبين أن نستثمر ما استطاع الآخر الوصول إليه من نتائج وتطور في التقنيات وإعادة تطويعها لصالحنا.

لابد من إعادة مراجعة وقراءة للعمارة المعاصرة من جميع النواحي، وأولها الأصول التي انطلقت منها هذه العمارة والفكر الذي تعبر عنه والهوية التي تريد فرضها على العالم. فلا يكفي أننا جلسنا على مقاعد الدراسة وتلقينا علوما من أساتذة لهم منطلقاتهم الثقافية والفكرية. بل الواجب أن نعيد تدريب أنفسنا على مواصلة القراءة ومتابعة المستجدات، ليس في كتب العمارة فقط ولكن يجب أن تشمل مطالعاتنا ومشاهداتنا جميع العلوم والمعارف، فهي مرتبطة ارتباطا وثيقا ببعضها البعض، وأولها وأساسها أن نحصن أنفسنا بالمرجع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن نتبع منهج الذي لا ينطق عن الهوى.

ولو جعلنا همنا التقرب إلى الله والنظر في صلاح شؤون العباد وأحوالهم، لكان حال أمتنا أفضل مما نحن عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق