أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

السبت، أبريل 21، 2012

مطلب الهوية... ما له وما عليه





جمال الهمالي اللافي

عندما نتكلم عن العمارة المحلية فنحن نتكلم عن الهوية وهذا يعني أننا نتكلم عن مجموعة المعطيات البيئية والمؤثرات المحيطة، وعندما ننظر للبيئة والمحيط، نجد أنهما قد يعطيان للوهلة الأولى معنى واحد، وإن كانت البيئة تعني أكثر الداخل، بينما يعني المحيط الخارج.

وهذا يقودنا لفهم أكبر للمعاني التي يحملها المصطلحان، بحيث يمكن ترتيبهما كل في مكانه الصحيح وفهم ما يعنيه كل منهما وما يتطلب ذلك من إجراءات وأين يمكن لأحدهما أن يقف عند حدود معينة بينما يمكن للآخر أن يتحرك بكل حرية.

البيئة، هي البيت وهي العائلة وهي الأقارب وهي جميع مشتملات هذا البيت، وهي المكان والمجتمع الذي ننتمي إليه. بينما المحيط هو الجيران وهو سكان المدينة وهي العالم الذي يموج من حولنا بانتماءاته المختلفة وثقافاته المتنوعة، وما يتطلب ذلك من تفاعل إيجابي وتبادل منافع وتأثير وتأثر وتواصل بالتي هي أحسن وفهم كل منهما لما يحتاجه الآخر من خصوصية واحترام لمشاعره وحاجاته العاطفية والروحية ومتطلباته المعيشية التي تحفظ له استمرارية وجوده وكرامته وحريته واستقلاليته.

كما أن البيئة هي الوسط الذي نعيش بداخلة ونتغدى عليه ونتنفس من خلاله، والمحيط هو الذي يحتوي هذا الوسط ويحفظه من مخاطر عدة غير منظورة ويمنعه من التلاشي والتبعثر في الأرجاء ويحدد إطاره وشكله العام، ومهما اتخذت البيئة من تفاصيل دقيقة، فإن المحيط العام يؤطرها بإطاره، إن كان مربعا أو دائرة أو شكلاً هلامياً.

وقد تتخذ البيئة لها شكلا معرّفاّ ولا تمنعها هلامية المحيط من أن تحافظ على هذا الخيار. ولكنه قد يحاول أن يبسط نفوده عليها. وهنا تأتي صلابة هذه البيئة أو هشاشتها لتقرر حجم هذه السيطرة وحدودها ومدى قدرتها على مقاومة الإجهادات التي يصنعها ضغط التغيير. وغالبا ما ينحاز المحيط لقوة البيئة في اختياره لشكله أيضاً، عندما تكون المعطيات البيئية أكثر فاعلية ونشاطاً.

ولهذا عندما تقوى النزعة البيئية لإثبات هويتها وتأكيدها وتمتلك مقومات فرض نفسها وإقناع ذاتها بأحقيتها في الوجود، ينحسر تأثير المحيط وينصاع لقوة هذا المطلب ويشرعنه ويعطيه مبررات وجوده ويقف أمامها إجلالاً وإكباراً.

أما إذا حدثت حالة التماهي والاستيلاب لصالح مؤثرات المحيط وانصاعت البيئة لقيادته وتشكلت بتشكله، فهنا يستمد هذا المحيط شرعية بسط نفوذه على البيئة وينزع عنها حقها ويفرض عليها قوانين الإلغاء ويصادر ممتلكاتها وربما يحجر عليها وقد يغتالها باعتبارها معارض أو متطرف أو إرهابي.

لهذا فنحن أمام صراع( قد يكون دامي في كثير الأحيان) لإثبات الهوية المرتبطة بالبيئة في مقابل سعينا لاعتراف المحيط بهذا الحق، وتقديم مطلب التفاعل الإيجابي ونبذ الصراعات، والإقرار بحق أي بيئة في أن تتخذ لها هويتها التي تعبر عنها،

وفي المقابل يجب الإقرار بأن هذه البيئة تستمد ضوئها وحرارتها ودفئها من خلال ما يمدها به هذا المحيط من مقومات الحياة وعوامل الاستمرارية والتوازن الطبيعي. ولتتفهم البيئة أن أي إضرار بالمحيط وإحداث فجوات بداخله قد ينذر في النهاية بدمار شامل للاثنين معاً وليس لأحدهما دون الآخر.

وبالتالي فالخيار الأسلم هو التعايش على مبدأ احترام أحدهما لحق وجود الآخر وتقبل تأثيره عليه في حدود الممكن والمنطقي والسليم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق