بيت جدي ليس الدوبلكس... والأسطى لم يكن عمي!




جمال الهمالي اللافي

في فترة السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي ظهر في تصميم البيوت الليبية نموذجاً جديداً- عرفناه جميعنا- تحت مسمى" الدوبلكس".

هذا النموذج الذي تهافت عليه الليبيون بصورة ملفتة للنظر وأصبحت كل شوارع طرابلس والمدن الليبية الأخرى لا تحلو في أعينهم إلاّ بوجوده الفاره. ولأجله هدمت الكثير من البيوت القديمة كي يتوج على أنقاضها كنموذج للبيت الليبي المعاصر.

والغريب في الأمر أن نموذج الدوبلكس بشكله المميز في ذلك الوقت من خلال الشفرات الخرسانية التي تعرّف بسلالم البيت كعنصر مسيطر على واجهاته، لم يأت كتقليد لعمارة الحداثة في الغرب، بل جاءنا عبر المقاولين السوريين.


أي أنه كان إفرازاً لسطوة هذا المقاول الدخيل ومدعوما بتطفل المساح الليبي على معترك التصميم المعماري، في مقابل انحسار القيمة الفكرية والمعنوية للمعماري في السوق الليبي، هذا المعماري الذي لم يستطع أن يضع له قدما على الأرض مثلما لم يستطع أن يغرس الثقة في كفاءته كمصمم في عقلية المواطن الليبي.
وهنا أطرح سؤالي الأول: لماذا لم يستطع أو يتمكن أو يحاول المعماري الليبي في تلك الفترة بسط شرعيته كمصمم ومشرف على تنفيذ مبانيه؟

لنترك هذا السؤال جانبا ونستمر في سرد موضوعنا.

في أواسط التسعينيات ومع إطلالة الألفية الثالثة وبعد مضي 20- 25 عاماً على ظهور هذا النموذج السكني بدأنا نرى انحسارا لهذا النموذج قابله انحساراً آخر لسطوة المقاول السوري، قادها بكل شجاعة واقتدار المعماري الليبي الذي ظهر إلى الساحة في منتصف الثمانيات وبداية التسعينيات من ذلك القرن المنصرم عقوده.

صحيح أنه تأخر قليلا حتى أثبت وجوده. وصحيح أن ظهور فئة المستثمرين في العقارات كان له دور كبير في تغليب كفة هذا المعماري على كفة المقاول. ولكنه في النهاية استطاع أن يفتتح الألفية الجديدة بانتصارات لم تتوقف على صعيد تثبيت قدميه على الأرض وزراعة ثقة عمياء في عقلية المواطن الليبي.
وهنا أيضا نطرح سؤالاً آخر: لماذا نجح معماريو منتصف الثمانينات ومن بعدهم، فيما فشل فيه الرعيل الأول منهم( جيل منتصف السبعينيات)؟
من أعمال المعماري عصام عاشور

الموضوع لم يقف عند هذا الحد. فلنواصل ما هو أهم من هذا السرد التاريخي. وأنا هنا لست بصدد التأريخ للحركة المعمارية في ليبيا، فهذا ليس من شأني ولا يقع ضمن اهتماماتي.

ما دفعني لطرح هذا الموضوع، هو أنني مررت بمنطقة فوجدت جرافة" الكاشيك" يقوم بهدم أحدى تلك الدوبلكسات التي نوهنا عنها، وكان جميع أهالي المنطقة يشاهدون هذا الحدث دون أن يتحرك لهم ساكناً. فسألت نفسي كيف يتم هدم مبنى لم يتجاوز عمره الزمني العشرون عاماً، دون أن نراجع أنفسنا لماذا فعلنا ذلك؟

نعم، لماذا بدأنا نشاهد عمليات هدم واسعة النطاق لنموذج الدوبلكسات في أغلب المدن الليبية، رغم أنه كان مكلفاً في تنفيذه على مستوى الحجم وعلى مستوى كمية الخرسانات التي صبت فيه وعلى مستوى الأموال التي صرفت عليه؟

ولماذا لم يستطع هذا النموذج إقناعنا بأهليته كمسكن يصلح لأن يدوم لفترة أطول؟ شأنه في ذلك شأن نماذج أخرى سبقته بقرون واستطاعت أن تفرض نفسها، على مستوى الشكل والوظيفة والتعاطي مع ظروف البيئة المناخية المحلية، إلى وقتنا الحاضر، حتى وصل بها الحال أن تمّ تشريع قوانين لحمايتها وتأسيس منظمات لرعايتها والحفاظ عليها ونشأت في رحابها مدراس ومناهج تعنى بدراسة تاريخها وسبل ترميمها وإعادة إحيائها.
إجابة هذا السؤال سأتركها لكم.

لأن ما يهمني من طرح هذا الموضوع ليس هذا السؤال، بل الذي بعده.
حوش القره مانللي- تصوير أحمد السيفاو

أخي المعماري الليبي، هل تضع ضمن توقعاتك أن يكون مصير النماذج التي تقوم بتصميمها وبدأت مجموعة كبيرة منها تظهر معالمها على أرض الواقع لتحتل وبقوة مكانتها كنموذج ملهم ليس فقط لليبيين ولكن أيضا للكثير من المعماريين على المستوى المحلي، وربما تلقفتها صفحات الإنترنت لتكون ملهمة لغيرهم، هو نفسه مصير" نموذج الدوبلكس"؟

وهل سيصمد طويلاً أمام سطوة تيارات أخرى من التفكير المعماري؟ أم ستسحقه تصاميم جديدة لتقف على أنقاضه؟
ولا ندري هل سيكون أصحابها ليبيون. أم سيكونون هم أيضا قادمون وبقوة الإقناع والتأثير من خارج الحدود؟

أم تراك قد استطعت بوعي وإدراك أن ترسخ لنموذج مثالي هو الآخر، يحمل بصمتك، ويضاف إلى ما سبقه من نماذج سجلها التاريخ المعماري على أنه قد نجح من حيث كفاءته الوظيفية والمناخية، مثلما عبّر وباقتدار عن هوية وثقافة بيئتنا المحلية؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية