العادات والتقاليد



المراقب لحركة التغير في البنية الاجتماعية والثقافية في ليبيا على وجه العموم يلاحظ تفسخاً واضحاً في العادات والتقاليد التي تميزت بها العائلة الليبية والتي كانت تضفي على الحياة رونقها وتعين على شظف العيش وتحيل معاناة السعي وراء طلب الرزق إلى متعة يومية يفوح عبق رائحتها من منازلها وشوارعها ومرافقها العامة، لتعم بديلاً عنها فوضى بصرية وسمعية وسلوكيات فردية تتسم بالارتجال وانعدام التوازن وغياب الوعي، لتصبح في آخر الأمر السمة المميزة لمجتمع فقدت فيه حواسه الخمسة فعاليتها تحت إيقاع رتابة تسودها ثقافة الشارع التي تستقي مصادرها من فضائيات العنف والمخدرات والجريمة المنظمة والانحلال الخلقي والتسطيح والتسلية وعبادة الدولار.

ثقافة يغيب عنها المضمون الذي يتواصل مع التاريخ، ثقافة لا تعبر إلا عن تركيبة اجتماعية وثقافية هشة كانت سائدة فبادت عند أول اصطدام بالأخر. فأصبح هوسها بالتشبه به يدمر كل ما يندرج تحت إطار الموروث دون أن تطرح وهذا اضعف الإيمان بديلاً لهوية معالمها واضحة تميز كيانها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وتعبر عن روح العصر الذي تعيشه وتعكس بالدرجة الأولى ما وصل إليه المجتمع من تقدم ثقافي" ناتج عن الكم الهائل من حاملي المؤهلات الجامعية المتخصصة" وتطور علمي" ناتج عن توفر التقنيات والمصانع والآليات والمواد. إضافة لتعدد وسائط الاتصالات التي تسهل تبادل المعلومة".

هوية تطرح بديلاً عن أزياء تايوان والصين وهونغ كونغ وإيطاليا وتركيا وربما.. .؟. هوية ترفع عن مخططات مدننا المعاصرة سرطان البناء العشوائي الذي لا يزال يواصل امتداده على حساب المناطق الزراعية التي تمثل مصدراً لقوت مجتمع يتعرض للحصار حتى وسمها بسمات مدن البلدان الفقيرة والمتخلفة، وأفقد عمارتها روح الإبداع والتصميم المحكم الذي يراعي اختلاف الظروف البيئية وتنوع الثقافات وخصوصية العادات والتقاليد بين منطقة وأخرى لتحل محلها الممسوخ من العمائر والممجوج من الفنون. إلاّ إذا كان لسان حالنا يريد أن يقول أن هذه هي هويتنا الجديدة" هوية اللا معنى".

والمسؤولية كاملة في هذا تقع على عاتق العائلة الليبية التي كانت ولا تزال وراء كل ذلك، فهي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تنشئة الجيل وتحميله القيم التي يتعامل بها مع محيطه البيئي والاجتماعي والثقافي، وهي التي تمد جسور التواصل بين أجيالها وتراثهم وتدعمه بكل عناصر الاستمرارية والتجديد وتفرّغه من كل محتوى فاسد قد يعيق ارتباطه بروح العصر أو تلبية احتياجات المجتمع، وهي التي تغرس في قناعة أبنائها أن التقدم لا يصنعه التمرد على قيم المجتمع الدينية والثقافية.


فهل للعائلة الليبية من عودة تراجع فيها حساباتها الخاطئة وتعيد لملمة الحروف المبعثرة في كيانها الاجتماعي والثقافي وتضع النقاط عليها؟ أم تراها قد ألفت هوية الفوضى التي تعم مناحي حياتها؟!

تعليقات

  1. Hi there colleagues, how is the whole thing, and what you want
    to say on the topic of this piece of writing, in my view its actually amazing designed for me.



    Feel free to visit my web site - anime desktop themes

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية