أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

السبت، أكتوبر 11، 2008

لغة العمارة




جمال الهمالي اللافي


     تمثل لغة العمارة في سياقها العام دلالات ورموز ثقافية منبعها العادات والتقاليد والقيم الثقافية والروحية والمؤثرات البيئية، والتي لا يمنع الاستمرار في توارثها أو استحداث دلالات ورموز جديدة تنسجم مع التطور الحاصل في ثقافة المجتمع ووسائل التقنية.
     ولفهم مركبات العمارة وآلية تشكلها، يجب علينا أن نتعامل مع العمارة على أساس أنها كائن حي يتفاعل معنا ونتفاعل معه من خلال لغة خاصة بها، تم الاصطلاح على تسميتها لغة العمارة. الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة استيعاب مفرداتها وعناصرها وتراكيبها التي تعطيها معنى واضح ومفهوم. يشكل للعمارة بنيتها وشخصيتها الواضحة المعالم والتي تمكننا من نسبتها إلى أمة معينة أو مجموعة ثقافية أو مرحلة زمنية.

     ومثلما الحال عندما نريد تكوين علاقة ما مع أي أمة تختلف معنا في لغتها وثقافتها، فإن أول خطوة نبادر إليها هي تعلم لغة تلك الأمة حتى يسهل التفاهم ومن تمّ التعايش معها إذا اقتضى الأمر ذلك، وبالتالي فإن أول ما نتعلمه هو مفردات تلك اللغة وطريقة رسمها أو شكلها وبعد ذلك نحاول أن نكون من هذه المفردات كلمات ومن الكلمات جملا مفيدة وكلما أبحرنا في محيط هذه اللغة وحفظنا الكثير من الكلمات وتركيبها في جمل مفيدة وجدنا أنفسنا ننساق طواعية إلى أهمية الإلمام بقواعد هذه اللغة حتى تأتي الجمل مكتملة المعنى واضحة المغزى. وكلما زادت ثقافتنا في هذه اللغة كلما استطعنا أن نكون من تلك الجمل مواضيع تطول أو تقصر بقدر قدرتنا اللغوية أولا والتعبيرية ثانيا، حتى نصل إلى المرحلة التي نتمكن فيها من صياغة مجموعة من المواضيع في شكل أدبيات خالدة، تشكل بدورها منهجا في التعبير وتتحول مع مرور الزمن إلى إرث ثقافي يعبر عن هوية وشخصية تلك الأمة.

     وبالتالي فإن فهمنا للعمارة في عمومها يستدعي بطبيعة الحال الإلمام بمفرداتها وعناصرها الأولية( باب، نافذة، ضواية، مشربية، قبة، قبو... الخ) ومن هذه المفردات تتشكل فراغات محدودة( حجرة، مطبخ، حمام... الخ) ومن مجموعة هذه الفراغات تتكون المباني( بيت، مسجد، مدرسة، متجر، مستشفى، مصنع... الخ) ومن مجموعة هذه المباني يتشكل الحي والقرية والمدينة.

     ويبقى التفاوت في القدرة على تشكيل العمارة بين معماري وآخر، فكلما اجتهد المعماري في الإلمام بالمفردات المعمارية وقواعد تشكيلها والظروف التي تحيط بها والثقافة التي تصنعها، كلما جاء عمله أكثر إبداعا. أي أن فهمنا لدلالة كلمة باب من الناحية المعمارية وما تفضي إليه هذه الدلالة من وظيفة لهذا العنصر أو المفردة المعمارية، يقودنا إلى الخوض في جانب آخر ينبثق أيضا من اختلاف استعمالات هذه المفردة باختلاف موقعها من الفراغ المعماري، وهي الشكل والحجم الذي يأخذه هذا الباب باختلاف الوظيفة أولا وباختلاف الثقافة ثانيا.

     فلو سلّمنا بأن الحرف العربي جزء مهم كشكل للتعبير عن انتمائه إلى اللغة العربية، ورفضنا التسليم بفكرة الفصل بين شكل الحرف والمعنى المراد إيصاله للقارئ أو السامع، أي أننا لم نقبل أن تكتب الكلمات العربية بأحرف لاتينية ونقول أن المعنى قد وصل وبالتالي لسنا بحاجة إلى الحروف العربية لتكون أداة وحيدة لتوصيل المعنى. فأولى بنا وعلى نفس المنوال أن ننتهج نفس الطريق في تعاملنا مع العمارة ومفرداتها، فالعمارة العربية تقابل اللغة العربية وأحرف الهجاء العربية يفترض أن تقابلها مفردات العمارة العربية.

     وللتوضيح أكثر لنأخذ حركة تطور الكتابة العربية من الجانب الفني والمتمثل في تطور الخط العربي فقد كتبت أول مرة بالرسم الكوفي القاسي وبدون تنقيط الحروف ثم تطور الرسم وبدأ الرسم يتنوع مع تطور الخط العربي فظهر الكوفي اللين والمزدهر والثلث والفارسي" خط التعليق" والرقعة والنسخ والديواني والحجازي والمغربي وغيرهم من الخطوط الحديثة، ولكن ظلت الباء هي الباء والألف هي الألف والباء هي الباء في كلمة باب، تنوع الخط وبقى الروح والجوهر واحد.

     وعندما رفض الخطاط العربي أن يكرر نفسه أبدع خطا جديدا لم يخرج عن هذا الجوهر وهذه الروح وهذا الرسم التي لازم جميعها الحرف العربي.... نرى اليوم خطاطون وفنانون تشكيليون يبدعون تشكيلات من المعاني بأنواع مختلفة من الخطوط العربية، لم نتهمهم بالتقليد ولم نخرجهم من دائرة الإبداع، ولم نرفض اقتناء أعمالهم بزعم أنهم لم يأتوا بالجديد. وذلك لأننا نعي جيدا أن هذه هي قواعد الخط العربي وهذه هي خطوطه تنوعت في أشكالها وتوحدت في جوهرها ورسمها العام.... فإذا كان هذا حكمنا على الخطاط العربي وحكمنا على لوحاته بالإبداع في دائرة التراث فلماذا لا نحكم للمعماري بالإبداع الذي لم يخرج به عن دائرة التراث... لماذا نصرخ بأعلى صوت مطالبين منه التجديد والحداثة ونصمه بالجمود والتقليد.
     ومثلما نرفض الكّتاب العرب الذين يستعملون اللغة العربية للتعبير عن قيم تخالف منهجنا فلا أقل أن نرفض المعماري الذي يستخدم عمارة تخالف بيئتنا ومنهجنا أيضا، مهما كانت المسميات، التحديث التطوير مجارة العصر أو الإبحار في ركب الحداثة أو التفتيت أو العولمة، ومثلما نحاكم كاتبا أو مفكرا عربيا استخدم أدوات اللغة العربية فيما يخل، فلماذا لا نحاكم مفكرا معماريا استخدم أدوات العمارة فيما يخل.
وخلاصة القول/

     إن القدرة على الإتيان بعمارة جديدة ومتميزة وخالدة يقتضي الإلمام بقواعد تشكيل مفرداتها وعناصرها المعمارية وهو بدوره يقودنا إلى تفهم القواعد التي تحكم عمارة الشعوب بمختلف ثقافاتها والمنطلقات والمعايير التي شكلت الاختلاف في العمارة والتنوع والطرز والتفاصيل. الأمر الذي سيقودنا إلى الإتيان بعمارة ذات معنى وتحمل دلالات ثقافية راسخة الجذور من خلال فهمنا الواضح للغة العمارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق