أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الثلاثاء، نوفمبر 04، 2008

قراءة في تاريخ مدينة طرابلس القديمة





الموقع العام للمدينة تقع مدينة إطرابلس القديمة في الجزء الغربي من الساحل الليبي شمال خط الاستواء. على ساحل البحر الأبيض المتوسط وعلى رأس قمة سهل الجفارة الزراعي. وهى بذلك تقع في صميم مناخ بلدان البحر الأبيض المتوسط.
حدود المدينةيحيط البحر بضلعين من أضلاع الشكل الخماسي للموقع حيث يحده من الشرق والشمال الشرقي طريق الفتح ومن الشمال الغربي شارع القبة والطريق الساحلي ومن جهة الجنوب الشرقي ميدان الشهداء ومن جهة الجنوب الغربي والشمال الغربي السور التاريخي ومن جهة شارع سيدي عمران. وتبلغ مساحتها الكلية 48 هكتارا تقريبا . وهي تزخر بالعديد من الآثار المعمارية والفنية التي تحكي قصة العهود المختلفة التي مرت بها المدينة انطلاقا من عهد الفينيقيين.

التطور التاريخي لمدينة إطرابلس القديمة
العهد الفينيقي:

أسسها الفينيقيون القادمون من لبنان إلى صقلية منذ ثلاثة آلاف سنة مضت استنادا إلى أهمية موقعها الإستراتيجي من الناحية التجارية ,لأنها تمثل حلقة الوصل بين أفريقيا والساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، وقد يغالط البعض في ذكر أنها ذات منشأ روماني، كانت في عهدها الفينيقي تسمى" ماركا آويات "، أسست فيما بين القرنين السابع والثامن قبل الميلاد، إضافة إليها فقد أسس الفينيقيون مدينتين أخريين هما " لبدة وصبراته " وبذلك صارت بالشطر الغربي من ليبيا ثلاث مدن عند انتقال العاصمة من" لبدة الكبرى " إلى " آويات " فقد صارت تتوسط المدينتين. أعقبهم حكم القرطاجيين القادمين إليها من قرطاجه خلال القرن السادس قبل الميلاد حتى سنة161 ق.م ثم تلاهم النوميديون حتى سنة 42 ق.م.

حكم الرومان:وأطلق عليها الحاكم الروماني اسم " تريبوليس " وهى كلمة مركبة من شطرين " تري " بمعنى ثلاثة و" بوليس " بمعنى مدينة، أي بمعنى المدن الثلاث ، ثم حرفت إلى " طرابلس " نتيجة لتعاقب الحاكمين لها واختلاف ألسنتهم . وقد استخدم الرومان في كل مدنهم بالمستعمرات التابعة لهم نظام التخطيط الروماني والذي تتكون فيه المدينة من شارعين رئيسيين أحدهما " كاردو " ويمتد من الشمـال إلى الجنـوب و" ديكومانوس " ويمتد من الشرق إلى الغرب ، وفى نقطة تلاقيهما يقام قوس يسمى " قوس النصر " وينسب إلى أحد أباطرة الدولة الرومانية .
وواضح أن المدينة القديمة قد خضعت هي الأخرى لهذا القانون التخطيطي ولكن لم يبق من هذا الأثر سوى القوس المعروف بقوس " ماركوس أوريليوس " والذي يواجه ميناء طرابلس من الشمال الشرقي وباب البحر. العهد الوندالي:
وقعت المدينة تحت حكم الوندال سنة 449 م حتى سنة 642 م ولم تنشأ أية أعمال عمرانية بها إلا في فترة حكم البيزنطيين لها واقتصرت أعمالهم العمرانية على تحصينها وبناء أبراج المراقبة وبناء مجموعة من الكنائس المسيحية، ونتيجة لحكم المسيحيين للمدينة فقد هاجر أهلها حتى دخول العرب إليها سنة 642 م.

الفتح الإسلامي:
بعد فتح المدينة على يد عمرو بن العاص كان أول عمل يقوم به الفاتحون المسلمون هو بناء مسجد، وبالفعل فقد بنى مسجد عمرو بن العاص في المكان الذي يقوم فيه الآن جامع أحمد باشا القره مانلى ويجدر القول هنا إلى أن عمرو بن العاص هو أول من أطلق عليها اللفظ العربي " إطرابلس " وقد تنوسيت الألف المكسورة وسميت كما نعرفها الآن " طرابلس " إلا أن جهاز إدارة المدينة القديمة استرجع اسم المدينة الذي أطلقه عليها عمرو بن العاص وصارت كلمة " إطرابلس " تطلق على المدينة القديمة وكلمة " طرابلس " تطلق على المدينة الجديدة .
واستمر حكم العرب لها من سنة 642 م حتى سنة 1510 م أي ما يقارب تسعة قرون وكانت أهم الأعمال العمرانية بها :
أ ـ المنازل وقد زاد عددها نتيجة رجوع المهاجرين إليها .
ب ـ المتاجر والأسواق التجارية .
ج ـ المساجد .

ولم تتصف المدينة العربية الإسلامية بقوانين تخطيطية معينة باستثناء المنازل ، والتي كانت تحدد فيها الارتفاعات احتراما للجار . أما الأسواق فقد كانت تبنى على امتداد الشارع الذي توجد فيه البوابة وعند التقاء شوارع البوابات تبنى ساحة المدينة، ويبنى بها المسجد الكبير أو المسجد الجامع ولذا صار لفظ " جامع " يعنى مسجد.


فترة حكم فرسان القديس يوحنا:
احتل الأسبان " طرابلس " يوم 25 يوليو 1510م وقد كتب أحد القواد العسكريين واصفا المدينة قائلا : " مدينة طرابلس مربعة الشكل ، محيطها يزيد عن ميل واحد ، ولها سوران بهما خنادق ضيقة وعميقة ، والسور الأول مرتفع وسميك والثاني قصير وهى مليئة بالأبراج الحصينة ويحيط بها البحر من ثلاث جهات ولها ميناء عظيم يسع ما يزيد عن أربعمائة سفينة ويسكنها ما يزيد عن عشرة آلاف من العرب واليهود.
أهم الأعمال العمرانية
· الاهتمام بتحديد الأسوار خوفا من السكان .
· إعادة بناء قلعة السرايا الحمراء ذات المنشأ الروماني .
· إقامة الأبواب لأغراض عسكرية ، والأبواب هي : باب الجديد ، باب البحر ، باب سوق المشير ، باب هوادة ، باب العرب " باب الحرية حاليا ".

العهد العثماني الأول
بعد استنجاد السكان بالإمبراطورية العثمانية الإسلامية آنذاك، استولى الأتراك على المدينة، حتى بداية القرن العشرين، وقد مر على المدينة عهدان أولهما امتد من سنة 1551م حتى 1711م ، بعدها تولاها القره مانليون حتى سنة 1835م ، ثم تعاقب عليها الولاة حتى احتلال الإيطاليين لها سنة 1911م ، وما يستعرض في هذه الفترة هو الأعمال العمرانية وأهم القوانين . وكان " مراد آغا " أول والٍ على طرابلس وأهم أعماله :
1 ـ تشجيع حركة بناء المنازل العربية داخل المدينة القديمة .
2 ـ إعادة تحصين المدينة .
3 ـ جعل المدينة عاصمة ولاية ليبيا .
4 ـ إنشاء الحمامات على الطريقة التركية .
5 ـ إنشاء المدارس الدينية .
وقد تعاقب ولاة آخرون وكان أول عمل يقوم به أي منهم إنشاء مسجد . فانتشرت المساجد باسم ولاتها مثل " جامع شائب العين " و " جامع دروار " كما أنشئت دار لصك العملة.

فترة حكم الأسرة القره مانللية:(1711م ـ 1835م) أهم أعمالهم العمرانية :
· بناء المسجد المشهور والذي لازال قائما "جامع أحمد باشا القره مانللي" على أنقاض جامع " عمرو بن العاص " وقد ألحق به مدرسة أطلق عليها اسمه.
· الاهتمام بسور المدينة.
· إنشاء دار صناعة السفن
.


ونتيجة لحركة العمران وازدياد السكان ونشاط التجارة وما إليه من مقومات إنشاء المدينة، فقد صار لزاماً على ولاة طرابلس استصدار قوانين ولوائح تنظم سير الحياة والعمران بها، وقد كانت المدينة قبل فترة العهد العثماني الثاني تسير دون قانون، باستثناء الأعراف.

العهد العثماني الثاني (1835م ـ 1911م): أهم أعمال العهد العثماني الثاني العمرانية :
· مد أسلاك البرق والهاتف بين طرابلس وبنغازي .
· تنظيم ضريبة "الميرى" .
· إنشاء مدرسة الفنون والصنائع .
· تأسيس المدرسة الحربية "باب البحر" .
· إجراء أول عملية تسجيل الأراضي تسجيلا عقاريا .
· إنشاء سوق المشير 1906م .
· هدم جزء من السور الغربي للمدينة سنة 1909م لتشجيع التطور العمراني خارج الأسوار .

وكان بتلك الفترة إحصاء للمباني نتج منه ما يلي : 29 مسجدا، 5 كنائس، 7 معابد يهودية، مدرسة إعدادية، 19 مدرسة ابتدائية، 20 مخبزا، 1019 متجرا، 22 مقهى، 14 فندقا، 2453 منزلا، 7 قنصليات أجنبية.
الاحتلال الإيطالي (1912م ـ 1924م):كل ما كان مكتوبا عن بلدية طرابلس خلال العهد العثماني، هو من السجلات التاريخية لمصلحة الآثار، وهى معلومات دقيقة، أما المعلومات التي تتحدث عن البلدية خلال فترة الاحتلال الإيطالي فهي مستقاة من المراجع الإيطالية المترجمة.
وكان قد حل المجلس البلدي إثر الاحتلال الإيطالي مباشرة وعينت إدارة عسكرية تدير البلاد ، ونذكر هنا بعض ما جاء في الأمر الصادر من الجنرال "كانيفا" والذي يتعلق بتقسيم طرابلس إلى محلات كالآتي /
· محلة البلدية .
· محلة باب البحر .
· محلة الحارة الكبيرة .
· محلة الحارة الصغيرة .
· محلة كوشة الصفار .
· محلة حومة غريان .



فترة ما قبل الثورة(1952م ـ 1969م):من أهم المشاريع العمرانية احتلال تلك الفترة :
إنشاء خزان المدينة القديمة .
تعبيد بعض الطرقات بها .
إنشاء كورنيش ما بين السرايا والميناء.
ما بعد الثورة (1969م):
في سنة 1983م صدر قرار اللجنة الشعبية العامة رقم (58) بإنشاء الجهاز الفني لتنظيم وإدارة المدينة القديمة ويحتوى القرار على أثنى عشرة مادة تتعلق بإدارة وتنظيم وبتنفيذ الخطط الفنية الخاصة بالمدينة القديمة.
ثم في سنة 1985م صدر قرار اللجنة الشعبية العامة رقم (40) يقضى بإنشاء مشروع إدارة وتنظيم المدينة القديمة طرابلس . ويحتوى على أربعة عشر مادة ، ومن أهم مواده :
مادة (2) : يتولى المشروع المنشأ بموجب أحكام هذا القرار وضع وتنفيذ البرامج والخطط الثقافية والفنية والهندسية والخاصة بالترميم والصيانة وكل ما يتعلق بشئون المباني والمرافق الكائنة بالمدينة القديمة ، ويتولى المشروع بشكل خاص :
وضع وتنفيذ المشروعات الفنية والثقافية والتي تؤكد تواصل واستمرارية الكيان الحضاري لقيمنا الحية الأصيلة .
· القيام بالتصميمات والمواصفات وفقا للشرط الخاصة والتي يتم على أساسها التنفيذ .
· وضع الميزانيات التقديرية اللازمة لتنفيذ الخطط والبرامج .
· إبرام العقود لخطط التنفيذ .
· وضع اللوائح الخاصة بتحديد الاستعمالات .
· وضع النظم الداخلية للعمل بالمشروع .
· القيام بالأعمال التوثيقية والدراسات والأبحاث .

بهذا تعتبر مدينة إطرابلس من قلائل المدن التي تميزت بالحضور والتواصل التاريخي . وبالنظر إلى هذه الأهمية التاريخية لمدينة إطرابلس القديمة وما تحمله من زخم معماري وفني يوثق للحضارات التي توالت عليها . ونتيجة للتطور العمراني المذهل لهذه المدينة خارج أسوارها العتيقة تعرضت للإهمال نتيجة هجرة سكانها الأصليين ووفود الهجرات القادمة للعمل بالمدينة بعد ظهور النفط . حيث لم يستوعب حجم المدينة هذا العدد الهائل من المهاجرين , كما لم تستوعب ثقافة هؤلاء المهاجرين قيمة هذه المدينة وإعادة إحيائها وترميم وصيانة معالمها التاريخية .

هناك تعليق واحد: