جمال الهمالي اللافي
في كل
زاوية من مدننا الليبية، وبين تفاصيل عمرانها، تكمن قصة شعب عاش يوماً بتذوقٍ
رفيع، حيث كان يحيط نفسه بجمالٍ يعكس هويته واعتزازه بتاريخه. ومع مرور الزمن،
أصبح القبح مألوفًا، متغلغلًا في تفاصيل الحياة، حتى تماهى معه الناس، وتحوّل إلى
معيار للجمال في عيون الأجيال التي نشأت في هذا الواقع المشوه.
كيف يتحول
كل ذاك الجمال الذي توج معالمنا التاريخية ومدنها إلى قبح، والقبح إلى معيار
يتبناه المجتمع دون وعي، بل ويُحتذى به؟ ، وكيف أصبح المشهد مع مرور الزمن المتليء
بالمباني الرديئة مألوفًا للناظرين، حيث تآلف الناس معه حتى تحول تدريجيًا إلى
مرآة لمفهوم جديد للجمال في نظر الأجيال التي ترعرعت بين تلك الزوايا الخاوية من
الروح. أيمكن اختصار هذا التحول في مجرد قبول الواقع؟ أم أنه نتيجة سلسلة تحولات
أعمق تعكس تراجعًا في القيم، وانقطاعًا في السلسلة التي تربط الماضي بالحاضر؟
كيف يمكن لشعبٍ كان يومًا متقد
الذائقة، شامخ الهوية، عاشقًا للجمال في التفاصيل الدقيقة من حياته، أن يتحول إلى
حالٍ من اللامبالاة بل والتعايش الكامل مع الرداءة؟ هل يعود السبب إلى تلك
التغيرات الاجتماعية والسياسية التي جعلت من البقاء على قيد الحياة أولوية على
حساب الحفاظ على الهوية؟ وهل هذه التحولات جاءت كنتيجة حتمية لفترات عصيبة دفعت
بالناس لتقديم الضرورات على القيم الجمالية؟ أم أن العولمة بتدفقها الطاغي فرضت
معايير دخيلة أطاحت بالقيم الأصيلة واستبدلتها بنماذج مستوردة غير متجانسة مع الروح
المحلية؟
ربما يكمن
أحد العوامل في النظام التعليمي الذي لم يعد يُعنى بغرس تقدير الجمال والهوية لدى
الأجيال الصاعدة. وحين يجتمع ذلك مع واقع اقتصادي هش، تصبح الحلول السريعة
والعملية ملاذًا للهروب، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن معايير الجمال. أليس هذا
القبول التدريجي للقبح نتيجة لانقطاع الحلم؟ انطفاء الحلم الذي كان يومًا يربط
الأفراد بجذورهم، تاريخهم، وتطلعاتهم لمستقبل أفضل.
وفي خضم كل هذا الانحلال، كيف
يمكن استعادة نبض الهوية؟ هل يمكن إشعال شرارة الأمل من جديد؟ كيف يمكن دعوة شعب
منهك وجدانيًا، يتجنب مواجهة واقعه، إلى أن يعيد التفكير، ليس فقط في ما يراه
يوميًا، بل في من يكون، وفي المكانة التي يريد أن يستعيدها لنفسه؟
قد تكون
الإجابة دعوة صادقة، وليست مجرد تسويق لأفكار أو مصالح شخصية. دعوة تُوجه إلى
القلوب الكابية، تغرس بذورًا تتساءل، تتحدى، وتبحث. ربما تستفز هذه الدعوة البعض،
وربما يرفضها آخرون، لكن مجرد أن تصبح هذه التساؤلات حديث النفس، تصاحبهم في
أحلامهم، وفي خطواتهم اليومية، سيكون ذلك بداية الطريق لإعادة البناء... ليس بناءً
عمرانيًا فقط، بل بناءً روحيًا وثقافيًا يحاكي جمالًا مفقوداً تسرب من بين أصابع
الأجيال التي عاشت بريقه، أو موعوداً كحلم ينتظر أن يتجسد في واقع يعيد إحياء
الروح الأصيلة لهذا الشعب.
هو جمالٌ
ربما لم يكن يوماً سوى انعكاساً لتطلعاتنا، أو صورةً مثالية رسمتها أذهاننا في
مواجهة القبح الذي صار سمةً لواقعنا. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط عن ما إذا كان
هذا الجمال مفقوداً أو موعوداً، بل عن الإرادة التي قد تُحرك النفوس لإعادة
صياغته، وجعله محوراً يحاكي كينونتنا، ويلهمنا لاستعادة قيمنا واحترام ذواتنا، في
مسيرة تهدف ليس فقط إلى بناء عمرانٍ جميل، بل إلى بعث جمالٍ يتجلى في الأخلاق
والسلوك والثقافة، في رؤية جماعية تحملنا نحو مستقبل أكثر أصالة.
إن إعادة هذا الجمال ليست مجرد مهمة
صعبة المنال، لكنها دعوة صادقة لإحياء كيانٍ كان دائماً نابضاً بالحياة. هي فرصة
لإعادة بناء ليس فقط ما تهدم، بل أيضاً النفوس التي أنهكتها اللامبالاة، لنخطو
معاً نحو مستقبل يحمل في طياته أصالة الماضي ووعود الغد.