أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، أبريل 04، 2025

تآكل الجمال: أزمة الهوية الليبية بين الماضي والحاضر


جمال الهمالي اللافي

في كل زاوية من مدننا الليبية، وبين تفاصيل عمرانها، تكمن قصة شعب عاش يوماً بتذوقٍ رفيع، حيث كان يحيط نفسه بجمالٍ يعكس هويته واعتزازه بتاريخه. ومع مرور الزمن، أصبح القبح مألوفًا، متغلغلًا في تفاصيل الحياة، حتى تماهى معه الناس، وتحوّل إلى معيار للجمال في عيون الأجيال التي نشأت في هذا الواقع المشوه.

كيف يتحول كل ذاك الجمال الذي توج معالمنا التاريخية ومدنها إلى قبح، والقبح إلى معيار يتبناه المجتمع دون وعي، بل ويُحتذى به؟ ، وكيف أصبح المشهد مع مرور الزمن المتليء بالمباني الرديئة مألوفًا للناظرين، حيث تآلف الناس معه حتى تحول تدريجيًا إلى مرآة لمفهوم جديد للجمال في نظر الأجيال التي ترعرعت بين تلك الزوايا الخاوية من الروح. أيمكن اختصار هذا التحول في مجرد قبول الواقع؟ أم أنه نتيجة سلسلة تحولات أعمق تعكس تراجعًا في القيم، وانقطاعًا في السلسلة التي تربط الماضي بالحاضر؟

كيف يمكن لشعبٍ كان يومًا متقد الذائقة، شامخ الهوية، عاشقًا للجمال في التفاصيل الدقيقة من حياته، أن يتحول إلى حالٍ من اللامبالاة بل والتعايش الكامل مع الرداءة؟ هل يعود السبب إلى تلك التغيرات الاجتماعية والسياسية التي جعلت من البقاء على قيد الحياة أولوية على حساب الحفاظ على الهوية؟ وهل هذه التحولات جاءت كنتيجة حتمية لفترات عصيبة دفعت بالناس لتقديم الضرورات على القيم الجمالية؟ أم أن العولمة بتدفقها الطاغي فرضت معايير دخيلة أطاحت بالقيم الأصيلة واستبدلتها بنماذج مستوردة غير متجانسة مع الروح المحلية؟

ربما يكمن أحد العوامل في النظام التعليمي الذي لم يعد يُعنى بغرس تقدير الجمال والهوية لدى الأجيال الصاعدة. وحين يجتمع ذلك مع واقع اقتصادي هش، تصبح الحلول السريعة والعملية ملاذًا للهروب، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن معايير الجمال. أليس هذا القبول التدريجي للقبح نتيجة لانقطاع الحلم؟ انطفاء الحلم الذي كان يومًا يربط الأفراد بجذورهم، تاريخهم، وتطلعاتهم لمستقبل أفضل.

وفي خضم كل هذا الانحلال، كيف يمكن استعادة نبض الهوية؟ هل يمكن إشعال شرارة الأمل من جديد؟ كيف يمكن دعوة شعب منهك وجدانيًا، يتجنب مواجهة واقعه، إلى أن يعيد التفكير، ليس فقط في ما يراه يوميًا، بل في من يكون، وفي المكانة التي يريد أن يستعيدها لنفسه؟

قد تكون الإجابة دعوة صادقة، وليست مجرد تسويق لأفكار أو مصالح شخصية. دعوة تُوجه إلى القلوب الكابية، تغرس بذورًا تتساءل، تتحدى، وتبحث. ربما تستفز هذه الدعوة البعض، وربما يرفضها آخرون، لكن مجرد أن تصبح هذه التساؤلات حديث النفس، تصاحبهم في أحلامهم، وفي خطواتهم اليومية، سيكون ذلك بداية الطريق لإعادة البناء... ليس بناءً عمرانيًا فقط، بل بناءً روحيًا وثقافيًا يحاكي جمالًا مفقوداً تسرب من بين أصابع الأجيال التي عاشت بريقه، أو موعوداً كحلم ينتظر أن يتجسد في واقع يعيد إحياء الروح الأصيلة لهذا الشعب.

هو جمالٌ ربما لم يكن يوماً سوى انعكاساً لتطلعاتنا، أو صورةً مثالية رسمتها أذهاننا في مواجهة القبح الذي صار سمةً لواقعنا. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط عن ما إذا كان هذا الجمال مفقوداً أو موعوداً، بل عن الإرادة التي قد تُحرك النفوس لإعادة صياغته، وجعله محوراً يحاكي كينونتنا، ويلهمنا لاستعادة قيمنا واحترام ذواتنا، في مسيرة تهدف ليس فقط إلى بناء عمرانٍ جميل، بل إلى بعث جمالٍ يتجلى في الأخلاق والسلوك والثقافة، في رؤية جماعية تحملنا نحو مستقبل أكثر أصالة.

إن إعادة هذا الجمال ليست مجرد مهمة صعبة المنال، لكنها دعوة صادقة لإحياء كيانٍ كان دائماً نابضاً بالحياة. هي فرصة لإعادة بناء ليس فقط ما تهدم، بل أيضاً النفوس التي أنهكتها اللامبالاة، لنخطو معاً نحو مستقبل يحمل في طياته أصالة الماضي ووعود الغد.

الخميس، أبريل 03، 2025

المسجد الجامع والنسبة الذهبية

مئذنة المسجد بعد التعديل


جمال الهمالي اللافي

منذ سنوات، قمت بتصميم مسجد مستوحى من الطراز المحلي لمدينة طرابلس والشريط الساحلي، حيث حرصت على دمج الإرث الثقافي مع المبادئ الجمالية الهندسية، معتمداً في توزيع فراغاته على النسبة الذهبية. هذه النسبة التي تُعَدّ رمزاً للانسجام المثالي، شكّلت الأساس لتوازن عناصر التصميم.


وخلال الفترة الماضية، أعدت النظر في تصميم ارتفاع المئذنة التي بدت طويلة نسبياً مقارنة بباقي عناصر المسجد. دون الإخلال بالنسبة الذهبية، قمت بتحوير بسيط لوضعية المستطيل الذهبي الذي يمثل النسبة. بدلاً من الاعتماد على وضع المستطيل عمودياً داخل الضلع الأقصر من أضلاع المسجد، تم تعديله ليكون أفقياً داخل الضلع الأطول. هذا التعديل ساهم في تحقيق تناسب أفضل؛ حيث أصبح ارتفاع المئذنة مكافئاً للضلع الأصغر من المستطيل الذهبي بدلاً من الأكبر، مما أضفى على التصميم مزيداً من التناغم بين ارتفاعات المسجد وعناصره.

المئذنة قبل التعديل

تكمن أهمية هذا التحوير في قدرته على تحسين العلاقات البصرية داخل التصميم مع الحفاظ على روح النسبة الذهبية، مما يعزز التوازن بين الهوية الثقافية والوظيفة المعمارية. الصور المرفقة توضح كيف تمت معالجة النسبة الذهبية وتعديلها بصورة تراعي الجماليات والتناغم.

حديقة (السانية الليبية) – إحياء التراث وتعزيز الفضاءات العامة


حديفة السانية الليبية، تعتمد على النسبة الذهبية في أبعادها وتقسبماتها


جمال الهمالي اللافي

في مدنٍ تعاني من ندرة الفضاءات العامة التي تعكس هويتنا الثقافية وتجمع بين جمال الطبيعة واحتياجات الحياة العصرية، تظهر حديقة السانية الليبية كتصور مبتكر يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. للأسف، تفتقر العاصمة الليبية طرابلس وكافة المدن الليبية لهذا النوع من الحدائق العامة، إذ لا توجد سوى حديقة عامة واحدة أسسها الإيطاليون خلال فترة احتلالهم، وهي حديقة البلدية الواقعة في مركز العاصمة.

ما هي حديقة السانية؟

هي فكرة مستوحاة من روح السواني الليبية، تلك المساحات التي كانت تربط بين الإنتاج الزراعي والترابط الإنساني، وتعتمد في تصميمها على النسبة الذهبية لإبداع توازن بصري مثالي. الحديقة تتضمن تصميم "الشراك" التي تقسمها إلى مربعات متعددة الاستخدامات، وتتوسطها نافورة مستوحاة من بئر "بوجناح"، أحد أهم العناصر المعمارية التقليدية في السواني الليبية.

التصور المبدئي للحديقة العامة

أهداف المشروع

  1. إحياء التراث: تقديم تصميم يعكس العمق الثقافي الليبي ويمزج بين الأصالة والحداثة.
  2. ربط المجتمع بالمكان: توفير فضاء يجمع كل فئات المجتمع لتبادل الخبرات وقضاء أوقات ممتعة.
  3. تعزيز البيئة: زيادة المساحات الخضراء وتحقيق ممارسات مستدامة في تصميم الفضاءات العامة.

مكونات المشروع

  • متحف ومعرض للصناعات التقليدية، مستوحى تصميم كتلته من نظام الأفنية وتوزيع الفراغات التقليدية في بيوت وفنادق المدينة القديمة بطرابلس.
  • معرض للفنون  التشكيلية والحرفية المعاصرة،عبارة عن كتلة مربعة تم تقسيمها إلى مثلثين عبر ممر مشاة يخترقها إلى نصفين .
  • نافورة مياه على شكل بير بوجناح ذلك الصرح المعماري المميز في كل سوانينا.
  • مساحات ترفيهية للأطفال وعائلية مريحة.
  • مُصلى صغير، مع الإشارة إلى رغبتي في جعل الحديقة امتدادًا لمسجد جامع آخر أعمل على تصميمه مستلهماً فكرته كذلك من النسبة الذهبية.
  • أنشطة تجارية ومطاعم بمذاق ليبي أصيل لتعزيز الاقتصاد المحلي وتوفير الخدمات الضرورية لرواد هذه الحديقة.

تأثير المشروع

  • مجتمعياً: مشروع يعزز الروابط الإنسانية ويعيد إحياء الفخر الثقافي.
  • بيئياً: تحسين جودة الهواء والمساهمة في استدامة الموارد الطبيعية.
  • ثقافياً: إعادة تعريف الفضاءات العامة كمساحات تعكس هويتنا وتراثنا.

رسالة مفتوحة إلى كل من يعنيه الأمر

لعل هذه الحديقة تكون الشرارة التي تعيد إحياء التراث وتنقل المدن الليبية خطوة نحو مستقبل يوازي عمق ماضيها. أؤمن بأن مثل هذا المشروع يمكنه تعزيز الروابط الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في مدننا. أرحب بالنقاش والتعاون مع من يرى في هذه الفكرة رؤية قابلة للتنفيذ، لتصبح واقعاً يخدم الجميع.

الثلاثاء، أبريل 01، 2025

روح المكان: بين العمارة والإنسان

بوابة مدينة سوكنة


جمال الهمالي اللافي

في عالم العمارة، كل جدار وكل زاوية تحمل قصصاً، بعضها صاخب يروي عن ماضٍ زاخر بالتفاعلات الإنسانية، وبعضها هامس يُترجم الصمت إلى شعور بالسكينة والانسجام. ليست العمارة مجرد أحجار مرصوصة بدقة أو تصاميم مبتكرة، بل هي الجسر الذي يربط الماضي بالحاضر، والإنسان بروح المكان.

هناك سلالم كثيرة تربطنا بتاريخنا، بعضها مرئي يزين بيوتنا القديمة بأخشابها المتقنة، والبعض الآخر معنوي، يتمثل في تلك القيم التي استمدتها العمارة من التقاليد العريقة. ولكن حين نفقد هذه السلالم، نفقد معها وسيلة الصعود نحو الفهم الأعمق لمعنى الإبداع. هنا تأتي أهمية العمارة، لا كصناعة وإنما كفن يترجم الثقافات إلى ملامح مادية يمكن أن تشعر بها الأرواح.

العلاقة بين الثابت والمتغير

البيوت القديمة بأقواسها وعقودها وأفنيتها المفتوحة على السماء ليست مجرد بيوت، بل شواهد نابضة على حوار حي بين الثابت والمتغير. فهي تحتفظ بجذورها الراسخة في تقاليد البيئة والمجتمع، لكنها تستجيب برشاقة لاحتياجات الأجيال المتعاقبة. الإبداع هنا ليس في تصميم جديد منفصل عن الماضي، بل في الحفاظ على هذه الجذور مع فتح نافذة على المستقبل.

مثل هذه البيوت تصبح مرآة للإنسان نفسه، حيث يجد نفسه في صراع دائم بين الحفاظ على جذوره الثقافية وبين التحول لمواكبة العصر. وهذا هو جوهر الإبداع: أن نحترم الماضي ونستثمر فيه، دون أن نتخلى عن الرؤية المتجددة التي تقدم حلولاً تلبي متطلبات اليوم وتطلعات الغد.

المدينة ككائن حي

كما أن الإنسان يستمد حياته من نبض قلبه، فإن المدن تستمد حياتها من سكانها، ومن ارتباطهم بتقاليدهم وروح المكان. بغياب هذا الارتباط، تتحول المدينة إلى مجرد هيكل بلا روح. روح المدينة تسكن في التفاصيل: في تمازج الألوان على واجهات البيوت، في رائحة الخبز المنبعثة من الأفران الترابية، وفي ظل شجرة التين التي تجمع الأهل حول فنجان شاي.

إعادة الروح إلى المدن ليست بالمهمة المعمارية فحسب، بل هي عملية ثقافية واجتماعية تتطلب وعياً بمفهوم الهوية واحتراماً لتاريخ المكان، مع إدخال لمسات حساسة تضمن استمراريته كجزء حي من الذاكرة الجمعية.

استنتاج فلسفي

إن العمارة التي تنفصل عن روح المكان تفقد جوهرها. الإبداع في العمارة ليس مجرد رسم خطوط وتصميم مساحات، بل هو بناء معاني تربط الإنسان بماضيه وحاضره ومستقبله. إنه القدرة على رؤية الجمال في الإرث، والجرأة على إعادة تفسيره بما يعكس احتياجات الواقع وأحلام الغد.

بين التراث والتغريب: دعوة لتأصيل العمارة الليبية المعاصرة

مشروع لوحدتين سكنيتين لزوجتين وصالة ضيافة


جمال الهمالي اللافي

تشهد الساحة المعمارية في ليبيا جدلاً متواصلاً بين دعاة التغريب المعماري والمؤيدين للعمارة المحلية التي تنبع من تراثنا ومقوماتنا البيئية. ومن منطلق التقييم الواقعي، يمكن لدعاة التغريب انتقاد جهودنا في تأصيل العمارة الليبية فقط عندما تتوفر العناصر التالية بشكل كافٍ ومستدام في بلادنا:

  • وفرة وتنوع مواد البناء والتشطيب: تمثل تنوع المواد واستخدامها المتاح ركيزة أساسية للتصميم والتشييد.
  • تقنيات الإنشاء المتطورة وتنوعها: تضمن التقنيات المبتكرة تقليص التكاليف وتعزيز جودة البناء.
  • وجود عمالة فنية وحرفية ماهرة: العمالة المتخصصة ضرورة لضمان تنفيذ المباني بدقة وحرفية.
  • انخفاض تكاليف المواد والتقنيات والعمالة: إن تحقيق التكلفة المعقولة يجعل العمارة أكثر استدامة وملاءمة للسياق المحلي.

ولكن حتى يومنا هذا، نحن نفتقر بشكل كبير إلى كل تلك العناصر، بل ونشهد تراجعاً في استغلال التقنيات والمواد التقليدية التي كانت تمثل جزءاً أساسياً من هويتنا المعمارية. إن فقدان هذه الفرص يقودنا إلى نقطة حرجة تدعو إلى تبني حلول أكثر واقعية واحتراماً لمواردنا المحدودة.

العودة إلى الجذور: اختيار العقلانية

في ظل التحديات الحالية، يصبح التعامل مع الإمكانيات المتوفرة خطوة عقلانية تفرضها الضرورة. يتطلب هذا الاتجاه إعادة تقييم شاملة للاحتياجات المعمارية للمجتمع الليبي، ما يُعزِّز اللجوء إلى العمارة المحلية كخيار يعبر عن هويتنا الثقافية والاقتصادية. إنها دعوة لمواءمة تصاميمنا مع قدراتنا البيئية والمادية، بدلاً من الاستمرار في استيراد أشكال حداثة معمارية بعيدة عن واقعنا المحلي، ولا تتوافق مع المواد والتقنيات المتاحة أصلاً في بلادها.

العمالة الوافدة وتحديات الجودة والتكلفة

أحد القضايا الحرجة التي يجب تسليط الضوء عليها هي الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة التي غالباً ما تكون مرتفعة التكلفة وتفتقر إلى الجودة المطلوبة. هذا يخلق بيئة غير داعمة للتطور المحلي ويُعمق الفجوة بين الطموحات المعمارية والقدرات الفعلية.

خاتمة

لذا، تبقى العودة إلى العمارة المحلية خياراً أكثر انسجاماً مع واقعنا، ومعبراً بصدق عن احترامنا لموروثنا الثقافي ومحيطنا العمراني. كما أنها تمثل رداً عملياً على التحديات التي تواجه قطاع البناء في ليبيا، وتفتح المجال أمام استدامة معمارية ترتكز على ما هو متاح فعلياً.

 

رسالة في تعزيز العمارة المحلية: حوار مفتوح

رؤية معاصرة للمسكن الغدامسي


جمال الهمالي اللافي

لطالما كانت العمارة المحلية الليبية مصدر إلهام لي في مسيرتي المهنية، وأجد في كل مدينة ليبية هوية معمارية ثرية تعكس تنوع ثقافاتنا وجذورنا. في مشاريعي، أسعى دائمًا إلى إعادة تأصيل هذه القيم والخصائص المعمارية بما يتلاءم مع احتياجات الحاضر، من منطلق بحثي المستمر عن الهوية الثقافية والمعمارية لمدننا الحبيبة.

عند عرضي لبعض هذه المشاريع عبر منصاتي، فإن غايتي الأولى والأخيرة هي فتح باب الحوار حول قيمة تراثنا المعماري، وتسليط الضوء على كيفية إعادة تفسيره بأساليب مبتكرة ومستدامة. لست هنا للمنافسة أو مقارنة الجهود، بل أعتبر كل محاولة لتعزيز هذا التراث جزءًا من عمل جماعي يخدم ثقافتنا وهويتنا.

أتطلع دائمًا إلى تعليقاتكم واقتراحاتكم التي تثري هذا النقاش وتشكل رؤى جديدة. شكرًا لكم على دعمكم المستمر لجهودي في تعزيز جمال وروح العمارة الليبية.

الاثنين، مارس 31، 2025

بعث روح العمارة الغدامسية في المنازل الحديثة: تجربة المهندسة أم محمد




        تُعد مدينة غدامس، بجمالها التراثي الفريد وعمارتها التقليدية الأصيلة، مصدر إلهام حقيقي لمحبي الفن المعماري. ومن بين هؤلاء، المهندسة المعمارية أم محمد، التي انطلقت من حبها العميق لبيت غدامس التقليدي لترسم ملامح جديدة تُعيد إبراز هذا التراث في المساكن الحديثة
.

في خطوة مبدعة، سعت المهندسة أم محمد إلى اقتباس عناصر من الطراز الغدامسي التقليدي لإثراء منزلها الخاص. كان أحد أبرز تلك العناصر تصميم غرفة المعيشة المدمجة مع استقبال النساء، حيث استخدمت قوساً غدامسياً يفصل بين المساحتين. رغم بساطة هذا العنصر، إلا أنه يضفي دفئاً وترابطاً بين الماضي والحاضر، ويُبرز الخصوصية التي لطالما ميّزت بيوت غدامس القديمة.

تشارك المهندسة تجربتها قائلة: "تمنيت لو استطعت تنفيذ التفاصيل بالكامل، بما في ذلك السلالم التقليدية والضوّاية (فتحات الضوء) والصنور، ولكنني اكتفيت بإضافة القوس كخطوة أولى. ورغم ذلك، شعرت بأنني أعيش جوهر المدينة القديمة داخل منزلي المتواضع."


لا يقتصر إبداع أم محمد على منزلها فقط؛ فقد عملت على تصميم مشاريع أخرى تحمل بصمة غدامسية، منها وحدات سكنية ملحقة بفندق، حيث استوحت توزيع الفضاءات من العمارة التقليدية. لكنها تشير إلى بعض التحديات في ترجمة الطراز القديم إلى العصر الحديث. فالغرف التي كانت مخصصة لتخزين الغلال أو المطابخ الموجودة على السطح مثلاً، أصبحت غير ملائمة لحياة اليوم. ومع ذلك، تؤكد أن الاقتباس الذكي والمتوازن لبعض العناصر الزخرفية والمعمارية يجعل الطراز الغدامسي يتأقلم بسهولة مع احتياجات العصر الحديث.


تلفت المهندسة أم محمد الانتباه إلى أن أغلب المنازل الحديثة في غدامس تحرص على تضمين لمسات من الطراز التقليدي، سواء في الواجهات، الزخارف، أو حتى في الأثاث والجلسات الشعبية. وهذا يعكس ارتباط المجتمع الغدامسي العميق بثقافته وتراثه المعماري.

وفي ختام حديثها، تعبر أم محمد عن حلمها في رؤية مشروع يقتبس بأسلوب شامل العمارة الغدامسية القديمة ويعيد تقديمها كتصميم عصري يلبي احتياجات اليوم. تقول: "آمل أن نرى تصاميم تحيي بيت غدامس التقليدي، لأن في ذلك إحياءً لهويتنا وجمال تراثنا."

تجربة المهندسة أم محمد ليست مجرد تصميم داخلي، بل دعوة للحفاظ على التراث الغدامسي وإعادة تعريفه ليظل مصدر إلهام للأجيال القادمة.

المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية