جمال
الهمالي اللافي
في ظل
صراع الهويات المعاصر، لم تعد العمارة مجرد تشكيل للفراغ أو ترفاً هندسياً، بل
أضحت ثغراً من ثغور الأمة، يتقرر من خلاله مصير الانتماء أو الذوبان. ومن هنا يبرز
الفارق الجوهري بين "المبدع" الذي يعي أمانة الاستخلاف،
و"المبتدع" الذي سقط في فخ الاستلاب الثقافي.
أولاً:
المُبدع (المرابط في ثغر الأصالة)
المبدع
هو المهندس المفكر المرتبط بجذوره، الذي يتواصل مع موروثه لا كآثار جامدة، بل كروح
حية وقيم متصلة. يدرسه، يتفحصه، ويطرح تساؤلات منهجية تمس صميم الهوية ليكون رده
على الواقع رداً واعيًا:
· الوعي بالتاريخ والنشأة: يطرح المبدع سؤال: "لِمَ
هو كذلك؟ وما هي المؤثرات التي شكلت صورته النهائية؟". ومن هنا يفرز بعناية
بين "المخلفات" و"المنجز".
فيدرك أن مخلفات حقب الاحتلال (كالرومانية والإيطالية) هي وقائع زمنية لا تشكل
مرجعاً عقدياً، بينما يثمن المنجز المحلي الأصيل – كالعمارة في العهد العثماني
بليبيا – التي كانت نتاجاً لرؤية محلية استوعبت روح المكان وعقيدة أهله.
· جدلية التفرد والاستفادة: يتساءل:
"ما أوجه الاختلاف عن الحضارات الأخرى؟ وما الذي يمكنني استخلاصه؟". فهو
لا يقلد، بل يستخلص القيم التي يمكن استثمارها وإعادة توظيفها، مع تجاهل مكامن
القصور التي لا تناسب عصرنا.
· قرار القطيعة والاستمرارية: يطرح سؤالاً سيادياً: "من
يمتلك الحق في القطيعة مع الموروث؟ وعلى أي أساس؟". المبدع يرفض القرارات المستعجلة
التي تطلب "راحة البال" من مسؤولية الالتزام تجاه الهوية، أو الانسياق
وراء هيمنة خارجية.
·
الدور
الطليعي في الحاضر والمستقبل: بناءً على إجاباته، يمارس
المبدع دوره كـ "مرابط" في ثغر الوطن؛ فيحلل الحاضر من منظور معطيات
الواقع واحتياجات المجتمع الروحية والمادية، ويحترم التنوع العمراني. هو يعمل
للمستقبل ليعالج المُشكل، ويُرمم ما تهدم من قيم المجتمع قبل المعمار، مؤمناً أن
للعمارة قوة تأثير على القيم الأخلاقية والسلوكية والنفسية، ولا يجوز له الاستكانة
في أداء هذا الواجب.
ثانياً:
المُبتدع (المغترب في سياج الاستلاب)
على
النقيض تماماً، يبرز المبتدع كنموذج للاستلاب الثقافي والانسلاخ عن الواقع، وهو
الذي اتخذ موقف التغريب منهجاً وهدفاً، مفرطاً في التساؤل والتمحيص:
· الانسلاخ والعداء: هو المفتون بمناهج دراسية
صُممت لواقع غير واقعه، يكتفي بها دون مراجعة أو بحث في مآلات هذا التغريب عليه
وعلى مجتمعه. اتخذ – عن جهل وقصور في الإدراك – موقف المعادي لموروثه، مفرطاً في
أمانة الحفاظ على مقومات الهوية وعوامل النهضة.
· الوهم والتقليد: يعيش المبتدع في قوقعة
الأوهام، يلهث وراء كل صرعة دخيلة ظناً منه أن "المخالفة" هي التميز. هو
تائه، هائم في سراب الثقافات الدخيلة، يقلدها دون تبصّر في العواقب الوخيمة لهذا
الانسلاخ على تماسك المجتمع وأمنه الثقافي.
· الهروب من المسؤولية: عندما يعجز عن إيجاد حلول
تلائم هوية مجتمعه، يتبجح بنسبة القصور إلى "الموروث المعماري" تبريراً
لعجزه، متدثراً بالأهواء، ومنكفئاً على حصيلة جهله بالقشور الظاهرية للعصرنة.
ثالثاً:
العمارة كقرار سيادي وقيمي
إن صراع
الهوية لا يترك مجالاً للمداهنة. فالمعماري "المبدع" هو الذي يفهم أسباب
الاختلاف ودوافعه المنطقية ويصلح المتعطل، أما "المبتدع" فهو الذي يهرب
من مسؤولية الالتزام تجاه هذا الموروث طلباً للسهولة أو تبعيةً للمؤثرات الخارجية.
الخلاصة
إن
العمارة موقف منهجي وقيمي وطلائعي قبل أن تكون مهنة تقنية. فإما عمارة
"مبدعة" تنطلق من تساؤلات وجودية لترميم قيم المجتمع وبنيانه، وإما
عمارة "مبتدعة" تكرس الاغتراب وتعمق التيه الثقافي. والخيار هنا هو قرار
بالبقاء في دائرة الحضارة والاعتزاز بالعقيدة أو الذوبان في الآخر.
