
حين يتضامن العمران، تتضامن النفوس. وحين يتباعد، تتباعد الأرواح
جمال الهمالي اللافي
مقدمة
ليس
الحنين إلى الماضي ما نفتقده، بل الوعي بما ضاع من قيمه. فالزمن الجميل لم يكن
مجرد سنوات مضت، بل كان حالة اجتماعية صنعتها الألفة والبساطة والرضا بالقليل.
وحين غاب هذا الوعي، تحوّل الحديث عن الزمن الجميل إلى حسرة فارغة أو جدل سياسي،
بدل أن يكون دعوة لإصلاح حاضرنا.
التحسر
على الزمن الجميل
التحسر
على ما يُسمى "الزمن الجميل" ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو تعبير عن
فقدان منظومة اجتماعية كاملة كانت تمنح الحياة معنى ودفئًا يتجاوز السياسة
والمادة. فالزمن الجميل لم يكن نتاج وضع سياسي بعينه، وإن كان الوضع السياسي
عاملًا مؤثرًا، لكنه لم يكن هو من يصنع الفارق بين زمن جميل وآخر قبيح.
ما يصنع
الفارق هو الوضع الاجتماعي: تآلف
القلوب، التواصل الدائم، إعطاء كل مناسبة قيمتها المستحقة دون إسراف أو تبذير. حين
كان رمضان رمضان، والعيدان عيدين، وأفراح الزواج فرحة للجميع. حين كان الأطفال
يلعبون في الشارع والحي، وكان للكبار مجالس يتبادلون فيها الحِكم والعلم. حين كان
الشارع يربي كما البيت، وكانت الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية عادة
وسلوكًا يوميًا للكبار والصغار.
كان
المتجر في الحي بسيطًا في شكله، بلا مسميات وهمية ولا يافطات ذهبية وفضية. التعامل
كان بالقناعة والرضا بالربح القليل مع جودة المعروضات على قدر الحاجة، والمنتجات
تأتي من المصانع المحلية. وكان التمييز بينها بالقول: دكان الحاج عمر، الحاج علي،
عمي الهادي، عمي خليفة. لا "سوبرمارك نيرمين" ولا "مقاهي
روما" ولا "مطاعم ماكدونالدز" التي تقف خلف أبوابها المغلقة، تُدار
بوجوه غريبة عن الحي، وتقدّم أطعمة بلا طعم ولا رائحة، منفصلة عن هوية المكان
وروحه.
البركة
في العمران
البركة
لم تكن في الطعام وحده ولا في المناسبات، بل في العمران أيضًا؛ حين كان البيت
والشارع والدكان جزءًا من نسيج واحد، متلاصقًا في تصميمه، متقاربًا في مساحاته،
متآلفًا في تفاصيله، مرتبطًا بالهوية المحلية التي تمنح المكان طابعه الخاص. كان
العمران يسهّل اللقاء اليومي، ويجعل من الجيرة علاقة حية، ومن الحي مجتمعًا صغيرًا
متماسكًا. أما اليوم، فقد تباعد العمران وتنافر، وتعلّق بأفكار مستوردة من أصقاع
الأرض، فغابت الألفة من المكان كما غابت من الناس، وضاعت البركة حين فقدنا وحدة
الشكل والمعنى.
من
الحنين السلبي إلى الوعي الجمعي
اليوم،
أصبح الحديث عن الزمن الجميل في كثير من الأحيان مجرد حنين
سلبي، لأننا نفتقد حالة الوعي بأسباب هذا الفقد. والأسوأ أن البعض
حوّله إلى حنين سياسي، مثل القول: "يا حسرة على أيام الملك إدريس" أو
"أيام القائد الأوحد". هنا يتحول الزمن الجميل إلى ساحة صراع سياسي، لا
إلى حالة وعي جمعي بأسباب غيابه.
لكن
الحقيقة أن فقدان الزمن الجميل لم يكن سياسيًا فقط، بل كان نتيجة تآكل
القيم الاجتماعية: غياب الألفة، تراجع دور الحي والشارع، وانحسار
البساطة والرضا بالقليل.
الزمن
الجميل كمشروع إصلاحي
إذا
أدركنا أن الزمن الجميل كان حالة اجتماعية، يمكن أن يتحول الحديث عنه من مجرد حنين
إلى مشروع
إصلاحي يعيد الاعتبار للقيم التي فقدناها:
- إحياء
المجالس والحوارات الحية.
- تشجيع
الإنتاج المحلي والرضا بالقليل.
- إعادة
معنى المناسبات الدينية والاجتماعية بعيدًا عن المظاهر.
- إعادة
بناء علاقة الأطفال بالحي والشارع كفضاء تربوي.
- إعادة
الاعتبار للعمران المحلي المتماسك، بوصفه جزءًا من الهوية والبركة.
بهذا
المعنى، الزمن الجميل ليس ماضيًا ضائعًا، بل إمكانية كامنة يمكن أن تُستعاد إذا
وعينا أن فقده كان اجتماعيًا وثقافيًا قبل أن يكون سياسيًا.
خاتمة
الزمن
الجميل ليس تاريخًا يُستعاد بالحنين، ولا نظامًا يُستدعى بالجدل، بل هو منظومة قيم
اجتماعية وثقافية فقدناها حين غابت الألفة والبساطة والرضا بالقليل. إن التحسر
عليه لا ينبغي أن يبقى مجرد استدعاء عاطفي، بل أن يتحول إلى وعي نقدي يذكّرنا بأن
البركة لا تأتي من وفرة الأشياء، بل من معناها في حياتنا.
وحين
ندرك أن الزمن الجميل كان حالة اجتماعية قابلة للبناء، يصبح الحديث عنه دعوة إلى
إصلاح حاضرنا لا إلى اجترار ماضينا. فالزمن الجميل ليس وراءنا، بل أمامنا، كلما
اخترنا أن نعيد للمعنى مكانه، وللألفة حضورها، وللبركة قيمتها.




