![]() |
| تُجسد هذه اللوحة التشكيلية فرضية "التوالي العمراني الكوني"، حيث تتحول الأجرام السماوية من مجرد مادة فيزيائية إلى سجلات تاريخية وعمرانية مأهولة. |
استهلال : إن ما يرد في هذا النص
لا يشكل تفسيراً شرعياً أو فقهياً للآيات القرآنية الكريمة، ولا يخرج عن كونه
تصوراً تخيلياً وخاطرة تأملية في كنه الكون وعمارته. هي قراءة فلسفية تحاول
استنطاق المعطيات الكونية من منظور فني وعمراني، دون المساس بالثوابت التفسيرية
المقرة.
ماذا لو تأملنا الكون لا كفضاء فيزيائي صامت، بل كخارطة عمرانية
حية، تُبنى وتتسع وفقاً لرحلة الخلق؟ إنها فرضية تستقرئ المعطى القرآني لتقدم
تصوراً تخيلياً عن كنه الوجود وعمارته الإلهية.
الأزلية وإعداد "موقع"
الاستخلاف
إن الله عز وجل هو "الأول والآخر"، الذات التي لا يحدها
زمان ولا يحويها مكان. في ستة أيام، خلق الله الأرض وهيأها، وجعل السماوات السبع
بناءً محكماً لا يُفتح إلا بأمره. هذا الإتقان الإنشائي للأرض يشير إلى أنها صُممت
لتكون مسرحاً لـ "تدوير" الحيوات؛ حيث يتم إعمارها من قِبل مخلوقات
تمتلك إرادة الفعل والتفكير، كالإنس والجن.
وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ} (البقرة: 30)، نجد إشارة صريحة إلى وجود أمم سبقت خلق آدم،
أقوام تعاقبوا على هذه الأرض، وانتهت رحلتهم الدنيوية ليحاسبوا على ما قدموا. إن
الأرض بهذا المعنى ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي "موقع عمراني" يُعاد
تدويره وإعادته لسيرته الأولى بعد كل نهاية أمة، لتستقبل خلقاً جديداً.
فلسفة التوسع: بناء المنازل
الأخروية
بينما يتساءل العلماء عن سر اتساع
الكون، تأتي هذه الرؤية لتربط الاتساع بانتهاء مسيرة كل أمة على الأرض. يقول
المولى عز وجل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا
بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47). إن هذا التوسع ليس
مجرد تمدد للمادة، بل هو إنشاء مستمر للمساكن الروحية (الغرف) لكل أمة ينتهي
حسابها؛ فالسماء تتسع لتستوعب العمران الجديد للأرواح التي غادرت الأرض.
الأجرام السماوية كـ "وحدات
سكنية" علوية
في هذه الفرضية، تتحول النجوم والكواكب من أجرام صامتة إلى
"توقيعات عمرانية" تعكس مراتب الأقوام السابقة:
·
النجوم اللامعة: هي غرف ومنازل الأنبياء والرسل؛ وكل نجم يمثل مقام النبي ومكانته
بحجم إضاءته وموقعه من مركز المجرة، تحقيقاً لقوله تعالى: {لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا
رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (الزمر: 20).
·
الكواكب: هي غرف الأتقياء من تلك الأمم؛ فكل كوكب نراه ليس إلا مسكناً
أُعدَّ لقومٍ مؤمنين، ويتحدد حجم الكوكب واتساعه بناءً على درجة تقواهم وجزائهم
الإلهي.
الثقوب السوداء: عمارة الجحيم
وعلى النقيض من ضياء النجوم
والكواكب، تأتي "الثقوب السوداء" كعنصر عقابي في هذا التصميم الكوني.
إنها ليست مجرد ظواهر فلكية، بل هي "عالم الجحيم" الذي يبتلع المعذبين
بنار جهنم؛ مكان يفقد فيه الكائن أثره ونوره، كما قال تعالى في وصف جهنم: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا
لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ} (الملك: 6). إنها البالوعات الكونية
التي تطوي سجل الأشرار وتفنيهم في غياهب العدم.
تدوير الأرض وبداية الدورة الجديدة
عند نهاية كل جيل، تُطوى صفحات حياتهم، وتعود الأرض إلى
"براءتها الأولى" كما خلقها الله أول مرة، لتستعد لاستقبال أمة أخرى.
نحن البشر لسنا أول من وطأ هذا الثرى، وربما لن نكون الأخيرين؛ نحن مجرد حلقة في
سلسلة من "الحيوات" التي تبدأ وتنتهي، لتتحول في الختام إما إلى
"نجم أو كوكب" يُزين سماء من سيأتون بعدنا، أو إلى "ظلمة"
تبتلعها الثقوب السوداء.
{وَهُوَ
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ
الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ} (الروم: 27).
بناءً على هذا التصور، يصبح الكون بكامله وثيقة تاريخية ومعمارية
كبرى، تُسجل قصة كل من سكن الأرض ورحل عنها إلى مستقره الأبدي في آفاق السماء.
"إنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ فَضَاءً صَامِتًا، بَلْ هِيَ 'الأَرْشِيفُ العُمْرَانِيُّ' لِلأَرْضِ؛ كُلُّ نَجْمٍ فِيهَا هُوَ هُوِيَّةٌ اسْتَكْمَلَتْ رِحْلَتَهَا، وَكُلُّ مَجَرَّةٍ هِيَ حَيُّ سَكَنِيٌّ لِأُمَمٍ سَبَقَتْنَا. نَحْنُ اليَوْمَ نَبْنِي بِأَفْعَالِنَا مَوَاقِعَنَا فِي ذَلِكَ السِّجِلِّ الكَوْنِيِّ، فَمَا الأَرْضُ إِلَّا وَرْشَةُ بِنَاءٍ، وَمَا السَّمَاءُ إِلَّا الوَطَنُ الذِي يَتَّسِعُ لِيَحْتَوِيَ أَمْجَادَ العَابِرِينَ."

.jpg)
