جمال الهمالي اللافي
في
قراءة متأنية لواقعنا المعاصر، نجد أننا نعاني من أزمة بنيوية تتمثل في
"الانفصال التام بين النظرية والتطبيق". تتجلى هذه الأزمة في أبشع صورها
عندما نتأمل مسارين يبدوان متباعدين، لكنهما ينبعان من نفس المشكلة: المسار
الأكاديمي/المهني (ممثلاً في العمارة)، والمسار الروحي/المجتمعي (ممثلاً في الدين).
المعماري:
عقيدة الاغتراب المستحيلة
إن
إصلاح عقلية المعماري، كما ذُكر، يصبح من رابع المستحيلات - بل خامسها - إذا ما تشرب هذا المعماري خلال رحلته الأكاديمية مناهج ومعلومات
مغتربة تماماً عن واقعه الجغرافي، والمناخي، والثقافي.
المسؤولية
هنا، وبشكل قاطع، تقع على عاتق المؤسسة الأكاديمية وعضو هيئة التدريس. عندما
يُلقّن الطالب نظريات معمارية صُممت لبيئات غربية، أو لحلول مجتمعية لا تمت لواقعه
بصلة، فإنه لا يتعلم "كيف يبني"، بل يتعلم "كيف يغترب".
الكارثة الأكبر تحدث عندما يتحول هذا التلقين إلى "عقيدة راسخة" في ذهن الطالب.
هذا
المعماري الشاب يتخرج ليرفض كل محاولة لتصحيح مساره؛ فهو يرى في واقعه تخلفاً، وفي
اغترابه تقدماً. ينافح عن تصاميم زجاجية في بيئات صحراوية حارقة، وعن مساحات مفتوحة
في مجتمعات تبحث عن الخصوصية. يتحول المعماري هنا من "ابن البيئة" إلى
"مستعمر فكري" يفرض على واقعه قوالب لا تناسبه، وكل ذلك باسم العلم الذي
تلقاه.
مات
الإسلام.. حين مات التطبيق
وعلى
نفس النسق من الاغتراب، نصل إلى المأساة الكبرى التي تلخصها العبارة القاسية
والصادقة: " مات
الإسلام حين ماتت تطبيقاته على أرض الواقع، لهذا صرنا مسلمين بلا إسلام."
تماماً
كالمعماري الذي يحمل نظريات لا يطبقها على بيئته، أصبحنا نحمل نصوصاً وعقائد
فصلناها تماماً عن سلوكنا اليومي. الإسلام في جوهره "دين ودولة"،
"عقيدة ومعاملة"، "روح وعمل". وعندما تم تفريغ الدين من
محتواه التطبيقي - في الأخلاق، في إتقان العمل، في العدالة الاجتماعية، وفي نظافة
الشارع- تحول إلى مجرد طقوس مفرغة من معناها، وهوية موروثة لا روح فيها. لقد فقدنا الإسلام كـ
"منهج حياة عملي، واكتفينا به كـ "انتماء نظري".
الخلاصة:
العودة إلى الجذور
الرابط
بين المعماري المغترب والمسلم بلا إسلام هو "غياب التجسيد". المعمار بلا مراعاة للواقع هو مجرد كتلة
خرسانية مشوهة. والدين بلا تطبيق في
الواقع هو مجرد تنظير لا يحيي القلوب ولا يقيم المجتمعات.
إن
الخروج من هذه الدائرة المغلقة (دائرة المستحيلات) يتطلب ثورة في
"المناهج"؛ سواء المناهج الأكاديمية التي تُدرس لطلابنا لتعيد ربطهم
بترابهم وبيئتهم، أو المناهج الدعوية والفكرية التي يجب أن تتوقف عن التحليق في
سماء المثاليات، لتهبط إلى الأرض وتُعنى بإصلاح السلوك اليومي والتطبيق العملي. نحتاج
إلى معماري يبني لواقعه، وإلى إيمان يمشي على قدمين في أسواقنا وشوارعنا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق