أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، مارس 23، 2026

صراع الرؤى وفخ الاستسهال: تأملات في العمل الإبداعي المشترك

 

جمال الهمالي اللافي

إن القلق الحقيقي الذي تناولناه سابقاً، والذي يبدأ مع ولادة الفكرة المعمارية ولا ينتهي بتسليم المخططات، يجد امتداده الطبيعي – والأكثر تعقيداً – في مرحلة الاحتكاك بالمهن المكملة. فإذا كان القلق الأول هو صراع المعماري مع أدواته وفلسفته لإنتاج "حالة شعورية" متكاملة، فإن هذا النص يأتي ليرصد معوقات تحقيق تلك الرؤية حين تصطدم بواقع مهني يفتقر لثقافة "الذوبان في المشروع".

"الأنا" المعمارية وجزر الإبداع المنعزلة

واحدة من أعقد الإشكاليات وأكثرها خطورة في مجال المهنة والمهن المكملة لها، تتلخص في اعتداد كل طرف برأيه وتوجهه المعماري والتصميمي. فلا يمكن أبداً (والاستثناء نادِر جداً) أن يجتمع معماري وآخر على تصميم مشترك لمشروع واحد، برؤية واحدة.

وفي المقابل لا يمكن أيضاً أن يلتقي معماري مع مصمم داخلي أو منسق حدائق أو مصمم قطع أثاث أو غيرهم من التخصصات المكملة، على رؤية واحدة في عمل مشترك. إن هذا الانفصال يحول المشروع من "عمل فني كلي" إلى مجموعة من الجزر المنعزلة التي يسعى كل منها لفرض سيادته على الفراغ.

ديكتاتورية القوالب الجاهزة (حالة مصمم الجرافيك)

حتى مصمم الجرافيك، الذي مهمته تتلخص في نقل رؤية قاصده والتعبير عنها بأسلوب إبداعي، يرفض في كثير من الأحيان أن يستوعب طرح المعماري ورؤيته في مشاريعه عندما يكلفه بإخراجها. ويصر على إخراج المشروع بنفس النمط والأسلوب الذي اعتاد عليه والموحد في جميع مشاريع قاصديه.

إنه يتحول هنا من "مترجم للرؤية" إلى دكتاتور يفرض فلاتره وأسلوبه الجرافيكي المعلب، متجاهلاً التباين العميق في التوجهات المعمارية بين معماري وآخر. فتجده يعامل المبنى المصمم بروح العمارة المحلية الليبية، المستمدة من طراز المدن القديمة وهويتها البصرية، بنفس النمط الذي يخرِج به مبنى حداثياً أو تجارياً عابراً، دون أدنى احترام لخصوصية المكان أو فلسفة التصميم.

متلازمة "الرقص" والاستسهال المهني

وهذا يجرني لذكر مثال مشابه استقيه من الدعايات المصرية في الفضائيات؛ فهي تعتمد جميعها على نمط واحد بغض النظر عن السلعة المراد الترويج لها. دعاية تعتمد على الرقص، يتم تسخير النساء والرجال، العجائز والأطفال لها.

الرقص هنا هو الحل الأسهل الذي يجلب المكاسب ولا يرهق العقل بالتفكير الإبداعي والتعاطي مع كل مسألة بمقتضياتها. إنه الهروب من عناء "فهم المنتج" إلى "القالب الجاهز" الذي يضمن لفت الانتباه السطحي.

الخاتمة: الأمانة المهنية في التكيف

المصمم الداخلي الذي يصر على إقحام "العمارة الكلاسيكية" في فراغات مشروع يتبنى هوية معمارية محلية لمدينة ليبية لها طرازها ونمطها، ومصمم الجرافيك الذي يرفض تطويع أدواته لخدمة رؤية المعماري، كلاهما يمارسان نفس ما يمارسه مخرج الإعلانات الذي يجعل الجميع "يرقصون".

جميعهم اختاروا الاستسهال وتغليب "الأنا" على حساب الأمانة المهنية والالتزام الأخلاقي الذي يقتضي الذوبان في روح المشروع واحترام خصوصية المكان والهوية المعمارية التي ينتمي إليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...