جمال الهمالي اللافي
لم يكن
يوماً شأن المعماري محصوراً في تصميم "الخريطة المعمارية" أو حلول
التوزيع الفراغي؛ فمع تقادم الخبرة، تصبح هذه المهام إيقاعاً رتيباً يمارسه العقل
بآلية سلسة. إن القلق الحقيقي لا يتبدى إلا حين يدرك المعماري أن
"السكن" ليس مجرد اصطفاف للجدران، بل هو "حالة شعورية" وتجربة
حياتية متكاملة عصية على التجزئة.
من هذه
العتبة، يتمدد فكر المعماري ليمتص كل تفاصيل الحيز؛ من خامات التشطيب وتفاصيل
الأثاث، وصولاً إلى أدق طقوس الحياة اليومية، كأواني المائدة وحتى ملمس الملبوسات.
هو يوقن تماماً أن التصميم لا يبلغ تمامه إلا إذا انصهرت عناصره في وحدة موضوعية
واحدة، تخدم غاية كبرى تتجاوز مجرد الوظيفة والجمال.
تاريخياً،
لم يكن المعماري مجرد مصمم للمبنى، بل كان "الموجه" والأب الروحي لكل تفصيلة؛ فهو المصمم الداخلي،
ومنسق المشهد الطبيعي، ومهندس المواد. هذا "الفن الشامل" تجسد في عبقرية
فرانك لويد رايت الذي صمم "عمارة عضوية" لا ينفصل فيها
الكرسي عن الجدار، وفي عقيدة مدرسة الباوهاوس التي هدمت الجدران
المصطنعة بين الفن والحرفة، لتقدم البيت بوصفه "عملاً فنياً كلياً".
وهنا نلمس
جوهر المنهجية؛ فالمعماري ليس بالضرورة هو من يمارس كل هذه الحرف بيده، بل هو من
يضع "الرؤية الضابطة" التي تسترشد بها العقول المتخصصة. لكن شرط النجاح
هنا يكمن في "الهارموني" الفكري؛ أن يكون الشركاء من مصممين وحرفيين في
النجارة والحدادة ونحت الحجر، ممن تتناغم فلسفتهم مع الرؤية الأم للمشروع. فهذه
المهن هي "مفاصل" الفراغ التي تمنحه هويته وبصمته الخاصة.
إن
الإشكالية الراهنة تكمن في تلك الرؤية التجزئية والقاصرة، التي توهم بعض المصممين
أو الحرفيين بأن عملهم "جزيرة مستقلة" عن بوصلة المعماري. إنهم يتناسون
أن تخصصاتهم نبتت تاريخياً كفروع مكملة لروح العمارة، وليست كيانات موازية لها.
وفي حال انعدام هذا التوافق، يصبح لزاماً على المعماري أن يسترد دوره التاريخي،
ويتحمل مسؤولية الإشراف على أدق التفاصيل، لضمان ألا يغرق جوهر التصميم في لُجّة
التوجهات المتضاربة.
يظن البعض أن مهمة المعماري
تُطوى بتسليم "المخطط المعماري".
لكن الحقيقة أن تلك
اللحظة.. هي محض بداية القلق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق