أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، مارس 27، 2026

تصحيح مغالطة: حدود الدور المعماري والإنشائي

 

جمال الهمالي اللافي

لا يتناول هذا الطرح مسألة الأحق بالقيادة أو فرض السلطة، بل يهدف إلى تصحيح مفاهيم مغلوطة حول الأدوار المهنية؛ فوضوح هذه الأدوار واحترام طبيعة كل تخصص هو الضمانة الحقيقية لنجاح المشاريع من الفكرة إلى التنفيذ.

ثمة مغالطة شائعة تختزل دور المعماري في "الخيال والتخطيط"، وتمنح الإنشائي وحده صفة "محول الخيال إلى واقع ملموس". هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية: أن التنفيذ في جوهره فعل معماري شامل.

إن مهمة الإنشائي تنحصر أساساً في تصميم المخططات الإنشائية والإشراف على بناء الهيكل الخرساني. وحتى في هذه الجزئية، يظل حضور المعماري محورياً؛ فهو من يوجه توزيع الأعمدة صوناً للوظيفة والجمال، ويضمن ألا تفرض الحلول الإنشائية السهلة قيوداً تخصم من جودة الفراغ المعماري.

يبدأ المعماري من "قراءة الأرض": مساحتها، مناسيبها، وعلاقتها بالمحيط العمراني، وهي معطيات تحكم المسار الإنشائي لاحقاً. وفي موقع العمل، يحرص المعماري على ضبط المحاور وتوجيه التخصصات المكملة (كهرباء وصحي) منذ مرحلة الهيكل، لضمان انسجام المشروع. إن غياب الرؤية المعمارية عن هذه المرحلة يؤدي غالباً إلى فشل وظيفي وجمالي لا يمكن تداركه.

أما التخصصات الأخرى، كالتصميم الداخلي وتنسيق الموقع، فهي تخصصات مكملة انبثقت تاريخياً من عباءة العمارة، ولا تعمل بفعالية خارج رؤيتها الشمولية. إن الاعتراف بهذا الترابط لا يقلل من قيمتها، بل يعزز قدرتها على التفاعل الصحيح. والمشكلة تكمن في بعض المناهج التعليمية التي تُوهم الطلاب باستقلالية هذه المهن عن المعماري، مما يخلق تصادماً بدلاً من التكامل.

بناءً على هذه الرؤية، يبرز المعماري كمسؤول أول أمام المالك، ومكلف بوضع الصورة الكاملة للمبنى حتى مرحلة التشغيل. وبينما تقتصر مسؤولية الإنشائي -غالباً- على سلامة الهيكل من الانهيار، يتحمل المعماري المسؤولية الشمولية: من كفاءة العزل والإضاءة الطبيعية، إلى نجاح توزيع الأثاث والتشطيبات وتنسيق الموقع، وصولاً إلى الأداء الوظيفي والبيئي للمشروع ككل.

إن معالجة هذه المغالطة تستوجب من المؤسسات التعليمية غرس ثقافة "العمل ضمن الإطار المعماري"، لضمان علاقة مهنية صحية تحول دون التجاوزات الفنية. الهدف هنا ليس انتقاصاً من شأن أي تخصص، بل إعادة وضع الأدوار في سياقها الصحيح، لتحويل العلاقة بين المهنيين من مربع التنافس إلى فضاء التكامل البنّاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...