أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الاثنين، مارس 05، 2012

جدتي






   انزوت في ركنها القصي وحيدة .. رغم صخب الأحفاد .. وصياح الآباء طلبا للهدوء .. تداعب حبات المسبحة .. تتلو أذكارها التي لا تنتهي .

      فجأة عم الهدوء .. حلت السكينة .. توقف الصخب واللعب واللهو .. حتى صياح الآباء صار وشوشة وهمسا .. الجميع ينشد السكون .. تحلقوا حوله تسابقوا لحجز اقرب الأماكن إليه .. جلسوا كأن على رؤوسهم الطير .. حتى عندما سعلت هناك من تجرأ ونهرها .

    نظرت إليه شزرا .. لم يعجبها .. لم تتقبله .. ذلك البغيض .. منذ أن حل بالبيت منذ سنوات ليست قليلة .. أصبحت شيئا زائدا .. كان الجميع يتحلقون حولي .. ينتظرون حلول المساء .. يتنافسون من يكون الأقرب مكانا مني .. يستمعون بشغف لقصصي وحكاياتي .. ربما سحرهم بصوره .. شخوصه .. صحيح أنه ينقلهم إلى كل مكان .. لكن هذا غير مبرر .

في سرها وجهت له  دعواتها .. سألت الله أن يقيهم شره .. وكذلك خيره ...

     فجأة انقطع التيار الكهربائي .. عمت العتمة .. تأفف الجميع إلا هي .. توالت الشتائم من كل حدب وصوب .. بكل لسان .. من كل الأعمار .

   في ركنها القصي المعتم ابتسمت .. فقد استجاب الله دعائها .. اقترب منها اصغر الأحفاد .. طالبا منها إتحافهم بقصة .. فرحت  .. فقد استرجعت بعض مكانتها ولو لحين .. تنحنحت تسابقوا رغم الظلام إلى أخذ أماكنهم قربها .. عم الصمت أرجاء الغرفة المعتمة :
-         كان يا ما كان .. في قديم الزمان .. فتى يقال له .......

فجأة عادت الكهرباء .. تصايحوا .. صفقوا طربا .. هللوا لعودته .. علت وجوههم ابتسامات .. تسابقوا من جديد لأخذ أماكنهم حول ذلك الغريب المقيت .. تركوها كما مهملا من جديد ..  انزوت من جديد في ركنها القصي وحيدة .. تداعب حبات مسبحتها .. تتلوا أذكارها التي لا تنتهي .. زفرت زفرة .. بثت فيها كل حسرتها وقلة حيلتها إزاء هذا العدو ..

كالت له من جديد نصيبا كبير من مقتها ودعواتها.


أبو إسحاق الغدامسي
رأس لانوف شتاء 2012م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق