أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، أبريل 03، 2026

العمارة والفكر: من المنهج الأكاديمي إلى رسالة العمران

جمال الهمالي اللافي

إن التصميم بدون رؤية هو استهانة صريحة برسالة العمران. فالعمارة في جوهرها الأصيل ليست مجرد رصّ للحجارة أو تطويع للخرسانة والصلب، بل هي تجسيد مادي لفلسفة فكرية عميقة تسبق الرسم وتوجهه.

في التمييز بين "الفكرة" العابرة و"الرؤية" المنهجية

كثيراً ما نقع في فخ الخلط بين "فكرة المشروع" (Project Concept) و"الرؤية المعمارية" (Architectural Vision). ولأنني أخاطب معماري اليوم، سليل المناهج الأكاديمية، وجب التوضيح:

·     فكرة المشروع (Concept): غالباً ما تتحول في واقعنا إلى "تحايل معماري"؛ حيث يُصمم المشروع من فراغ، مع التركيز المفرط على جماليات الواجهات "التسويقية"، ثم تُختلق له فكرة لاحقاً لتبريره أمام لجان المسابقات أو على منصات التواصل. إنها إجابة سريعة لمتطلبات مؤقتة تفتقر للصدق الفني.

·     الرؤية المعمارية (Vision): هي النسق الفكري الشامل، والبوصلة التي توجّه المعماري في كل خط دربه. إنها التي تمنح المشاريع معنىً وجودياً يتجاوز الطموح الشخصي، وتخلق لها مبرراً موضوعياً لتغدو معياراً تسير على نهجه أجيال لاحقة. الرؤية هي ما يخط للمعماري مكاناً ثابتاً في سيرورة التاريخ، ليصبح محطةً يستلهم منها الباحثون أطروحة رصينة وسط فوضى العمران.

·     التكامل الإجرائي (من الرؤية إلى الفكرة): إن الرؤية العظيمة لا قيمة لها إذا لم تتبلور في "فكرة" إجرائية تحل مشاكل الفراغ والمادة. الفصل بينهما قد يؤدي إلى إنتاج "معماريين فلاسفة" يفتقرون للحلول التطبيقية، أو "تقنيين" بلا روح. فالفكرة هي التي تُنزل الرؤية من سماء الفلسفة إلى أرض الواقع، محولةً المنهج الفكري إلى حلول معمارية ملموسة تعالج الفراغ وتطوع المادة لخدمة الإنسان.

الرؤية: ثلاثية الإنسان، والمكان، والزمان

الرؤية المعمارية الحقيقية ليست مثالية حالمة تتجاهل تعقيدات الواقع، بل تنبثق من فهم واقعي لثلاثية لا تنفصل:

1.      الإنسان: بصفته المحور والغاية، باحتياجاته المادية وسيكولوجيته التي تُهمل غالباً لصالح "صورة" المبنى.

2.   المكان: باستنطاق روحه (Genius Loci) واحترام إرثه، وبيئته بمفهومها الشامل الذي يتجاوز المركزية البشرية نحو استدامة وجودية حقيقية تضع الطبيعة والمناخ في كفة مكافئة للإنسان.

3.      الزمان: بالاستجابة لنداء الحاضر وتحدياته، مع الحفاظ على المرونة للمستقبل، دون التنكر للجذور.

حداثيون خلّدهم "الالتزام بالمنهج"

حين نستشهد بأسماء مثل لوكوربوزييه، فرانك لويد رايت، أو والتر غروبيوس، فنحن لا نسعى لتأليه "أصنام" معمارية أو تبني نتاجهم دون نقد، بل نستدعي المنهجية التي التزموا بها والتي دُرست في كلياتنا. المقصد هنا ليس تزكية كل ما قدموه، بل هو "الالتزام بأهمية الرؤية" في الممارسة المعمارية كأداة للخروج من تيه العشوائية:

·         لوكوربوزييه: قدّم رؤية وظيفية أعادت تعريف السكن.

·         رايت: توج رؤيته في "العمارة العضوية" لتنبثق المباني من بيئتها.

·         غروبيوس: ربط العمارة بالإنتاج الصناعي والوظيفية الشاملة.

إن السير في هذا المسار المنطقي هو الخطوة الأولى لكل من يبدأ خطواته في عالم العمران، ليس من باب التقليد، بل من باب امتلاك "الأدوات" التي تمنع الغرق في متاهات بلا هوية.

المعماري كمفكر ومسؤول

إننا نخاطب بيئة تعيش فوضى عمرانية عارمة، عمارة لا تستحق حتى مجرد الالتفات إليها لغياب جوهرها. ورغم إدراكنا بأن العمارة هي "فن الممكن" المحكوم بسطوة رأس المال والتشريعات والمطور العقاري، إلا أن ذلك لا يعفي المعماري من مسؤوليته الأخلاقية. في هذا السياق، يتحول المعماري الذي يتسلح برؤية من مجرد "حلقة في سلسلة تقنية" أو "رسام واجهات" إلى صانع حضارة ومسؤول شخصي عن كل أثر يتركه. التصميم هنا يصبح أداة للتعبير عن موقف أخلاقي من المكان والإنسان، ومحاولة واعية لفرض "الرؤية" وسط ضغوط الواقع الاقتصادي.

في النهاية، قد تتقادم المباني وتتآكل المواد، ولكن الرؤى الصادقة تظل حية، تنتشل واقعنا من التردي وتضع حجر الأساس لعمارة تليق بنا وبأجيالنا القادمة.

الفطرة السوية في مواجهة التعقيد الأكاديمي: نحو بصيرة إبداعية محررة

جمال الهمالي اللافي

لقد انحرف التعليم الأكاديمي المعاصر عن جادته، مخرجاً حقائق الأمور عن سياقها الفطري المشبع بالحكمة والاتصال الحي بالواقع، ليزج بشؤون حياتنا في أتون تعقيدات مفتعلة ألقت بظلالها القاتمة على كل المناحي؛ فلم تعد العمارة بيتاً للروح، ولا الفن مرآة للجمال، ولا الأدب نبضاً للحياة، كما استلبت السياسة والعقيدة من مقاصدهما العليا. إن هذا الاستلاب المعرفي ليس محض صدفة عابرة، بل هو ثمرة تبعية تعليمية عمياء لمناهج غربية تعيش هي ذاتها مأزق نقد الذات وصراع النظريات في معاقلها، فكيف بها حين تُستنسخ بآلية "التلقين التابع" في واقعنا المحلي، مفتقرة لأدنى أدوات النقد أو الملاءمة؟

ويكمن الفارق الجوهري بين هذا التعليم الأكاديمي وبين التعليم التقليدي الأصيل في "المنهج والغاية"؛ فبينما كان التعليم التقليدي في مجالات العمارة والحرف والعقيدة نظاماً انتقائياً طويل المدى، يُبنى على مراحل رصينة تبدأ بغرس الأخلاقيات وتأصيل قيم المهنة قبل ممارستها، ويتدرج في مراتب الإتقان وصولاً إلى "الإجازة" والاستاذية الحقيقية، نجد التعليم الأكاديمي المعاصر يفتح أبوابه للغث والسمين دون تقييم حقيقي. إن وجد التقييم في الأروقة الأكاديمية فهو سطحي ومجحف، يختزل المعرفة في امتحانات محددة الساعات ومقررات نظرية جامدة تفرض الالتزام بما جاء فيها، لتغلق باب التفكير الحر وتطرد كل من يعمل عقله، مخرجةً أجيالاً برعت في "التقاط التلقين" وفشلت في تمثّل قيم المجال أو الارتباط بواقع مجتمعها.

لقد تسبب هذا الاستيراد المعرفي في تسطيح المعنى، لا سيما في دولنا التابعة وفي مقدمتها ليبيا، ليتحول العلم إلى "وصفات جاهزة" لا تحيي فكراً ولا تميت جهلاً، بل تترك الإنسان في ارتباك وجودي وفصام نكد بين قاعات الدرس وبين نبض بيئته واحتياجات مجتمعه الحقيقية. وهكذا، غدت حياتنا تعج بمظاهر التمدن الأجوف لا وقائع الإنجاز، وتسلّم زمام التوجيه من يفتقرون للدراية والبصيرة؛ فغاب الصدق، واحتُجبت الأمانة، وتواري الإخلاص خلف جدران بيروقراطية تعليمية صلبة لا تقدس إلا الشهادة الورقية واللقب الخالي من المضمون والأثر الأخلاقي.

وفي مواجهة هذا الركام من الزيف، ينبثق الإبداع الحقيقي بوصفه ميزاناً أخلاقياً وجسراً للتحرر المعرفي؛ فهو يتجاوز مجرد "الفعل" إلى "بصيرة الفعل"، حيث يدرك المبدع متى يكون الوقوف إجلالاً وتأملاً في الشواهد القائمة النابعة من صميم الأرض واجباً، ومتى تكون الحركة لإضافة لبنة تتصل بحبل التاريخ دون انقطاع ضرورة. إن الإبداع هنا هو شجاعة الإقرار بأن في عمقنا الحضاري نماذج متكاملة تستوجب الصون من طمس "التحديث الأكاديمي" المشوه، وهو في الوقت ذاته جسارة التدخل لتعديل القائم، شريطة الوعي العميق بجدوى التغيير ومكانه وأسبابه.

إن هذا القرار الإبداعي ليس انطباعاً ذاتياً عابراً، بل هو التزام بمرجعيات صلبة قوامها: الملاءمة المناخية، والاتزان الاقتصادي، وتلبية الاحتياجات النفسية والتطلعات الاجتماعية لبيئتنا، وصولاً إلى استدامة تحقق الراحة والكفاءة في قالب من البساطة الثرية التي تصون الهوية الليبية وتبرز فرادتها.

إن الرابحين الحقيقيين في هذا الرهان الحضاري هم أولئك الذين استمسكوا بنقاء الفطرة في تفاصيل حياتهم اليومية، وحصّنوا وعيهم من تشوهات التعليم الأكاديمي المفتعل، موقنين بأن قيمة أي أثر إنساني لا تكمن في تعقيده التقني أو ملاحقته لنظريات الغرب المأزومة، بل في مدى صدق انتمائه لجوهر الحياة ووفائه للأرض التي نبت منها.

الخميس، أبريل 02، 2026

العمارة كمنهج: رؤية في فلسفة البناء والانتماء

 

جمال الهمالي اللافي

إن فهم العمارة والتعاطي معها يتجاوز حدود الرسم التقني؛ إنه تجسيد لمعالجة ذهنية عميقة يحول فيها المعماري رؤاه وقناعاته إلى ثوابت مكتوبة، تلخص استيعابه لنظريات العمران وتحليلاته للمشاريع، مستمداً ذلك من مصادر المعرفة الإنسانية المتعددة.

فلسفة العلاقة: الإنسان والمكان

منذ بدايات مساري التصميمي، ركزت على البحث في العلاقة الفلسفية بين الإنسان وحيزه المكاني. لم تكن الغاية يوماً هي التعامل مع الكتل المعمارية كعمليات "نحت ولصق" أو التورط في زخارف ذاتية تهدف فقط للهروب من تهمة التقليد أو السعي وراء صرعات التجديد. إن العمارة الرصينة هي تلك التي تستوعب المعطيات الاجتماعية، والبيئية، والتقنية، والجمالية ككتلة واحدة لا تتجزأ.

المبادئ الأربعة للممارسة المعمارية الواعية

أعمل وفق منهجية انتقائية نقدية تقوم على أربعة محاور أساسية تضمن استمرارية الهوية وكفاءة الأداء:

1.   الاستبقاء الواعي: الحفاظ على العناصر المعمارية والحلول التي أثبتت ملاءمتها للمطلب الاجتماعي والظرف البيئي عبر الزمن، واعتبارها ركيزة للأصالة.

2.   التطوير المتكيف: تعديل الحلول التقليدية بما يتناسب مع المستجدات الاجتماعية ويرفع من الكفاءة البيئية، لضمان ممارسة معمارية حية وغير جامدة.

3.   التجاوز النقدي: إلغاء كل ما ثبت قصوره عن تلبية الاحتياجات الاجتماعية أو عدم ملاءمته للظروف المناخية والتقنية الحديثة، فالعمارة فعل شجاع يتخلى عن الزائد وغير النافع.

4.   الاستثمار النوعي: استثمار الابتكارات الحديثة في مواد البناء والتقنيات البيئية لتعزيز رفاهية المستخدم، مع ضمان عدم ذوبان الهوية الثقافية في قوالب العولمة الجاهزة.

إن هذا المنهج ليس مجرد اجتهاد نظري، بل هو التزام مهني يدرك مآلات كل خط يُرسم وكل لبنة توضع، سعياً نحو عمارة تخدم الإنسان وتحترم المكان.

الأربعاء، أبريل 01، 2026

المبدع والمبتدع في العمارة: رؤية منهجية وقيمية في صراع الهوية

 

جمال الهمالي اللافي

في ظل صراع الهويات المعاصر، لم تعد العمارة مجرد تشكيل للفراغ أو ترفاً هندسياً، بل أضحت ثغراً من ثغور الأمة، يتقرر من خلاله مصير الانتماء أو الذوبان. ومن هنا يبرز الفارق الجوهري بين "المبدع" الذي يعي أمانة الاستخلاف، و"المبتدع" الذي سقط في فخ الاستلاب الثقافي.

أولاً: المُبدع (المرابط في ثغر الأصالة)

المبدع هو المهندس المفكر المرتبط بجذوره، الذي يتواصل مع موروثه لا كآثار جامدة، بل كروح حية وقيم متصلة. يدرسه، يتفحصه، ويطرح تساؤلات منهجية تمس صميم الهوية ليكون رده على الواقع رداً واعيًا:

·     الوعي بالتاريخ والنشأة:  يطرح المبدع سؤال: "لِمَ هو كذلك؟ وما هي المؤثرات التي شكلت صورته النهائية؟". ومن هنا يفرز بعناية بين "المخلفات" و"المنجز". فيدرك أن مخلفات حقب الاحتلال (كالرومانية والإيطالية) هي وقائع زمنية لا تشكل مرجعاً عقدياً، بينما يثمن المنجز المحلي الأصيل – كالعمارة في العهد العثماني بليبيا – التي كانت نتاجاً لرؤية محلية استوعبت روح المكان وعقيدة أهله.

·     جدلية التفرد والاستفادة: يتساءل: "ما أوجه الاختلاف عن الحضارات الأخرى؟ وما الذي يمكنني استخلاصه؟". فهو لا يقلد، بل يستخلص القيم التي يمكن استثمارها وإعادة توظيفها، مع تجاهل مكامن القصور التي لا تناسب عصرنا.

·     قرار القطيعة والاستمرارية:  يطرح سؤالاً سيادياً: "من يمتلك الحق في القطيعة مع الموروث؟ وعلى أي أساس؟". المبدع يرفض القرارات المستعجلة التي تطلب "راحة البال" من مسؤولية الالتزام تجاه الهوية، أو الانسياق وراء هيمنة خارجية.

·     الدور الطليعي في الحاضر والمستقبل:  بناءً على إجاباته، يمارس المبدع دوره كـ "مرابط" في ثغر الوطن؛ فيحلل الحاضر من منظور معطيات الواقع واحتياجات المجتمع الروحية والمادية، ويحترم التنوع العمراني. هو يعمل للمستقبل ليعالج المُشكل، ويُرمم ما تهدم من قيم المجتمع قبل المعمار، مؤمناً أن للعمارة قوة تأثير على القيم الأخلاقية والسلوكية والنفسية، ولا يجوز له الاستكانة في أداء هذا الواجب.

ثانياً: المُبتدع (المغترب في سياج الاستلاب)

على النقيض تماماً، يبرز المبتدع كنموذج للاستلاب الثقافي والانسلاخ عن الواقع، وهو الذي اتخذ موقف التغريب منهجاً وهدفاً، مفرطاً في التساؤل والتمحيص:

·     الانسلاخ والعداء:  هو المفتون بمناهج دراسية صُممت لواقع غير واقعه، يكتفي بها دون مراجعة أو بحث في مآلات هذا التغريب عليه وعلى مجتمعه. اتخذ – عن جهل وقصور في الإدراك – موقف المعادي لموروثه، مفرطاً في أمانة الحفاظ على مقومات الهوية وعوامل النهضة.

·     الوهم والتقليد:  يعيش المبتدع في قوقعة الأوهام، يلهث وراء كل صرعة دخيلة ظناً منه أن "المخالفة" هي التميز. هو تائه، هائم في سراب الثقافات الدخيلة، يقلدها دون تبصّر في العواقب الوخيمة لهذا الانسلاخ على تماسك المجتمع وأمنه الثقافي.

·     الهروب من المسؤولية:  عندما يعجز عن إيجاد حلول تلائم هوية مجتمعه، يتبجح بنسبة القصور إلى "الموروث المعماري" تبريراً لعجزه، متدثراً بالأهواء، ومنكفئاً على حصيلة جهله بالقشور الظاهرية للعصرنة.

ثالثاً: العمارة كقرار سيادي وقيمي

إن صراع الهوية لا يترك مجالاً للمداهنة. فالمعماري "المبدع" هو الذي يفهم أسباب الاختلاف ودوافعه المنطقية ويصلح المتعطل، أما "المبتدع" فهو الذي يهرب من مسؤولية الالتزام تجاه هذا الموروث طلباً للسهولة أو تبعيةً للمؤثرات الخارجية.

الخلاصة

إن العمارة موقف منهجي وقيمي وطلائعي قبل أن تكون مهنة تقنية. فإما عمارة "مبدعة" تنطلق من تساؤلات وجودية لترميم قيم المجتمع وبنيانه، وإما عمارة "مبتدعة" تكرس الاغتراب وتعمق التيه الثقافي. والخيار هنا هو قرار بالبقاء في دائرة الحضارة والاعتزاز بالعقيدة أو الذوبان في الآخر.

الاثنين، مارس 30، 2026

الممارسة الميدانية كشرط أصيل لتعليم العمارة

 

جمال الهمالي اللافي 

               امتداداً لدعوتنا السابقة نحو "إعادة الاعتبار لروح العمارة في ليبيا"، وتأكيداً على أن صناعة المعماري الشامل -الذي يستعيد روح أسطى البناء- لا تتحقق إلا عبر مسار تعليمي تراكمي يدمج الفكر بالتنفيذ؛ نجد أنفسنا أمام استحقاق تفصيلي يلامس جوهر هذا التأهيل الأكاديمي. ففي ظل الأزمة البنيوية التي يعيشها التعليم والممارسة المعمارية المعاصرة -لا سيما في البيئات التي تعاني من جمود إداري ونفعية ضيقة- تبرز الحاجة إلى "ثورة فكرية" تعيد الاعتبار لعنصر الزمن في صياغة القناعات المعمارية. إن الإشكالية لا تكمن في "نقص المعلومات"، بل في "سرعة استهلاكها" التي تحول دون تحولها إلى بصيرة.

1.      معضلة "التعليم المتسارع" والاغتراب المهني

يعاني النظام الأكاديمي الحالي من مأزق "التلقين الكمي"؛ حيث يُدفع الطالب دفعاً نحو مخرجات بصرية براقة تفتقر إلى العمق الإنشائي أو الفلسفي. هذا النظام أفرز جيلاً يقدس "السرعة" و"العمل الفردي" و"المكسب المادي الفوري"، مما خلق هوة سحيقة بين المعماري وبين سياقه المحلي، وأدى إلى محاربة التجارب التأصيلية التي رأت فيها المؤسسات البيروقراطية تهديداً لنمطها الاستهلاكي.

2.      الحلول الاستراتيجية: نموذج "الممارسة المبكرة" و"البناء الفعلي"

للمضي قدماً، يتوجب التفكير في نماذج تتجاوز الأكاديميا التقليدية، وتستلهم تجارب عالمية ناجحة أثبتت أن العمارة تُتعلم باليد قبل العقل:

·     أ. التلمذة المبكرة (نموذج "الأستاذ والناشئ"): العودة إلى جذور "التعليم الحرفي" من خلال دمج الناشئة (سن 12-13 عاماً) في مسارات تعليمية موازية. في هذا السن، يكون "الهضم البطيء" ممكناً لأن الطالب غير محكوم بضغوط السوق.

§     تجربة ملهمة:  مدرسة "الباوهاوس" (Bauhaus) في بداياتها، التي دمجت بين ورش الحرف والتصميم الفلسفي، مؤكدة أن المعمار لا ينفصل عن الحرفي.

·     ب. المختبر الميداني (نموذج "البناء الحي)": إحلال "مواقع التنفيذ الفعلي" محل "المراسم النظرية". إن العمارة لا تُفهم بالرسم فقط، بل بمواجهة المادة (الحجر، الطين، الخرسانة.(

§     تجربة ملهمة:  جامعة مالطا؛ حيث يقوم طلاب العمارة بتنفيذ مبانٍ سكنية حقيقية بجميع مراحلها. هذا التماس المباشر يزرع "أخلاقيات المسؤولية" ويجبر الطالب على "تقييم مرجعيته" أمام تحديات الواقع.

§     تجربة ملهمة أخرى:  برنامج "Rural Studio" في جامعة أوبورن الأمريكية، حيث يقطن الطلاب في مجتمعات محلية ويقومون ببناء مشاريع حقيقية بموارد محدودة، مما يكرس مفهوم "العمارة كخدمة اجتماعية" لا كسلعة.

3.      من "التجزئة المساقية" إلى "الوعي الشمولي الممتد"

يكمن الحل الجذري في تفكيك بنية "الفصل الدراسي المغلق" وإحلال منهجية "الاسترجاع الارتدادي" مكانها. إن التعليم المعماري الراهن يرتكب خطأً فادحاً بفصل أنواع المباني (سكنية، خدمية، عامة) عن سياقها الحضري وتخطيط المدن، مما يحول المعرفة إلى جزر معزولة تنتهي صلاحيتها بانتهاء التقييم اللحظي.

تعتمد هذه المنهجية المقترحة على تشريع "فترات ركود إيجابي" أو مساحات صمت بين المساقات، تهدف إلى إعادة قراءة المشاريع البسيطة (كالمبنى السكني) بعيون المشاريع الأكثر تعقيداً (كتخطيط المدن وتنسيق المواقع). إن هذا "التناص المعماري" داخل عقل الطالب يسمح للفكرة بأن "تختمر" عبر مستويات متباينة من النضج؛ فما كان يراه الطالب "جداراً" في السنة الأولى، يراه "عنصراً مشكلاً للفضاء الحضري" في السنة الرابعة. هذا المسار يضمن استيعاب كافة الأنماط المعمارية والخدمية ليس كواجبات منفصلة، بل كأجزاء من رؤية كلية لا تتجزأ، وبما يحقق وحدة عضوية في الفكر والتطبيق.

خاتمة: استقلالية الفكر المعماري

إن المقاومة الحقيقية للجمود الإداري تكمن في بناء "نواة صلبة" من المعماريين المفكرين الذين يرفضون الابتذال. حتى في غياب المشاريع الفعلية، يظل "التوثيق النقدي" و"الدراسات الفراغية المعمقة" سلاحاً فكرياً يتجاوز المؤسسة الرسمية ليخاطب وجدان المدينة.

إن العمارة الأصيلة هي التي لا تستعجل النتائج، بل تنتظر اللحظة التي تلتقي فيها "القناعة الراسخة" مع "الفرصة المواتية" لبناء صرح يحترم الزمان والمكان، ويصمد أمام عوادي الزمن وضجيج العابرين.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...