جمال الهمالي اللافي
في مرحلة
الدراسة بقسم العمارة، جرت عادة طلبة مشاريع التخرج على مطالبة المشرفين بتأجيل
مواعيد المناقشات، أملاً في الوصول إلى الكمال التصميمي، وكان هذا المطلب يتكرر
مراراً.
أحد
المشرفين لخّص حقيقة الأمر بحكمة حين قال: "لن تحل هذه التأجيلات معضلتكم ولو
تكررت ألف مرة. فالمشاريع المعمارية، بطبيعتها، تأبى الاكتمال في صيغة نهائية ترضي
شغف المصمم بالكامل. هي دائماً مساحة مشرعة لاكتشاف قصور وظيفي في ركن ما، أو
انبثاق رؤية جمالية جديدة لزاوية أخرى. بل قد يصل الأمر بالمعماري إلى إعادة صياغة
الكتلة والفراغ من الصفر، إثر ومضة إبداعية تقلب موازين المخططات الابتدائية رأساً
على عقب، ليبدأ رحلة التصميم من جديد. لذلك، يصبح الحسم في مواعيد التسليم ضرورة
منهجية لكبح جماح العقل عن توليد أفكار لا متناهية، حتى لو امتد زمن المشروع لعقود".
مرت
السنوات، واختمرت هذه الحكمة في عقلي مع توالي التجارب والاحتكاك الفعلي
بالمشاريع، لأدرك أبعادها الحقيقية. وقد تجلى لي هذا المعنى بوضوح مؤخراً، حين عدت
إلى أحد مشاريعي القديمة الذي أخرجته من أرشيفي بعد أن أغلقت عليه لسنوات. كنت أظن
حينها أنني بلغت فيه ذروة النضج التصميمي واستنفدت كافة المعالجات المعمارية
الممكنة. عدت لتأمل المساقط والواجهات بنظرة فاحصة، محاولاً استذكار ما حققته من
تكامل في العلاقات الفراغية، وانسيابية في مسارات الحركة، ودقة في التفاصيل
التنفيذية. غير أنني اكتشفت، مفاجَأً، آفاقاً جديدة للتطوير.
توالت
التعديلات والتدخلات المعمارية، حيث حرصت على الحفاظ على التشكيل الأساسي لكتلة
الواجهة وهويتها. ورغم تجاوزي المحدود للمساحة المبنية تلبية لمتطلبات وظيفية
مستجدة، فقد أعدت دراسة وتوزيع الفراغات الداخلية، وطوّرت المعالجات البصرية
والبيئية لباقي الواجهات.
خرجت
بنتيجة أسعدتني اليوم، وربما تمثل نسخة أكثر نضجاً؛ ذلك النضج المتمثل في تقبل
فكرة أن التصميم كائن حي يتطور ولا يموت. لكني على يقين تام أن هذا الرضا مؤقت،
وأن قناعتي ستهتز مجدداً لو أعدت تقييم هذا التصميم بعد بضع سنوات أخرى.
وهذا ما
يرسخ حقيقة أن العمارة ليست مجرد منتج نهائي، بل هي تراكم معرفي دائم، يبني على ما
سبقه ويتجاوزه في سيرورة ديناميكية لا تتوقف من توليد الأفكار، وابتكار الحلول
الفراغية، وتطوير المعالجات الجمالية والتقنية.
وتجسيداً
لهذه الرحلة المستمرة، فإن الصورة المرفقة للمشروع ذاته قد تبدو للوهلة
الأولى متطابقة، لكنها في الواقع تختزل رحلة من التطور وتختلفان في أبعاد
الكتلة المعمارية ونسبها. فخلف هذه الواجهات، استُثمر هذا التمدد المدروس في إعادة
صياغة الفراغات الداخلية وتطويرها وظيفياً؛ لترتقي بجودة الفراغ المعماري، وتوفر
مساحات حيوية تثري تجربة العيش وتجمع بين الرحابة وأقصى درجات الراحة والسكينة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق