جمال الهمالي اللافي
تداول
الكثيرون مؤخراً منشوراً لفنان تشكيلي مبدع يقوم برسم جدارية على أحد جدران
مدينتنا القديمة، مع دعوة لزملائه الفنانين للمشاركة. ورغم احترامي الشديد للفن
التشكيلي والنوايا الطيبة لتجميل المدينة، إلا أنني، وبصفتي معمارياً غيوراً على
تراثنا، أجد لزاماً عليّ أن أسجل اعتراضي الواضح على هذا التوجه، وأود هنا أن أوضح
"لماذا".
لكل فن
سياقه، ولو عدنا لجذور "فن الجداريات"
(Muralism) أو فن الشارع، سنجد أنه نشأ تاريخياً كحركة
تمرد وتعبير بصري لبعث الحياة في المساحات الحضرية المهملة، وتجميل الجدران
الإسمنتية الصماء، وإضافة الهوية للمناطق الصناعية الباردة التي تفتقر للروح. في
تلك الأماكن، يكون الفن الجداري تدخلاً عبقرياً يحول القبح إلى جمال.
ولكن، هل المدينة القديمة
مساحة إسمنتية صماء تفتقر للروح؟
بالتأكيد
لا. المدينة القديمة ليست "لوحة قماشية بيضاء" نتظر من يلونها. إنها عمل فني معماري مكتمل بحد ذاته. كل حجر، كل قوس،
كل تقشر في طلاء جدرانها العتيقة، وكل زقاق فيها يروي قصة مئات بل آلاف السنين من
التاريخ والذاكرة الحضرية. النسيج العمراني للمدينة القديمة بطبيعته الحجرية
وألوانه البيضاء الأصلية هو هويتها البصرية التي لا تقدر بثمن.
إن الرسم
على هذه الجدران التاريخية، مهما كان الرسم جميلاً أو متقناً، هو في لغة العمارة
والتراث "طمس" و"تشويه" لهذه الهوية. تخيلوا أن يقوم شخص برسم
لوحة حديثة بألوان زاهية فوق تمثال روماني أو جدار أثري بحجة تجميله! هذا بالضبط
ما يحدث لجدراننا العتيقة.
رسالتي
ودعوتي الصادقة لإخوتي وأصدقائي من الفنانين التشكيليين: نحن بحاجة ماسة لإبداعكم
ولريشكم وألوانكم. مدينتنا الحديثة وشوارعها مليئة بالجدران الخرسانية الكئيبة،
والمساحات الميتة، والساحات العامة التي تتوق للمساتكم السحرية لتبث فيها الحياة.
وجهوا طاقاتكم ومواهبكم إلى هناك، وسنكون أول الداعمين لكم.
أما
المدينة القديمة، فدوعها تتنفس بتاريخها. حمايتها والحفاظ على أصالتها ليس ضد
الفن، بل هو أسمى درجات التذوق الفني والمعماري.
#المدينة_القديمة
#تراثنا_هويتنا #عمارة #فن_الجداريات

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق