أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يوليو 03، 2026

تقييم الكفاءة في العمارة: جدلية الشهادة والخبرة وشواهد الإنتاج


جمال الهمالي اللافي

لقد أضحى تقييم الأحقية في الممارسة المعمارية، سواء النظرية أو العملية أو الخبرة المهنية، يعتمد بشكل شبه كلي على حيازة الشهادات الأكاديمية. هذا التوجه يثير تساؤلات جدية حول القيمة الحقيقية لحامل الشهادة في مجال الممارسة وكفاءة أدائه المهني الفعلي، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلاً أكثر عمقاً: هل يستحق المعماري المبدع منحه شهادة الاعتراف المهني والأكاديمي (التي تعادل الدرجات العليا) استناداً إلى خبرته الطويلة وشواهد إنتاجه المعماري المتميز كمسار موازٍ يعادل مسار الأبحاث النظرية والأكاديمية؟

يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما تُمنح الدرجات التأهيلية بناءً على مدة الحصول على الشهادة، لا على الأداء المهني، مما يؤدي إلى تصنيفات واهية مثل "معماري استشاري" أو "معماري رأي" استنادًا إلى عدد سنوات التخرج فقط.

رافدا العمارة: التنظير العميق والمنجز الرصين

إن الدعوة لمراجعة معايير التقييم لا تعني بأي حال من الأحوال التقليل من شأن البحث العلمي، بل تهدف إلى إرساء قاعدة التقدير لمن يثري مجال العمارة بحق، سواء كان ذلك عبر المنجزات البحثية أو الشواهد المعمارية. فالباحث الذي يقدم دراسات معمقة ونظريات جديدة تسهم في إثراء مسار العمارة، يجب أن يُعترف به ضمن إطار المجال بصفته "باحثاً معمارياً" تُدرس نظرياته وبحوثه ضمن المناهج، ويُستدعى لإلقاء المحاضرات الأكاديمية بصفته تلك؛ ليس كدخيل أو متطفل على المهنة، بل كأحد روافدها الأصيلة. ومثله في ذلك تماماً، المعماري صاحب المنجزات والشواهد المبنية. كلاهما يمثلان رافدين يغذيان نهر العمارة ولا غنى لأحدهما عن الآخر.

تأثير هذا التوجه على التعليم والممارسة

إن الاعتماد المفرط والشكلي على الشهادات يخلق دافعًا خطيرًا نحو "التهافت" على الحصول عليها، مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم وممارسة المهنة في مجال العمارة. من أبرز تجليات هذا التهافت:

  • فصل الخبرة عن التدريس: يصبح غير مسموح لحاملي درجة البكالوريوس بالتدريس في كليات وأقسام العمارة، بغض النظر عن عمق خبرتهم وكفاءتهم المهنية. هذا يحرم الأجيال الجديدة من فرصة الاستفادة من الخبرات العملية الثمينة التي لا يمكن للشهادات وحدها أن توفرها.
  • التركيز على الشهادة لا المحتوى: يمنح حق التدريس حصريًا لحاملي الماجستير والدكتوراه، بمعزل عن طبيعة أو عمق الرسالة العلمية المقدمة. فإذا كانت الرسالة تدور حول استخدام برنامج رسم معماري أو حتى مواضيع لا تمت بصلة مباشرة لجوهر الممارسة المعمارية، فإنها تمنح صاحبها أحقية التدريس في أي مادة دون قيود. هذا يقلل من قيمة المحتوى العلمي والبحثي الحقيقي ويفضل الشكل على الجوهر.
  • ابتذال اللقب المهني وانفصاله عن الواقع: تمنح كليات العمارة وأقسامها إجازة الاعتراف المهني بمجرد اجتياز المقررات الدراسية - وبدرجات متفاوتة من المقبول إلى الممتاز - دون أي اعتبار لمسار الخريجين العملي اللاحق، أو مدى تفوقهم على أرض الواقع، بل ودون التثبت إن كانوا قد مارسوا العمارة فعلاً أم هجروها. ومن المفارقات الصارخة في هذا السياق، أن نجد خريجاً انقطع عن العمارة كلياً وانصرف إلى مجالات تجارية بعيدة تماماً مثل قطاع الاستيراد والتصدير أو إدارة المشاريع الاستهلاكية كالمطاعم والمقاهي، ولكنه يظل محتفظاً بلقبه وصلاحياته كمهندس معماري مستنداً إلى "الورقة الأكاديمية" فقط.
  • تصورات خاطئة عن الذكاء والكفاءة: في بعض المجتمعات، تتحول هذه الشهادات إلى "أوسمة" تخلع على حامليها هالة من "الذكاء الخارق" و"البراعة الفائقة في الممارسة المهنية"، حتى وإن كانت طريقة الحصول عليها موضع تساؤل. الأمر يصل إلى حد منح هذه الدرجات لمن يمتلك نفوذًا، مما يرسخ تصورًا خاطئًا بأن اللقب يغني عن الجد والاجتهاد والتحصيل العلمي الحقيقي.

العوائق أمام المبدعين: معضلة الإقصاء المزدوج

في المقابل، يقف المجتمع، وقبله جهات الاختصاص، كحجر عثرة أمام المبدعين في مجال الهندسة المعمارية، والذين قد لا يملكون تلك "الشهادات الورقية" لكنهم يمتلكون موهبة وخبرة وكفاءة عملية فذة. هذا التناقض يؤدي إلى:

  • الإقصاء المزدوج للمعماري المحلي: يعاني المعماري الممارس في بيئاتنا المحلية من طوق خانق ثنائي الأبعاد؛ فهو يواجه أولاً إقصاءً مهنياً وسيادياً على مستوى السياسات العامة للدولة التي تحتكر وتسند المشاريع الكبرى والتطويرية للشركات الأجنبية، ويواجه ثانياً إقصاءً أكاديمياً بيروقراطياً يشترط لنيل الاعتراف الأكاديمي والدرجات العليا إما شهادات ورقية تقليدية، أو سيرة ذاتية حافلة بمشاريع كبرى ومؤسسية لا سبيل للمعماري المحلي للوصول إليها أصلاً بفعل ذلك الاحتكار الخارجي الممتد لعقود.
  • إقصاء الكفاءات الحقيقية: كثير من المبدعين الذين يمتلكون حسًا معماريًا فريدًا وخبرة عملية واسعة يجدون أنفسهم مهمشين أو غير معترف بهم رسميًا لعدم حيازتهم للدرجات الأكاديمية العليا، حتى وإن تعثر مسارهم الأكاديمي لظروف خارجة عن إرادتهم.
  • تكريس البيروقراطية على حساب الإبداع: يصبح النظام بيروقراطيًا بحتًا، حيث الأوراق والمؤهلات الشكلية تتفوق على الإبداع والابتكار والقدرة الفعلية على الإنجاز.
  • فقدان الثقة بالمنظومة: عندما يرى الناس أن الشهادات تمنح بمعزل عن الكفاءة الحقيقية، تتزعزع ثقتهم بالمنظومة التعليمية والمهنية برمتها.

شواهد تاريخية: العبقرية تتجاوز قاعات الدرس

ولنا في التاريخ المعماري شواهد حية وموثقة تؤكد هذا الطرح. فالمعمار السويسري-الفرنسي لو كوربوزييه، الذي يُعد أحد أهم رواد العمارة الحديثة في القرن العشرين، لم يتلق تعليماً أكاديمياً رسمياً في الهندسة المعمارية، بل صقل موهبته عبر السفر والممارسة العملية والعمل في الورش. وكذلك الحال مع المعماري الياباني الفذ تاداو أندو، الحائز على جائزة "بريتزكر" والتي تعادل نوبل في العمارة، والذي علم نفسه العمارة ذاتياً دون الجلوس على مقاعد الجامعات. ولا يمكننا إغفال فرانك لويد رايت الذي لم يكمل دراسته الأكاديمية، ورغم ذلك صُنف كأعظم معماري أمريكي.

هؤلاء العمالقة لم يحتاجوا إلى "شهادات ورقية" ليثبتوا كفاءتهم، بل كانت منجزاتهم ومبانيهم هي درجاتهم العلمية العليا التي فرضت احترامهم على العالم أجمع، وعلى الأوساط الأكاديمية ذاتها التي باتت تدرّس أعمالهم اليوم كمسلمات ونظريات.

المبنى كـ "أطروحة": شواهد الإنتاج كمعادل أكاديمي ومهني

إن الإجحاف الأكبر يتمثل في عدم الاعتراف بأن "المنجز المعماري" بحد ذاته هو بحث علمي وتطبيقي متكامل، وهو ما يُعرف في فلسفة العمارة بـ "التكتونيك"؛ أي تبلور الفكرة الفلسفية والنظرية في مادة ملموسة. فالأصالة الفكرية والإبداعية لا تُقاس بضخامة المبنى أو ضخامة ميزانيته، بل بعمق الحلول البيئية والإنشائية والاجتماعية التي يقدمها المعماري.

وفي سياق محلي تُقصى فيه الكفاءات الوطنية عن المشاريع السيادية الكبرى، تبرز "المشاريع الفردية والصغرى" (كالبيت الخاص والمبنى التجاري المحدود) كمختبرات حقيقية للأفكار، تماماً كما كانت فيلا سافوي للوكوربوزييه أو بيت الشلال لرايت. ألا يعادل هذا الجهد، بل ويتفوق أحياناً، على رسالة ماجستير أو دكتوراه نظرية تُحفظ على رفوف المكتبات؟

إن شواهد الإنتاج المعماري الرصينة، حتى وإن انحصرت في فضاء المشاريع الفردية المتاحة للمعماري الممارس، يجب أن تُعامل كـ "أطروحات دكتوراه مبنية". وميزة هذه الشواهد الفردية الصغرى أنها تقدم دليلاً قاطعاً لا لبس فيه على أصالة الملكية الفكرية والبصمة التصميمية الأولى للمعماري المبدع، دون أن يضيع صوته أو يُهضم جهده خلف كواليس العمل الجماعي للشركات الكبرى.

نحو حلول بناءة

لمعالجة هذه الإشكالية، ولإعطاء المبدعين حقهم المستحق سواء كانوا باحثين أو ممارسين، يمكن اقتراح بعض الحلول المنهجية التي تهدف إلى تحقيق توازن بين المعايير الأكاديمية والخبرة العملية:

  1. استحداث مسار "الاعتراف بالخبرة وشواهد الإنتاج : يجب على الهيئات المهنية والجامعات وضع أطر قانونية تتيح منح درجات أكاديمية ومهنية عليا للمعماريين استناداً إلى "ملف أعمالهم وشواهد إنتاجهم المعماري المتميزة، واعتبار مشاريعهم المنفذة بمثابة أطروحات علمية مجازة. على أن تُشكل لجان تقييم مشتركة تضم أكاديميين ونقاداً معماريين ممارسين مستقلين لضمان قراءة الفكر الكامن وراء المبنى، مع مراعاة طبيعة الممارسة المحلية وألا ترهن هذه اللجان تقييمها بحجم وضخامة المشاريع المنجزة، بل بالقيمة الفلسفية والتصميمية والأصالة الفكرية المتضمنة فيها.
  2. إعادة تقييم معايير التدريس:  يجب أن تركز معايير أهلية التدريس في أقسام العمارة على مزيج من المؤهلات الأكاديمية والخبرة المهنية الموثقة. يمكن إنشاء مسارات مختلفة للأساتذة الممارسين الذين يتمتعون بخبرة عملية واسعة ومساهمات بارزة، وكذلك للباحثين أصحاب النظريات العميقة.
  3. تطوير برامج تقييم الكفاءة المهنية:  بدلاً من الاعتماد الكلي على سنوات التخرج، يجب تطوير آليات لتقييم الكفاءة المهنية الفعلية للمعماريين، مثل اختبارات الكفاءة، تقييم المشاريع المنجزة، والمقابلات مع لجان خبراء مستقلة.
  4. إعادة النظر في محتوى الرسائل العلمية:  يجب توجيه رسائل الماجستير والدكتوراه نحو مواضيع ذات صلة مباشرة بالممارسة المعمارية والتحديات المعاصرة، لتكون رافداً حقيقياً للمهنة، بدلاً من التركيز على قشور أو مواضيع لا تخدم جوهر العمارة.
  5. تعزيز الشراكة بين الأوساط الأكاديمية والمهنية : يجب تشجيع التعاون الوثيق بين الجامعات والنقابات المهنية ومكاتب العمارة لضمان أن المناهج التعليمية تتماشى مع متطلبات سوق العمل وأن الخبرات العملية والنظرية يتم دمجها معاً.
  6. التوعية بأهمية التوازن:  نشر الوعي في المجتمع بأهمية التوازن بين التحصيل العلمي والخبرة العملية الحقيقية، والتشديد على أن الشهادة هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.

إن معالجة هذه القضية تتطلب جهدًا جماعيًا من الجهات الأكاديمية والمهنية والمجتمع ككل. فالمهم هو بناء جيل من المعماريين القادرين على الإبداع والابتكار وتقديم قيمة حقيقية للمجتمع، لا مجرد حاملي ألقاب تفتقر لشواهد الإبداع الحقيقي بنوعيه؛ النظري والعملي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...