أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، يوليو 21، 2026

من الفردية المقيتة إلى التأسيس الحضاري: قراءة في أزمة الواقع ومنافذ النهوض

 

جمال الهمالي اللافي

يتكشف واقعنا اليوم عن حالة شخوص واغتراب لم تكن لتتشكل لولا هذا التفرّق الذي ضرب أطنابه في مختلف مناحي حياتنا. لقد هيمنت "الفردية المقيتة"- تلك التي تتغذى على الأنانية المفرطة وإيثار الذات الضيق على حساب مصلحة الجماعة والوطن- حتى بسطت سطوتها على بيئات العمل والمجال المهني. وإن الأخطر في هذه الفردية ليس كونها مجرد سلوك أناني عابر، بل لأنها قتلت في مهدها كل محاولات التأصيل والتأسيس لمشروع حضاري جماعي يُفترض أن يُشكل مدارس فكرية وبنيوية ليبية في مختلف المجالات الإبداعية؛ ما جعل كافة المخرجات مجرد اجتهادات فردية معزولة، تفتقر إلى تراكم المعرفة ولا ترتقي لمستوى البناء الحضاري ذي المفاهيم الراسخة والهوية المحلية المستقلة التي تفرض احترامها على العالم.

ولا تتوقف مظاهر هذه الأزمة عند حدود العطاء المهني والحضاري، بل تتعداها إلى بنية العلاقات الإنسانية والاجتماعية نفسها؛ إذ يفيض واقعنا اليوم بابتسامات زائفة ومجاملات شكليّة لا تتعدى حدود السطح ولا تنفذ إلى تعميق التواصل الفعلي. وحتى في الحالات النادرة التي نرى فيها محبين يجمعهما صفاء النية، نجد أن هذا الصفاء مرتهن بشرطٍ حذر: أن يعمل كل طرف بمعزل عن الآخر، فلا يتدخل هذا في شؤون ذاك، ولا يتجاوز أحدهما الحدود المرسومة للآخر. إنها محبة هشة، منبعها تقبّل صامت لفكرة "الاستقلالية المقيتة"؛ استقلالية تنكفئ على الذات، وترفض النقد والتوجيه بوصفهما وصاية أو عداءً، فاستحالت حالةً لا تنتج فكراً ولا تبني مجتمعاً، بقدر ما تُخدر الوعي وتُكرّس لنوعٍ من التخلف المزخرف بكتل وألوان ونصوص أدبية ونقدية مبهرة، أسهمت في استئصال المشروع الحضاري الوطني.

    إن الخروج من هذه الشرنقة يقتضي أولاً أن نتوقف عن ممارسة "جلد الذات"، وعن الوقوع في فخ المقارنة الاختزالية بين واقعنا اليوم وواقعنا بالأمس البعيد والأمس القريب، والتعاطي مع مجتمعات الماضي وكأن حياتهم كانت مثالية خالية من القشور أو القصور أو الكدر. إن اجترار خرافة "كيف كانوا وما نحن عليه" لا يورث إلا العجز والحرقة ومزيداً من التشرذم والفرقة. وبدلاً من الاستغراق في النكوص التاريخي، يجدر بنا أن ننطلق مما نملكه اليوم بالفعل من مقومات تنموية وإمكانات حقيقية وعلى رأسها الطاقات البشرية المبدعة، لنصنع واقعاً أفضل ينير ظلمة الحاضر. وعندها فقط- وحين نتحول من الفردية المنكفئة على ذاتها إلى الفعل الجماعي المثمر- يمكننا القول بثقة: إن قطار المشروع الحضاري الوطني الذي اعتراه الصدأ من كثرة التوقف والإهمال، قد بدأت عمليات صيانته الفعلية، ورَفْع الصدأ عن محركاته، وتأهيله ليعاود الحركة بصلابة على مسار البناء الحضاري الشامل؛ فكراً وإبداعاً وعمراناً إنسانياً ومادياً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...