أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، يوليو 15، 2026

قراءة في الهوية المعمارية: بين "الامتداد العضوي" والواقع الميداني

 

جمال الهمالي اللافي

تطرح العديد من القراءات التاريخية المعاصرة فرضية أن العمارة الأندلسية هي "امتداد عضوي" للحضارة الأموية في دمشق، مستندة في ذلك إلى الربط بين سقوط الدولة الأموية في المشرق ونشأتها في الأندلس. وهنا أؤكد أن طرحي هذا لا يحمل في طياته أي نية للتقليل من شأن دولة أو شعب، بل هو محاولة لفهم الحقائق التاريخية والمعمارية في سياقها الصحيح، بعيداً عن محاولات احتكار التاريخ وتوظيفه لخدمة الاستعلاء والنزعات العرقية التي برزت كإفرازات لمشاعر العجز والقمع في المنطقة العربية. فهل كانت العمارة وسيلة لنقل هوية عرقية، أم كانت نتاجاً حتمياً لاستجابة الحرفيين لبيئتهم؟

أولاً: القرار السياسي كاستثناء لا كقاعدة

يجب التمييز بدقة بين "القرار السياسي" وبين "الصيرورة المعمارية". إن محاولة ربط العمارة الأندلسية بدمشق تبدأ وتنتهي عند "جامع قرطبة"، وهو ما يجب توصيفه بدقة: لم يكن نتيجة لتطور معماري تلقائي يعكس ثقافة شعب، بل كان "إعلاناً سياسياً" موجهاً للعباسيين في المشرق؛ فقد أراد عبد الرحمن الداخل، بصفته الأموي القرشي، أن يؤكد أن الدولة الأموية لم تسقط، بل استعادت حضورها في الأندلس.

إن استحضار نمط "القوس الأموي" في بداية التأسيس كان استثناءً سياسياً محدوداً بـ "القرار" لحظة البناء، ولم يكن إيذاناً ببدء مدرسة معمارية مستوردة. لقد كان جامع قرطبة "حالة سياسية معزولة" لم يتبعها أي "توليد" لنمط معماري مشرقّي، بل تلاشت هذه الاستعارة السياسية فوراً أمام عبقرية الحرفي المحلي الذي أعاد صياغة هويته بعيداً عن أية "وصاية" سياسية. إن الربط بين "شرعية الحكم" وبين "الهوية المعمارية" هو مغالطة تاريخية؛ فالحاكم الأموي سعى لشرعية سياسية، لكنه لم يستطع (ولم يرد) فرض نمط معماري على أرض لها هويتها المتجذرة.

ثانياً: الفوارق المعمارية: البرهان التقني والمادي

إن الادعاء بـ "الامتداد العضوي" يسقط تماماً عند فحص التفاصيل الإنشائية والمادية التي تباينت جذرياً بين المدرستين:

1.      الخامات والتقنية:

·     في دمشق: تعتمد العمارة على الحجر الكلسي والرخام الضخم، مع توظيف تقنية "الأبلق" (المداميك الملونة). الصلابة والكتلة هما السمة الغالبة، وهو اختيار فرضته جيولوجيا بلاد الشام.

·     في الأندلس والمغرب: نجد الاعتماد الكلي على الطوب (الآجر) والجبس المنحوت والزليج الملون. الحرفة هنا اتجهت نحو "التكسية" (Decoration) والزخرفة الدقيقة، وهي استجابة لندرة الحجر البنائي المتوفر في الشام ووفرة المواد الطينية والخبرات المحلية في الغرب.

2.      التنظيم الفراغي والخصوصية:

·     البيت الدمشقي: يتسم بالانفتاح على فناء مركزي (الصحن) يضم عناصر مائية ونباتية، مع توجه نحو التعامل مع مناخ البحر المتوسط الشرقي.

·     البيت الأندلسي والمغاربي: اتخذ نمطاً "انطوائياً" (introverted) بامتياز، حيث يغيب الانفتاح الخارجي تماماً، وتتركز العمارة في الداخل لتوفير خصوصية قصوى، مع معالجة فريدة للضوء والظل تعكس ثقافة سكنية مختلفة كلياً عن دمشق.

3.      اللغة التشكيلية:

·     العمارة الأندلسية طورت "قوساً" خاصاً بها (تعددت أشكاله بين المتجاوز، والمفصص، والمتداخل) كاستجابة إبداعية تقنية، بينما ظلت العمارة الشامية متمسكة بنظم معمارية تعود جذورها للأنماط البيزنطية والرومانية المتأخرة التي تشبعت بها المنطقة.

ثالثاً: العمارة كمنتج محلي (نحو فهم أشمل (

إن فكرة "انتقال الحضارة" من خلال فرد واحد أو قرار سياسي واحد لا تصمد أمام المنطق المعماري؛ فالحضارة تُبنى على أكتاف حرفيين محليين يمتلكون تراثهم الخاص. إن الادعاء بوجود "امتداد" معماري هو تبسيط مخل يتجاهل عبقرية الحرفي المغربي والأندلسي الذي طوّر لغته الخاصة بعيداً عن أية "وصاية" مشرقية.

إن المعطيات التاريخية والخرائط المعمارية الموثقة تشير إلى أن العمارة الأندلسية خرجت من عباءة "تجاربها الخاصة" لتكتب تاريخها المستقل، وتفرض حضورها الثقافي. إن تبيان هذه الحقائق يدعونا للتوقف عن استخدام العمارة كأداة لتغذية نزعات التفوق، لننظر إليها بوصفها لغة إنسانية مشتركة، تحترم خصوصية كل أرض وشعب، بعيداً عن محاولات احتكار التاريخ وتوظيفه لخدمة الاستعلاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...