جمال الهمالي اللافي
سؤالي
يتجاوز مجرد الاستفسار إلى العتاب المحب: لماذا يغيب الحضور الفاعل والمشاركة
الملموسة لقسم البستنة بكلية الزراعة في تجميل شوارع مدينتنا القديمة وبيوتها
العريقة؟ لماذا تُترك جدرانها الخارجية عارية، وتُحرم أفنيتها الداخلية من بهجة
الطبيعة، بينما يمكن إكليلها بالنباتات المتسلقة كالياسمين الفواح والورد الجوري،
وتزيين ساحاتها وباحات منازلها بأشجار البرتقال والليمون التي تنبض بالحياة؟
لعل هذا
الغياب يشي بقصور في فلسفة المناهج الدراسية المعتمدة في القسم، والتي يبدو أنها
تحصر مفهوم "الجمال" وتنسيق المدن في قوائم ضيقة من نباتات وأشجار
الزينة التقليدية. فهل يُعقل أن تُستبعد الأشجار المثمرة والنباتات العطرية
الفواحة من خطط التجميل الحضري والمنزلي بحجة أنها تنتمي حصراً لقاموس
"الفلاحة" والزراعة الإنتاجية؟ إن هذا الفصل التعسفي يفرّغ التجميل من
روحه، ويحرم مدينتنا، بشوارعها وبيوتها، من جماليات مزدوجة تجمع بين البهاء البصري
والعبق العطري.
إن المدن
العريقة لا تكتمل هويتها إلا بتعانق الحجر مع الشجر، ولنا في التاريخ والجغرافيا
أسوة حسنة:
· روح الأندلس: لو
تأملنا ساحات قرطبة وأزقة غرناطة، بل وأفنيتها الداخلية الساحرة، لوجدناها تتنفس
عبق (البرتقال المر) المزروع في وسطها، بينما تتدلى المتسلقات والياسمين من
شرفاتها الداخلية وتعريش الكروم على جدران البيوت من الداخل والخارج، لتخلق لوحة
فنية تمتزج فيها خضرة الطبيعة مع نقوش العمارة الإسلامية. هذا التناغم لم يأتِ
صدفة، بل هو ثمرة اعتناء و"بستنة" لا تفرق بين شجرة مثمرة ونبتة زينة،
بل توظف كليهما لصناعة فردوس أرضي.
· سحر الجزر اليونانية: وفي جزر
اليونان، نرى كيف تكسر ألوان أزهار "الجهنمية" الأرجوانية والوردية حدة
البياض الناصع للمنازل، وكيف تتسلق الأزهار الأزقة الضيقة وأسوار البيوت لتظلل
المارة وتمنح المكان هوية بصرية لا تُنسى.
ولكي لا
نكتفي بالوصف والعتاب، أضع بين يدي قسم البستنة بكلية الزراعة مقترحاً عملياً:
لماذا لا يُبادر القسم بتنظيم "مهرجان سنوي لتخضير المدينة القديمة"؟
تظاهرة تتجاوز التنظير الأكاديمي إلى المشاركة الفاعلة والميدانية، ينزل فيها
الأساتذة والطلاب لزراعة المتسلقات على الجدران العتيقة، وغرس الأشجار المثمرة
والعطرية في الساحات العامة وداخل البيوت التي ترحب بذلك.
نحن نمتلك
المناخ المماثل والتراث المعماري الأصيل، فلماذا لا نعيد إحياء هذا السحر؟ أليس من
حق مدينتنا القديمة أن تتنفس الياسمين، وأن تظلل ساحاتها وبيوتها أشجار البرتقال،
لتكون معارض فنية حية تسر الناظرين وتبهج قلوب قاطنيها؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق