أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، يوليو 14، 2026

نبض المبدع وجفاء المقلّد: فلسفة الروح في التصميم

 

جمال الهمالي اللافي

قد تُحاكي الشكل ببراعةٍ واحترافية تُبهر الأبصار، لكنّك لن تبثّ فيه أبداً نبض الحياة.

تأمل -على سبيل المثال- تلك النباتات الاصطناعية التي تُتقن التقنيات الحديثة صياغتها؛ دقة متناهية تجعل التمييز بينها وبين الحقيقية عسيراً على العين للوهلة الأولى. غير أنك إن تأملت الفضاء من حولها، فستجده باهتاً، خالياً من ذلك الأثير الحيوي الذي تنشره النباتات الطبيعية؛ ذلك الأثير الغامض الذي قد لا ندرك كنهه، لكننا نشعر بغيابه في تفاصيل المكان.

ومن هنا يتجلى جوهر الإبداع في كل ما يصنعه الإنسان؛ من عمارةٍ، وفنون. فالنسخُ الآلي والمحاكاة الجافة، مهما بلغا من دقة متناهية، سيبقى نتاجهما محنطاً بالجمود والبرود؛ بينما وحده المبدع من يهبُ الفضاء المعماري روحاً تنبض بالحضور. إنها روحٌ تسري في تفاعل الضوء والظل، وتتناغم مع حركة الزمن، وتتجلى في تفاصيل حميمية نستشعر أثرها العام في أرجاء المكان دون أن نملك الإشارة إلى مادة بعينها؛ تماماً كالروح التي تسكن الجسد فلا تُرى، ولكن بها يحيا وينبض.

وهذا هو الفارق الجوهري في تعاطي المعماري مع موروثه الثقافي؛ فبينما يقف المقلّد عند حدود قشور الأشكال والمفردات مستنسخاً إياها كقوالب بلا روح، يتغلغل المبدع في أعماق هذا الموروث، مستلهماً جوهره الفلسفي ليتماهى معه، ويعيد صياغته في فضاءات حية تنتمي لعصرها وتحتفي بأصلها.

وتظل الإشكالية الكبرى التي أطرحها دوماً على نفسي، كلما وقفتُ متأملاً لوحة الرسم البيضاء وشاشة التصميم في بدايات مشروعي: كيف نبعث الروح حقاً في جسد العمارة؟

لكن هذا السؤال لا يبقى طي الأوراق؛ بل يتحول إلى هاجسٍ يسكنني ويقلقني باستمرار، كلما وقفتُ لاحقاً متأملاً مشاريعي بعد أن اكتمل تنفيذها وارتفعت جدرانها على أرض الواقع. أقف متطلعاً إليها بخشية وخوفٍ خفي: هل نجحتُ فعلاً في بث تلك الروح؟ أم أنني لم أكن سوى مقلدٍ آخر، يظن واهياً أنه يتعاطى مع جوهر موروثه الثقافي، بينما لا يتعدى ما بناه حدود استنساخ الملامحه الخارجية؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...