أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، يناير 31، 2026

عمارةُ الاستغناء: "حوش الحفر" حين يكون الثراءُ اكتفاءً لا ادعاءً


جمال الهمالي اللافي

أولاً: فلسفة الاستغناء في المعمار الجبلي

تتجاوز بعض الأنماط المعمارية حدود الوفرة المادية لتصل إلى مرتبة من "الاستغناء الروحي" تُعفيها من كلفة الادعاء؛ إذ يبلغ الاكتفاء بها مبلغاً يحول دون التفات الوعي إلى المنجزات العمرانية للآخرين بمنطق النقص الذي يستوجب المحاكاة، أو رغبة التمايز التي تستدعي الاستعلاء.

هذه الحالة النفسية من الاستغناء ليست مجرد سلوك إنساني عابر، بل هي العقيدة التصميمية التي نحت بها "أسطى البناء الغرياني" جبال غريان. فإذا كانت العمارة في جوهرها هي "لغة المادة"، فإن "حوش الحفر" يمثل أبلغ نصٍ معماري يتحدث عن "غنى النفس" وتجاوز عقدة "الظهور" التي تطبع الكثير من الأنماط العمرانية المعاصرة.

إن بلوغ ذروة النضج في الفكر المعماري هو التحول من صخب "الظهور البصري" إلى سكون "الاستغناء الوظيفي والجمالي"؛ حيث يغدو الاكتفاء الذاتي حصناً فكرياً يمنع المنتج المعماري من الانزلاق نحو التبعية لمقتنيات أو نماذج الغير. في هذه المرتبة، لا يُنظر للتفاوت العمراني كفجوةٍ تستوجب الركض لردمها عبر الاستزادة المادية، بل كحالة وجودية مكتملة لا تخدش كمال الذات، مما يحرر المعمار من عبودية المقارنة وشهوة التمايز الاستعراضي.

وفي "حوش الحفر" بغريان، يتجلى هذا الثراء في أقصى صور "التواري المعماري"؛ حيث يُشيد المسكن لا بارتفاعٍ يطاول الأفق ادعاءً وطلباً للوجاهة، بل بعمقٍ يغوص في باطن الأرض استجارةً واحتماءً. هو معمار يتسم بـ "الصمت الخارجي"؛ فلا تبصر العين سوى امتداد أديم الأرض، بينما يستبطن هذا العمق عالماً متكاملاً من السكينة والخصوصية.

هذا التكوين الفراغي ليس مجرد وصف أدبي، بل هو "بيان معماري" يستمد كينونته من احتضان الأرض له، معلناً استقلالاً هوياتياً تاماً عن صخب المظاهر الفانية، وتجسيداً مادياً للنفس التي اكتفت بداخلها وترفعت عن طلب الاعتراف عبر القشور الخارجية.

ثانياً: التجسيد المعماري والتمايز البيئي

بينما يتجلى الثراء في البيت الطرابلسي من خلال غنى المفردات الزخرفية، واستخدام الرخام، واتساع فناء الاستقبال الذي يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية الساحلية، وفي البيت الغدامسي عبر عبقرية تنظيم الفراغات العمودية وتطويع الضوء لإدارة المناخ الصحراوي؛ يأتي "حوش الحفر" ليعلن عن فلسفة معمارية مغايرة تماماً، تقوم على ركنين أساسيين:

·     الثراء المتواري: وهو نمط من القيمة المعمارية التي لا تُبذل لعابر السبيل أو الغريب، بل تُدخر حصراً لساكني الدار. إنه المعمار الذي يترفع عن مزاحمة الأفق، ويختار "التواضع المكاني" في باطن الأرض، محولاً المسكن من أداة للاستعراض الاجتماعي إلى حيزٍ للصيانة النفسية والخصوصية المطلقة.

·     الاكتفاء بالمادة المحلية: في الوقت الذي تعتمد فيه الحواضر والمدن الساحلية على استيراد مواد البناء لتعزيز قيم التمايز العمراني، اكتفى الإنسان الجبلي ببيئته المباشرة؛ فمن التراب والصخر نحت كيانه، محولاً ما قد يُظن أنه "محدودية في الموارد" إلى "كمال في الصنعة الداخلية" وطاقة استيعابية تتناغم مع الطبيعة دون إقحام عناصر غريبة عنها.

ثالثاً: المرتكزات الأخلاقية والبعد الروحي

يبرز الدور الأخلاقي والقيمي كضابطٍ أصيل لحركة المعمار في الجبل؛ إذ يمثل "حوش الحفر" الامتثال الأسمى لقيم "الستر" والخصوصية، والالتزام بمبدأ "عدم التطاول في البنيان" الذي يوجه البوصلة نحو العمق بدلاً من الارتفاع.

·     البوصلة الأخلاقية والجمالية: يفرض هذا التصميم انضباطاً بصرياً صارماً؛ حيث يغيب الابتذال المعماري والواجهات التي تفتقر للمعنى، وتتلاشى الزخارف المدعية التي لا تخدم الوظيفة. الجمال هنا يتمركز في "الفناء الوسطي"، حيث تنكفئ العمارة على ذاتها، وتصبح نقطة ارتكاز البيت هي ذلك الفراغ الذي يربط الأرض بالسماء في علاقة مباشرة، تمنح الساكن شعوراً بالانفصال عن المشتتات الخارجية.

·     الاتصال الكوني: تمثل الفتحة السماوية للحوش فضاءً للتأمل الوجداني؛ إذ يطل الساكن من خلالها على شواهد الكون وحركة النجوم، مما يعزز لديه الإدراك بأن "الاكتفاء" في الحيز الأرضي والزهد في مظاهره الفانية، هو السبيل الأقوم لبناء استقرارٍ روحي يتجاوز حدود المادة، ويربط المسكن الأرضي بأبعاده الكونية الواسعة.

رابعاً: غنى "الجوهر" لا "القشرة".. فلسفة الثراء الصامت

بينما تنشغل أغلب الأنماط المعمارية بتوظيف الواجهات كأداة لجذب الأنظار، ينكفئ "حوش الحفر" نحو الداخل محققاً ما يمكن تسميته بـ "الثراء الصامت"، والذي يستند إلى ركائز جوهرية:

·     ثراء الاستغناء: هو نمط معماري اكتفى بالعناصر الأولية للأرض (التراب والصخر)، ولم يرَ في غياب المواد المستوردة أو النقوش الخارجية عجزاً إنشائياً، بل اعتبره تحرراً من كلفة المباهاة وتركيزاً على الوظيفة السكنية في أصفى صورها.

·     التمايز عبر العمق: لا يدخل هذا المعمار في سباق الارتفاعات مع الجوار، بل يحقق تميزه عبر "السكينة والاحتواء". إنه لا يحاكي النماذج الخارجية، بل يستمد قيمته من خصوصية الفراغ الداخلي الذي يوفر عزلة تامة عن ضجيج العالم الخارجي.

·     الصدق المعماري: يجسد هذا النمط مبدأ "الوضوح مع الذات"؛ فباطن المسكن هو حقيقته الجوهرية، حيث لا وجود للزيف أو التجميل الذي يداري عيوباً إنشائية، بل هو انعكاس مباشر لحاجة الإنسان الفطرية للاستقرار والستر.

·     الانضباط القيمي للفناء: يوجه هذا المعمار نظر الساكن عمودياً نحو الأعلى؛ فبدلاً من الالتفات للأفق المزدحم بتنافس البشر، ينفتح البيت على الفضاء الكوني الواسع، مما يعزز الشعور بالسكينة الروحية والارتباط بعظمة الخالق.


·     التجربة الحسية للساكن لا تقتصر خصوصية "حوش الحفر" على فلسفته المعمارية، بل تمتد إلى تجربة الساكن الحسية اليومية. فشعاع الشمس يتسلل عمودياً عبر الفتحة السماوية، مرسلاً خطاً ذهبياً يربط الأرض بالسماء، بينما تنبعث رائحة التراب الرطب بعد المطر، فتغدو جزءاً من ذاكرة الجسد. ملمس الجدران الطينية، بخشونتها الطبيعية، يمنح الساكن شعوراً بالانتماء، وكأن البيت نفسه يردّ التحية لمن يلمسه. أما صوت المطر في الفناء الوسطي، فيعزف موسيقى طبيعية منسجمة مع سكينة المكان، لتكتمل بذلك تجربة معمارية تتجاوز حدود المادة، وتغدو طقساً يومياً من التأمل والسكينة.

خامساً: "الأسطى الغرياني".. وفلسفة إزاحة المادة

يعد "حوش الحفر" نتاج فكر هندسي متقدم لـ "أسطى البناء الغرياني"، الذي لم يمارس فعل البناء بمعناه التقليدي القائم على مراكمة المواد فوق الأرض، بل مارس ما يمكن وصفه بـ "النحت الفراغي".

·     إدارة الفراغ والكتلة: من خلال "إزاحة المادة" لخلق الحيز السكني، استطاع الأسطى، وبتعاون فني احترافي مع العمالة القادمة من منطقة فزان، تحويل باطن الأرض إلى عالم سكني متكامل ومستقر حرارياً وإنشائياً.

·     عمارة الصمت (الواجهة الصفرية): تعمد الأسطى الغرياني تغييب الواجهة الخارجية كلياً، ترفعاً عن مزاحمة الأفق الحضري، وتأكيداً على أن "الثراء الجواني" للبيت لا يُبذل للغريب، بل يُصان لأهل الدار، تماماً كالإنسان المكتفي بذاته الذي لا يبحث عن تقديره في عيون الآخرين.

سادساً: السيادة الذاتية والاستقلال الهوياتي

يمثل حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية" في التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة الإنسانية:

·     الاستقلال عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.

·     الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.

·         يمثل حوش الحفر حالة من "السيادة الذاتية": في التصميم، حيث تشكل الأرض الوعاء المادي الذي تُبنى فيه المصائر وتُصان فيه الكرامة الإنسانية:

§     الاستقلال عن النسق المقارن: يصبح البيت مرجعاً لذاته، متحرراً من ضرورة المقارنة مع الأنماط العمرانية الوافدة أو الحديثة، مما يمنح الساكن شعوراً بالاستقلالية الثقافية والهوياتية.

§     الوضوح القيمي المطلق: يبتعد هذا المعمار عن المشتتات البصرية الزائفة، محققاً حالة من الوضوح بين الإنسان وبيئته، حيث يغيب القبح الذي يفرضه التكلف، ويحل محله الجمال النابع من البساطة والصدق مع المادة.

·     الذاكرة الجمعية والهوية المتجذرة لم يكن "حوش الحفر" مجرد مأوى فردي، بل هو سجلٌ حيّ لذاكرة جماعية متجذرة في وجدان أهل الجبل. فيه تكررت طقوس الحياة: ميلاد الأطفال، سهرات الشتاء، أعراس الصيف، ومجالس الحكماء. كل زاوية فيه تحمل أثراً من حكاية، وكل جدار يختزن صوتاً من الماضي. بهذا المعنى، يغدو البيت الجبلي ليس فقط تعبيراً عن استقلالية عمرانية، بل عن هوية جمعية لا تنفصل عن الأرض التي احتضنته، ولا عن الناس الذين سكنوه. إنه بيتٌ لا يُقرأ فقط كفراغ معماري، بل كوثيقة وجدانية تحفظ ملامح مجتمعٍ بأكمله.


سابعاً: عبقرية الحلول البيئية (الهندسة الحيوية الطبيعية)

لم تكن حلول الأسطى الغرياني جمالية فحسب، بل شملت ابتكارات تقنية تضمن استدامة السكن وصيانته من العوارض الطبيعية:

·     نظام الصرف البيئي المبتكر: لمعالجة تحدي مياه الأمطار في فصل الشتاء، ابتكر الأسطى نظاماً فريداً يعتمد على حفر حفرة عميقة في قلب الحوش، يوضع فيها "عظام الدجاج" ثم تُردم تماماً. هذا الإجراء يحفز الكائنات الدقيقة والنشاط الحيوي (كالنمل) لخلق مسارات تهوية ومسامات تحتية، مما يحول التربة إلى "وسط مسامي" يتولى تصريف المياه بفعالية عالية دون أثر مرئي يخدش الفناء.

·     المعالجة الطبيعية بالملح: وفي بعض الحالات، استُخدم الملح كحل كيميائي محلي لضمان نفاذية الأرض ومنع انسداد مسام التصريف، في تناغم تام مع الطبيعة المحلية وبأدوات بسيطة تضمن "الاكتفاء التقني" للبيت.

الخاتمة – إنصاف عبقرية الجبل

إن إنصاف العمارة الجبلية يبدأ بالضرورة من تقدير فكر "الأسطى" الذي أبدعها؛ فقد أثبت هذا المعماري الفذ أن الثراء الحقيقي لا يكمن في "الاستزادة" أو مراكمة العناصر الإنشائية، بل في "الاستغناء الصادق" والترفع عن المباهاة. سيظل "حوش الحفر" في غريان شاهداً على مدرسة فكرية فريدة، ترى في الأرض مستقراً آمناً وفي السماء مرجعاً روحياً، وتجد في "الاكتفاء" ذروة الكمال المعماري والأخلاقي.

الاستمرارية الزمنية ومقاومة التغير على امتداد العقود، قاوم "حوش الحفر" موجات التحديث العمراني التي اجتاحت المدن الليبية، وظلّ قائماً كخيار سكني أصيل، لا بوصفه حلاً ظرفياً، بل باعتباره نموذجاً متكاملاً للاستدامة البيئية والروحية. لم يذبل أمام الإسمنت المسلح، ولم يُغوَ بزخارف الواجهات الحديثة، بل بقي شاهداً على أن العمارة التي تنبع من الأرض وتخاطب حاجات الإنسان الفطرية، قادرة على الصمود أمام تقلبات الذوق والزمن. إن استمرارية هذا النمط عبر الأجيال تثبت أن "الصدق المعماري" ليس مجرد مبدأ، بل هو ضمانة للبقاء.

إن العودة لإنصاف هذا الإرث هي في جوهرها اعترافٌ بأن "الوضوح مع الذات" هو أثمن أنواع الثراء الإنساني والعمراني؛ إذ يعلمنا "حوش الحفر" أننا لا نحتاج للادعاء فوق سطح الأرض لنيل مكانة أو رفعة، بل يكفي أن نكون "مكتملين" من الداخل، صادقين في انتمائنا لبيئتنا، ومستغنين بيقيننا عن مراقبة ما في أيدي الآخرين من مظاهر زائلة.

وإذا كانت العمارة الطرابلسية والغدامسية قد نالت حظها المستحق من التقدير كأيقونات للحضارة الليبية، فإن "حوش الحفر" يمثل بامتياز "نبل الزهد المعماري". إنه النمط الذي يبرهن على أن القيمة الجوهرية ليست فيما نُضيفه للبناء من زوائد وزخارف، بل فيما نتركه من فراغات ممتلئة بالمعنى والسكينة. هو معمارٌ ارتقى إلى مرتبة من الثراء الروحي جعلته يترفع عن "الادعاء"، ليكتفي بكونه حضناً دافئاً في قلب الجبل، ونافذةً مخلصةً تطل على السماء، وتمنح الساكن صفاء الرؤية واليقين.

إن "حوش الحفر" ليس بيتاً محفوراً في الأرض فحسب، بل هو بيت محفور في الوعي؛ يعلّمنا أن العمارة الحقيقية لا تُقاس بعلو الجدران، بل بعمق المعنى، ولا تُبنى بالزخارف، بل بالسكينة التي تحتضن الإنسان في صمت الأرض وانفتاح السماء.


الجمعة، يناير 30، 2026

المثقف "المُجالد": بين حصانة القلعة وصفاء الفناء


جمال الهمالي اللافي

في مناخ فكري يتسم بالسيولة وتطبيع القبح، لم يعد يكفي المثقف أن يكون "بنّاءً" يكتفي بوضع الحجر فوق الحجر؛ بل استوجب عليه أن يكون "مُجالدًا". إن المثقف المُجالد هو ذلك الذي يدرك أن طرح الفكرة في واقع مشوه هو نوع من الاشتباك الوجودي، حيث لا يُبنى النص إلا بصبر المرمم وصمود "قلعة مرزق" في وجه عواصف النسيان.

أولاً: المُجالدة كفعل "حصانة" لا "وظيفة"

على النقيض من "المثقف الوظيفي" الذي يقتات على الأطروحات المعلبة، يبرز المثقف المُجالد ككيان عصي على الاستباحة. إنه يستمد "جلادته" من عمق التكوين، فلا يقبل بأنصاف الحلول المعمارية أو الفكرية. هو الذي يرى في "منسوب الطريق" قضية مبدأ، وفي الحفاظ على الواجهة التاريخية معركة هوية، مدركاً أن أي تنازل هو تصدع في جدار القلعة الكلي.

ثانياً: ترميم الوعي في مواجهة "تطبيع القبح"

تتجلى "مُجالدة" المثقف في قدرته على كشط طبقات الزيف عن روح المدينة والإنسان. إنه يرفض التعايش مع القبح البصري والمعرفي، ويمارس عملية "ترميم" مستمرة للذاكرة. هذه المُجالدة ليست ترفاً، بل هي فعل مقاومة يومي يهدف لاستعادة "وضوح القيمة"، تماماً كما يُجالد المعماري قسوة المادة لِيُخرج منها فضاءً إنسانياً يليق بكرامة الساكن.

ثالثاً: ثنائية "المنعة" و"الإشراق"

إن سيرة المثقف المُجالد تتلخص في التوفيق بين نموذجين: "القلعة" في مواقفها الخارجية الصارمة التي لا تقبل المساومة على الأصالة، و"الفناء الطرابلسي" في فضائه الداخلي المنفتح على السماء. هو حصين من الخارج ضد الجهل والفساد، لكنه "مُجالد" في الحفاظ على صفاء رؤيته العمودية، حيث يربط تفاصيل "الحوش" الأرضي باتساع "السجل الحضري" السماوي.

رابعاً: الإنصاف في حضرة الجلادة

إن النقد الصارم هو الوقود الحقيقي للمثقف المُجالد؛ فهو لا يستجدي المديح الذي يورث الاسترخاء، بل يبحث عن "الإنصاف المتمترس بالقسوة" لِيُقوّم اعوجاج البناء. إن كل "بصيص نور" ينفذ من "منفس" الفكر هو نتيجة لمُجالدة طويلة مع العتمة، وهو ما يمنح مشروعه المصداقية والموضوعية التي تفتقر إليها التماثيل الإعلامية الهشة.

الخلاصة:

المثقف المُجالد هو الذي لا يضع سلاحه (المسطرة والقلم) حتى في أكثر الظروف قسوة. إنه يدرك أن بناء "البيوت" في السماء يتطلب "صمود القلاع" على الأرض، وأن إرثه الحقيقي ليس في عدد ما كتب، بل في حجم ما "جالده" وصمد فيه دفاعاً عن الجمال والحقيقة.


بين التلقين والحرية: لماذا لم تولد مدارس فكرية في ليبيا؟

 نصف قرن من الأكاديميات… بلا تيار فكري محلي


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

ليبيا تمتلك أكثر من نصف قرن من الأكاديميات، لكنها ما زالت بلا مدارس فكرية تعكس هويتها. نصف قرن من القاعات والامتحانات والبرامج المقررة، دون أن يولد تيار فكري محلي يواجه أسئلة الواقع ويؤسس لرؤية جماعية. هذا الغياب لا يُعد مجرد نقص في الإنتاج الأكاديمي، بل يكشف خللًا بنيويًا عميقًا في طبيعة هذه المؤسسات، حيث تحوّلت الأكاديميات إلى مؤسسات للتلقين، لا إلى فضاءات للحوار والجدل. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لم تنجح الأكاديميات الليبية في إنتاج مدارس فكرية، بينما أنتجت التجارب العالمية مدارس كبرى في الفلسفة والاجتماع والعمارة والفنون؟

المدرسة كمفهوم

مصطلح "مدرسة" في الفكر الأكاديمي لا يعني مؤسسة تعليمية، بل تيارًا فكريًا أو جماعة علمية ذات رؤية مشتركة. عبر التاريخ، نشأت مدارس بارزة:

  • الفلسفة : المدرسة الأفلاطونية، المدرسة الرواقية، المدرسة الأشعرية في الفكر الإسلامي.
  • العلوم الاجتماعية:  مدرسة الحوليات في التاريخ (فرنسا)، مدرسة شيكاغو في علم الاجتماع، مدرسة فرانكفورت في الفلسفة النقدية.
  • العمارة والفنون:  مدرسة الباوهاوس في ألمانيا، المدرسة الانطباعية في الرسم.

هذه المدارس لم تُنشأ بقرار إداري، بل وُلدت من رؤية مؤسس أو جماعة فكرية، ومن سياق اجتماعي وثقافي حيّ، سمح بتعددية التأويل والجدل، وأتاح للتلاميذ أن يطوروا الفكر ويطبقوه في الواقع.

التجربة الليبية: سلطة التلقين بدل الحوار

في ليبيا، ورغم مرور عقود على تأسيس الكليات، لم تنشأ مدارس فكرية محلية. ويعود ذلك إلى عاملين أساسيين:

·     المناهج المقررة من الدولة: هذه المناهج تُعتمد رسميًا وتُفرض كوحدات دراسية، لكنها في جوهرها تقوم على تاريخ وتجارب نظرية وفكرية وتطبيقية مغتربة، مستوردة من الغرب. فهي تهمش الواقع المحلي تاريخيًا وجغرافيًا وفكريًا وتطبيقيًا، ولا تعالج قضاياه الشائكة، بل تكتفي باستنساخ ما ينتجه الغرب من نماذج معاصرة.

·     الخلفية الأكاديمية للأساتذة: الأكاديميون الذين يُسمح لهم بالتدريس في هذه المؤسسات هم غالبًا ممن حصلوا على شهاداتهم العليا من جامعات غربية، وجاؤوا مشبعين بالفكر الذي تضمنته رسائلهم هناك. هذا الفكر لا يُعرض كاجتهاد مستقل، بل يُسوَّق كمرجعية وحيدة، حتى وإن تعارض مع عقيدة المجتمع أو مع حاجاته الفكرية والعملية.

مثال على ذلك كتاب وجدته في بداية التسعينيات في مكتبة مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ألّفه أحد أساتذة قسم الخدمة الاجتماعية في كلية التربية، تناول فيه نظرية النشوء والارتقاء ودافع عنها في رسالته التي ضمنها هذا الكتاب. كنت أتوقع، بحكم انتمائه إلى عائلة مسلمة، أن يدحض هذه النظرية، لكنني فوجئت بالعكس. وحين ناقشت زملاء يعملون ضمن كادر المشروع وكانوا من طلابه، أخبروني أنهم كانوا يعترضون عليه في قاعة الدرس، لكنه كان يرفض النقاش ويفرض على طلابه أن يجيبوا في الامتحانات وفق ما ورد في كتابه، ومن يخالف يُرسب. هذا المثال يكشف كيف تُمارس السلطة الأكاديمية كأداة حجر على الرأي المخالف، بدل أن تكون فضاءً للحوار.

النتيجة أن الأكاديميات الليبية تحولت إلى برامج تعليمية للتخرج، لا إلى فضاءات لتأسيس تيارات فكرية محلية، إذ يُجبر الطلاب على نقل المعلومة حرفيًا كما وردت في المنهج، وكأن الأمر امتهان لقدرتهم على الاستيعاب والتحليل والتلخيص.

الباوهاوس: الحرية داخل رؤية مؤسسية

على النقيض، تُظهر تجربة مدرسة الباوهاوس (1919–1933)  أن المدرسة الفكرية تحتاج إلى توازن بين الحرية والرؤية المؤسسية:

  • الحرية الفكرية:  الباوهاوس فتحت المجال للتجريب، وكسر الحدود بين الفنون والحِرف، ودمج الفن بالحياة اليومية.
  • الرؤية المؤسسية:  في الوقت نفسه، وضع مؤسسها والتر غروبيوس إطارًا صارمًا يقوم على الوظيفة والبساطة والدمج بين الفن والصناعة. أي أن الحرية كانت مشروطة بخدمة فلسفة المدرسة.

هذا يوضح أن المدرسة الفكرية لا تُبنى بقرار من الدولة أو بمناهج مستوردة، بل برؤية مؤسس وجماعة تتفق معه، وتعمل على معالجة قضايا محلية أو إنسانية حقيقية. كما أن الدعم المؤسسي (من بلدية فايمار ثم ديساو) منح الباوهاوس حضورًا معماريًا وفكريًا متكاملًا، فصار المبنى نفسه جزءًا من هوية المدرسة.

مدارس أخرى: فرانكفورت والحوليات

  • مدرسة فرانكفورت: تأسست في معهد البحوث الاجتماعية بجامعة فرانكفورت عام 1923، بدعم مؤسسي مكّن هوركهايمر وأدورنو وماركوز من تحويل النقد الفردي إلى تيار فكري عالمي.
  • مدرسة الحوليات: أسسها لوسيان فيفر ومارك بلوخ عام 1929 عبر مجلة أكاديمية، بدعم من الجامعات الفرنسية، فتحولت إلى تيار عالمي في الدراسات التاريخية.

هذه الأمثلة تؤكد أن المدارس الفكرية لا تنشأ من فراغ، بل من رؤية مؤسس وجماعة، ومن دعم مؤسسي يحول الفكرة إلى كيان قائم.

أهمية التتلمذ والدعم المؤسسي

التتلمذ هو الشرط الذي يحوّل المدرسة من فكرة إلى تيار حيّ. فالرؤية المؤسسية تحتاج إلى تلاميذ يترجمونها إلى واقع، وينشرونها، ويضمنون استمراريتها. في الباوهاوس مثلًا، لم يكن غروبيوس وحده، بل أساتذة مثل بول كلي وفاسيلي كاندينسكي، وطلابهم الذين جسّدوا الفلسفة في أعمال معمارية وفنية. وفي مدرسة فرانكفورت، استمر التلاميذ في تطوير النظرية النقدية لعقود، بينما في مدرسة الحوليات طبّق التلاميذ المنهج الجديد في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، مما رسّخ المدرسة عالميًا.

لكن في الحالة الليبية، غاب هذا الشرط تمامًا:

  • لم يكن هناك دعم مؤسسي يتيح للمفكرين تأسيس مدارس محلية، بل كانت الأكاديميات مجرد هياكل إدارية تفرض مناهج مغتربة.
  • لم يُتح للتلاميذ أن يصبحوا حملة لرؤية محلية، بل جُعلوا ناقلين لمعارف مستوردة، تُفرض عليهم دون نقاش.
  • النتيجة أن الأفكار لم تتحول إلى مدارس، بل بقيت مجرد مقررات للتخرج، بلا امتداد فكري أو تطبيق عملي.

الخاتمة

غياب المدارس الفكرية في ليبيا ليس صدفة، بل نتيجة بنية أكاديمية مغتربة تقوم على التلقين والمناهج المستوردة، وتُقصي التفكير الحر وتمنع التتلمذ الذي يحوّل الأفكار إلى تيارات حية. وعلى النقيض، تُظهر التجارب العالمية أن المدارس الفكرية تولد من رؤية مؤسس ودعم مؤسسي يضمن لها الاستمرارية والانتشار. ويبقى السؤال: هل ستظل الأكاديميات الليبية مصانع شهادات، أم يمكن أن تتحول إلى فضاءات تُنجب مدارس فكرية تعيد للواقع المحلي صوته؟ 

التعليق على الصورة المرفقة:

ليست مجرد صور تاريخية… لوكوربوزيه في مرسمه مع تلامذته، وفرانك لود رايت محاطًا بطلابه، هما شاهدان على أن المدارس الفكرية لا تُبنى بالمناهج المستوردة ولا بالقرارات الإدارية، بل بالتتلمذ الحيّ حول رؤية مؤسس، وبجماعة تحملها إلى التطبيق والانتشار. في ليبيا، غاب هذا الشرط، فبقيت الأكاديميات مصانع شهادات، لا فضاءات تُنجب تيارات فكرية محلية.

الخميس، يناير 29، 2026

من العقيدة إلى المعمار: هوية تقاوم المحتل

 


جمال الهمالي اللافي

    حين تكون الهوية راسخة، تبدأ من العقيدة وتنتهي عند المعمار، يقف المحتل أمامها موقف الموارِب؛ يحاول التوفيق بين ما يريد ترسيخه وبين ما لا يستطيع الاقتراب منه. فهو عاجز عن المساس بالعقيدة أو اللغة أو العادات والتقاليد، فيلجأ إلى عرض ثقافته في اللباس والمأكل والعمارة، مستدرجاً إليها بالمغريات المادية والقوانين الصارمة عبر مدارسه ومؤسساته: التعليم لمن يتعلم لغته، والوظيفة لمن يتقنها، والعمارة هدية لمن يفتقر إلى السكن فيكون تحت ضغط الحاجة، أو لآخر راغب في التشبه به.

    أما حين تُفقد الهوية، يصبح المجتمع لقمة سائغة، يبتلعه المحتل بسهولة ضمن منظومته، دون عناء. والفارق بين الحالتين شاسع: فصاحب الهوية يحظى بالاحترام، وإن عُدّ عدواً، بينما فاقدها لا ينال سوى الاحتقار، وإن بدا خادماً في صفوفه. فهو، ليس لديه ما يدافع عنه، هو فقط ينتظر الإملاءات ويتقبلها بتذلل. الأول يُصافَح بلا تردد، أما الثاني فلا يُلتفت إليه ولو بطرف عين.

الأربعاء، يناير 28، 2026

الزمن الجميل ليس ماضيًا… بل وعيًا غائبًا

  

حين يتضامن العمران، تتضامن النفوس. وحين يتباعد، تتباعد الأرواح

جمال الهمالي اللافي

مقدمة

ليس الحنين إلى الماضي ما نفتقده، بل الوعي بما ضاع من قيمه. فالزمن الجميل لم يكن مجرد سنوات مضت، بل كان حالة اجتماعية صنعتها الألفة والبساطة والرضا بالقليل. وحين غاب هذا الوعي، تحوّل الحديث عن الزمن الجميل إلى حسرة فارغة أو جدل سياسي، بدل أن يكون دعوة لإصلاح حاضرنا.

التحسر على الزمن الجميل

التحسر على ما يُسمى "الزمن الجميل" ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو تعبير عن فقدان منظومة اجتماعية كاملة كانت تمنح الحياة معنى ودفئًا يتجاوز السياسة والمادة. فالزمن الجميل لم يكن نتاج وضع سياسي بعينه، وإن كان الوضع السياسي عاملًا مؤثرًا، لكنه لم يكن هو من يصنع الفارق بين زمن جميل وآخر قبيح.

ما يصنع الفارق هو الوضع الاجتماعي: تآلف القلوب، التواصل الدائم، إعطاء كل مناسبة قيمتها المستحقة دون إسراف أو تبذير. حين كان رمضان رمضان، والعيدان عيدين، وأفراح الزواج فرحة للجميع. حين كان الأطفال يلعبون في الشارع والحي، وكان للكبار مجالس يتبادلون فيها الحِكم والعلم. حين كان الشارع يربي كما البيت، وكانت الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية عادة وسلوكًا يوميًا للكبار والصغار.

كان المتجر في الحي بسيطًا في شكله، بلا مسميات وهمية ولا يافطات ذهبية وفضية. التعامل كان بالقناعة والرضا بالربح القليل مع جودة المعروضات على قدر الحاجة، والمنتجات تأتي من المصانع المحلية. وكان التمييز بينها بالقول: دكان الحاج عمر، الحاج علي، عمي الهادي، عمي خليفة. لا "سوبرمارك نيرمين" ولا "مقاهي روما" ولا "مطاعم ماكدونالدز" التي تقف خلف أبوابها المغلقة، تُدار بوجوه غريبة عن الحي، وتقدّم أطعمة بلا طعم ولا رائحة، منفصلة عن هوية المكان وروحه.

البركة في العمران

البركة لم تكن في الطعام وحده ولا في المناسبات، بل في العمران أيضًا؛ حين كان البيت والشارع والدكان جزءًا من نسيج واحد، متلاصقًا في تصميمه، متقاربًا في مساحاته، متآلفًا في تفاصيله، مرتبطًا بالهوية المحلية التي تمنح المكان طابعه الخاص. كان العمران يسهّل اللقاء اليومي، ويجعل من الجيرة علاقة حية، ومن الحي مجتمعًا صغيرًا متماسكًا. أما اليوم، فقد تباعد العمران وتنافر، وتعلّق بأفكار مستوردة من أصقاع الأرض، فغابت الألفة من المكان كما غابت من الناس، وضاعت البركة حين فقدنا وحدة الشكل والمعنى.

من الحنين السلبي إلى الوعي الجمعي

اليوم، أصبح الحديث عن الزمن الجميل في كثير من الأحيان مجرد حنين سلبي، لأننا نفتقد حالة الوعي بأسباب هذا الفقد. والأسوأ أن البعض حوّله إلى حنين سياسي، مثل القول: "يا حسرة على أيام الملك إدريس" أو "أيام القائد الأوحد". هنا يتحول الزمن الجميل إلى ساحة صراع سياسي، لا إلى حالة وعي جمعي بأسباب غيابه.

لكن الحقيقة أن فقدان الزمن الجميل لم يكن سياسيًا فقط، بل كان نتيجة تآكل القيم الاجتماعية: غياب الألفة، تراجع دور الحي والشارع، وانحسار البساطة والرضا بالقليل.

الزمن الجميل كمشروع إصلاحي

إذا أدركنا أن الزمن الجميل كان حالة اجتماعية، يمكن أن يتحول الحديث عنه من مجرد حنين إلى مشروع إصلاحي يعيد الاعتبار للقيم التي فقدناها:

  • إحياء المجالس والحوارات الحية.
  • تشجيع الإنتاج المحلي والرضا بالقليل.
  • إعادة معنى المناسبات الدينية والاجتماعية بعيدًا عن المظاهر.
  • إعادة بناء علاقة الأطفال بالحي والشارع كفضاء تربوي.
  • إعادة الاعتبار للعمران المحلي المتماسك، بوصفه جزءًا من الهوية والبركة.

بهذا المعنى، الزمن الجميل ليس ماضيًا ضائعًا، بل إمكانية كامنة يمكن أن تُستعاد إذا وعينا أن فقده كان اجتماعيًا وثقافيًا قبل أن يكون سياسيًا.

خاتمة

الزمن الجميل ليس تاريخًا يُستعاد بالحنين، ولا نظامًا يُستدعى بالجدل، بل هو منظومة قيم اجتماعية وثقافية فقدناها حين غابت الألفة والبساطة والرضا بالقليل. إن التحسر عليه لا ينبغي أن يبقى مجرد استدعاء عاطفي، بل أن يتحول إلى وعي نقدي يذكّرنا بأن البركة لا تأتي من وفرة الأشياء، بل من معناها في حياتنا.

وحين ندرك أن الزمن الجميل كان حالة اجتماعية قابلة للبناء، يصبح الحديث عنه دعوة إلى إصلاح حاضرنا لا إلى اجترار ماضينا. فالزمن الجميل ليس وراءنا، بل أمامنا، كلما اخترنا أن نعيد للمعنى مكانه، وللألفة حضورها، وللبركة قيمتها.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...