
إذا كانت ربة البيت للدُف
ضاربة، فشيمة أهل البيت الرقص
جمال الهمالي اللافي
في
المشهد العمراني المعاصر، تبرز ظاهرة تثير الكثير من التساؤلات البصرية والفلسفية؛
وهي تلك النماذج التي أطلقتُ عليها في مقالة سابقة وصف "العمارة
اللاشيئية". تكمن
مفارقة هذه البيوت في طابعها "الهلامي،
برغم شكلها الهندسي الظاهر"؛ فهي
تشغل حيزاً من الفراغ لكنها تفتقر إلى الروح أو الهوية الثقافية. ومع ذلك، يتبناها
المستثمر العقاري، ويباركها المكتب الهندسي، ويقبل عليها المواطن بشغف.
فما الذي
يجده المجتمع في هذا النمط؟ وكيف تصبح القشور هي المطلب الأساسي في حين يتراجع
الجوهر؟ إنني هنا لست بصدد تشريح هذا الطراز فنياً، بل أود النفاذ إلى "القوة
السحرية" التي
جعلت من هذه "اللاشيئية" مطلباً جماهيرياً، وهي سطوة "الترند".
عند جفاف
الوعي: الشهرة غاية في ذاتها
الحقيقة
أن المجتمعات حين تعاني من جفاف الثقافة والوعي، تتكشف فيها ظواهر غريبة، أبرزها
"الترند"؛ أي الشهرة في حد ذاتها بغض النظر عن الأسباب أو الجودة. لقد
أصبح الشيء مشهوراً فقط لأنه مشهور، وبالتالي أصبح مرغوباً لدى شريحة كبيرة من
المجتمع. وهذا هو واقع الحال الذي يفرض طرازاً معمارياً "هلامياً" لمجرد
أنه تصدّر المشهد وصار "موضة"، إلى أن تتغير أدوات اللعبة.
معضلة
الشهرة: لماذا يكتسح التافه؟
هذا
يجرنا لسؤال أعمق: ما الذي يصنع هذه الشهرة لنمط معماري دون غيره؟ أو لشخص دون
سواه؟ قد يلوم البعض الإعلام، ولكن الرد يكمن في أن الانحراف بدأ قبل سطوة المنصات
الحديثة. واليوم، رغم أن لكل صاحب رأي منصته، إلا أننا نسأل بمرارة: لماذا يشتهر
التافه ويُخفق صاحب العمل المُتقن؟ لماذا يتقبل المجتمع هذا ويرفض ذاك؟
لقد رأينا مشاهير وصلوا بمنتجاتهم حد التفاهة التي لا يمكن
لأي ماكينة تلميع أن تسترها، ومع ذلك صاروا هم المطلب. والسر هنا يكمن في حقيقة
قرآنية وواقعية ثابتة؛ أن الكثرة لا تبحث بالضرورة عن القيمة ولا عن المعنى،
والمولى عز وجل في محكم تنزيله قد حسم هذا الوصف في سياق غياب الوعي والفقه، كقوله
تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فوردت الكثرة دوماً في سياق
القصور الإدراكي، بينما اختص القلة بمديح الوعي والفضل في قوله: ﴿قَلِيلًا مَّا
تَتَذَكَّرُونَ﴾. وما نراه اليوم من انقياد
أعمى خلف "الترند" ليس إلا شواهد واقعة لهذه السنن الربانية التي تخبرنا
أن الغلبة العددية ليست معياراً للحقيقة أو الجمال.
البيت:
المسؤول الأول ومصير المجتمعات
أين
الخلل والقصور إذاً؟ إن البحث عن المنبع يقودنا حتماً إلى "البيت"،
وتحديداً إلى دور الأم ثم الأب كصناع لمصير المجتمعات. إن انبهار الأم بقشور
الأمور وتأثرها بما يُصدّره "الترند"، وممارسة الضغوطات لتطبيقه داخل
محيطها، هو الشرارة التي تُعلي من شأن التفاهات وتُسقط القيم الأصيلة.
وإذا
كانت المؤسسات الأخرى تعاني خللاً، فهي في النهاية نتاج تلك البيوت؛ فإذا كان ربُّ
البيت للدف ضارباً، فشيمة أهل البيت - من مؤسسات ومكاتب ومجتمع- الرقص على إيقاع
التفاهة ذاته. إن القائمين على تلك المؤسسات هم ثمرة تربية لم تُحصنهم من الانبهار
بـ "اللاشيئية"، فصاروا جزءاً من آلة إنتاجها وتكريسها.
خاتمة
إن الحرب
على تشوه الوعي والعمارة تشتد اليوم داخل جدران منازلنا، وبيد الأسرة وحدها تصحيح
الأمور. فإما الاستسلام لسحر الترند، أو العودة لغرس القيمة والمعنى، ليكون البيت
-عمارةً وفكراً- حصناً للجمال لا مجرد استنساخ لهوية "هلامية" فارغة.


