أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، يوليو 21، 2025

مدينة جريجن

أطلال مدينة جريجن


الأستاذ المؤرخ/ سعيد حامد

من مدن بلدية الحرابة في جبل نفوسة تبعد عن  طرابلس  بنحو 220 كم ويمكن الوصول إليها عن طريق طرابلس العزيزية قصر الحاج وعند الجوش  يوجد طريق معبد على اليسار يتم منه صعود إلى الجبل ويصل إلى جريجن يشتهر باسم شليوني الحرابة وتبعد عن مدينة نالوت بنحو 60 كم.

تشتهر منطقة الحرابة بوجود مجموعة من المدن والقرى أهمها مدينة شروس عاصمة جبل نفوسة في القرون الهجرية الأولى وكان فتحها على يد عمرو بن العاص سنة 22 هجرية وذكرها المؤرخون والرحالة العرب ومنهم ابن حوقل في كتابه صورة الأرض والبكري في كتابه المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب ولم يذكر هذان الكتابان من مدن جبل نفوسة إلا شروس وجادو وإن كان به الكثير من المدن الأخرى. وبالحرابة الكثير من القرى والمدن ومنها ويغو ومرقس وبغطورة ودركل وتنزغت وأم صفار وبقيقيلة وبقالة وبعض المواقع الأثرية الأخرى.

في الفترة العثمانية كانت نالوت تشكل قضاء من الدرجة الثانية تابعا لسنجقية الجبل وفي فترة الاحتلال الإيطالي استمرت التبعية وأنشأت ناحيتين داخليتين هما كاباو والحرابة.

يتميز موقع جريجن القديمة بوجودها على هضبة تحيط بها ثلاثة أودية متسعة قليلا مع عدة روافد لها مما مكن الأهالي من استغلالها في الزراعة مع توفر بعض العيون التي مايزال بعضها يجرى منها الماء ويطلق عليها الأهالي السانية ومعظم الأعمال الزراعية تعتمد على مياه الأمطار من أهم الأشجار الزيتون الملائم لمناخ المنطقة حيث توجد بالمدينة القديمة عدة معاصر لاستخراج الزيت إضافة إلى أشجار التين وغيرها.

ومن أهم معالم جريجن التي يمكن تصنيفها من مدن الملاذ حسب مصطلح جون ديبوا في كتابه جغرافيا جبل نفوسة أي المدن التي شيدت ليلتجأ إليها وأهلها قادرون على الدفاع عنها لطبيعتها الحصينة. ومن أهم معالمها  القديمة قصرها وهو على طراز القصور في جبل نفوسة ويتميز بصغره وتحيط به البيوت من كل جانب و هذه القصور يطلق عليها في اللغة العربية الأهراء أو بالنسبة للغة النفوسيين  غسرو وهي مخصصة لتخزين غلال الأهالي من زيت الزيتون والتين المجفف والحبوب وغيرها و هي المهمة الرئيسة له على أنه في بعض  القصور يتم الاحتماء بها عند الإغارة على المدينة.

بنى القصر بالحجارة والطين والجبس مع استعمال جذوع النخل وأغصان شجر الزيتون في التسقيف والأبواب والنوافذ . والقصر حاليا متهدم.وبجانبه جامع يعرف بجامع القصر وهو قديم ويوجد بخارجه محراب ومساحة تستعمل  لصلاتى المغرب والعشاء في فترات الصيف.

وهناك جامع يعرف باسم جامع الخربة أو جامع القصبات ويبعد بمسافة عن القرية واشتهر بالاسم الأخير لأن يقع بجوار ثلاث قصبات( أبراج مراقبة) ولم يعرف تاريخ بناءه ويبدو أنه من المساجد المبكرة في المنطقة وتبلغ  أبعاده نحو 6x18. مترا ويتكون  من رواقين بكل منهما عدة عقود وبالجامع مدخلين و هو يستعمل في المناسبات فقط كصلاة الاستسقاء ويذكر السيد عمر برغش أن صيانته  الأخيرة تمت على يد أهل نالوت كما توجد مصطبة ملاصقة لجدار الجامع ترتفع نحو متر شيدت من الحجارة والطين وأرضيتها من الأسمنت ويبدو  أن الغرض منها تجميع مياه الأمطار في الصهريج ( الماجل) الملاصق لها عن طريق أنبوب.

القصبات : وهي عبارة عن أبراج مراقبة وهو  طراز اشتهر به جبل نفوسة إضافة إلى مناطق قدم الجبل  وهناك نوعين منها القصبات الدائرية و المربعة أو المستطيلة من أهمها قصبة الجامع القريبة من جامع الخربة أو القصبة وهي تقريبا مربعة الشكل 5x5  متر وهي ترتفع نحو 10. أمتار ويلاحظ الاتقان في بناءها وجمال مدخلها مع وجود درج بداخلها للصعود إلى أعلاها.

إن المنطقة غنية بالآثار القديمة  وتحتاج للتفرغ والدراسة  وأمل أن يكون أحد الطلبة الذين تخصصوا في الآثار  من المنطقة أن يتناولوا تاريخ منطقة الحرابة بالدراسة والبحث وقد قام صديقنا د محمد سالم المقيد الورفلي بدراسة بعض معالم جبل نفوسة وركز الأستاذ محمود الكودري على الحياة العلمية في كتابه الحياة العلمية في جبل نفوسة من القرن  الثاني إلى الثامن الهجري.

هذه ملاحظات عن عجل وكان الزيارة ضمن رحلة قصيرة مع الأستاذة طلال بريون و يسرى بن يعلا وعبد المطلب بوسالم أيام 6،. 7. ، 8 يونيو 2023 وكان من المقرر زيارة بعض المعالم الأخرى بالحرابة إلا الحرارة المرتفعة و الرياح والغبار تم إلغاء الزيارات لفرصة سانحة أخرى إن كان للعمر بقية وترافقه صحة البدن والعقل إن شاء الله.

نشكرك الأستاذين نجيب علي وعمر برغش على مرافقتنا لزيارة هذه المعالم.

عندما يلتقي الحفيد بالماضي: سؤال الحداثة والهوية في العمارة

 

مدينة غات التاريخية


جمال الهمالي اللافي

وقف بجانبي حفيد أخي، بابتسامته البريئة التي تخفي شغفًا بالمستقبل، بعد أن أنهى للتو المرحلة الابتدائية. كان يحدّق في المشروع المعماري الذي طالما عملتُ عليه، ثم فاجأني بحدة: "ما تقدمه هذا عمارة قديمة، أريد أن أرى عمارة حديثة!" لم يكن سؤال طفل عابر، بل كان صدى لتحدٍّ أعمق يواجهنا اليوم: هل الحداثة بالضرورة تعني القطيعة مع الماضي؟ وهل يجب أن ننبذ موروثنا الثقافي والديني سعيًا وراء كل ما هو جديد؟

إن هذا التساؤل البريء من صبي في مقتبل العمر يختزل جدلاً واسعًا في مجتمعاتنا، خاصة في ليبيا، حول مفهوم "الحداثة" وتأثيرها على هويتنا المعمارية والثقافية. فكثيرًا ما يتم الخلط بين مفهومين جوهريين، سنفصلهما لتوضيح الصورة:

الحداثة الغربية: تيار القطيعة والاغتراب

تتمثل الحداثة الغربية في تيار فلسفي وثقافي له جذوره وتجلياته التي غالبًا ما تتعارض مع قيمنا الإسلامية وموروثنا الثقافي. هذا المفهوم ينادي بالقطيعة التامة مع الماضي، وإعادة تعريف كل شيء من منظور جديد تمامًا، وقد يصل أحيانًا إلى حد الطعن في الدين والقيم التقليدية. من أبرز إرهاصاتها في العصر الحديث تبني حرية الرأي التي تطعن في الدين والعقيدة الإسلامية تحديداً، وإباحة الشذوذ وعبادة الشيطان، وكل ما من شأنه المساس بحدود العقيدة الإسلامية والفطرة السوية. إن اتباع هذا المسار يقود إلى الاغتراب الثقافي، حيث يفقد الفرد والمجتمع ارتباطهم بجذورهم وهويتهم.

التحديث والتطوير: قدرة على التجديد دون التضحية بالأصالة

على النقيض تمامًا، يأتي مفهوم التحديث والتطوير، وهو ما نسعى إليه جميعًا. يعني التحديث استخدام أحدث التقنيات والأفكار والتصاميم لتطوير حياتنا وعمراننا، مع الحفاظ الكامل على هويتنا وقيمنا. إنه القدرة على التجديد والإبداع دون التضحية بأصالتنا. العمارة، على سبيل المثال، يمكن أن تكون حديثة في تصميمها وتقنياتها، ولكنها في الوقت نفسه تعكس روح العمارة الإسلامية الأصيلة، وتحافظ على وظائفها التي تخدم المجتمع المسلم. فالعمارة، في جوهرها، هي انعكاس عملي لعقيدة وفلسفة أي مجتمع. فإذا كانت العمارة الإسلامية على مر العصور قد جسّدت قيم التوحيد والبساطة والوظيفية والجمال، فلماذا لا يمكننا اليوم أن نبني عمارة حديثة تتوافق مع هذه المبادئ، وتحمل بصمتنا الخاصة، دون أن نقع في فخ التقليد الأعمى؟ إن التحدي يكمن في توعية أبنائنا بأن الحداثة الحقيقية ليست في هجر الماضي، بل في استلهام قيمه وتطويع أدوات العصر لإنشاء مستقبل متجدد بأصالة.

تحدي الاغتراب وأهمية التوعية والتحصين

ما يقصده المجتمع الليبي وهذا الصبي يقع غالبًا في فخ الخلط بين المفهومين. يظنون أن الحداثة تعني بالضرورة التبعية الثقافية وتقليد كل ما يأتي من الغرب، حتى لو كان يتعارض مع هويتنا. هذا هو "السير على طريق الاغتراب" الذي حذرت منه، وهو أخطر ما يهدد أبناءنا. عندما يرى الطفل أن كل ما هو "حديث" يجب أن يكون غربيًا بالضرورة، فإنه يبدأ في نبذ تراثه وقيمه، وهذا يؤدي إلى شعور بالاغتراب عن ذاته ومجتمعه.

دورنا كآباء: توجيه الأبناء نحو الأصالة والمعاصرة

مهمتنا كآباء ومربين تتجاوز مجرد تعليم أبنائنا، فهي تتضمن توجيههم نحو التفكير النقدي مع تزويدهم بالمعرفة الصحيحة عن دينهم وتراثهم. ينبغي لنا أن نعرض لهم أمثلة على العمارة الإسلامية الحديثة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وأن نفتح معهم حوارًا بناءً حول كيفية أن تكون العمارة مرآة لعقيدتنا وقيمنا.

لتحقيق ذلك، يجب أن نغرس فيهم هذه المفاهيم الأساسية:

           قيمة الموروث: تأكيد أن تراثنا الإسلامي والثقافي ليس قديمًا باليًا، بل هو كنز من الحكمة والجمال يمكننا أن نبني عليه للمستقبل.

           الانفتاح الواعي: تعليمهم أننا نأخذ من الغرب ما ينفعنا من علوم وتقنيات وتطور، ولكننا نرفض ما يتصادم مع عقيدتنا وقيمنا.

           الهوية المستقلة: توضيح أهمية أن نكون عصريين ومتقدمين، ولكن بهويتنا الخاصة، لا أن نكون نسخة ممسوخة من الآخرين.

ماذا يمكننا أن نفعل عمليًا؟

           أمثلة حية: يمكننا البحث مع أبنائنا عن أمثلة لمبانٍ حديثة في العالم الإسلامي أو الغربي، التي تُظهر كيف يمكن للعمارة أن تكون حديثة ومعاصرة مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، مثل بعض المساجد الحديثة أو المراكز الثقافية.

           الحوار البناء: التحدث معهم عن مفهوم "الحداثة" وكيف يمكن أن تكون متعددة الأوجه، وأنها لا تعني بالضرورة التخلي عن القيم الأساسية.

           تشجيع البحث: تشجيعهم على البحث والقراءة عن تاريخ العمارة الإسلامية وكيف تطورت، وعن رواد العمارة الإسلامية الحديثة.

تحصين الأبناء بفهم غايات الشريعة

تعليم الأطفال الصلاة هو بكل تأكيد أمر مهم. والأهم فهم غايات الشرع التي تنظم حياة المسلم وتجعله محصناً من تقبل الأفكار الهدامة والمطالبة بتطبيقاتها ورفض كل ما كان منطلقه شريعتنا السمحاء. فهذه المعرفة هي الحصن الذي يحميهم من مثل هذه الأفكار ويجعلهم يميزون بين ما هو نافع وما هو ضار. عندما يفهمون أن الإسلام دين حياة وشامل لكل الجوانب، بما في ذلك الفن والعمارة، سيصبحون أكثر قدرة على تقييم الأمور بروح نقدية وإيجابية. انتبهوا لأبنائكم والتفتوا إليهم، فهم أمانة استودعها الله سبحانه وتعالى في أعناقكم، فلا تضيعوها.

بناء جسور بين الأصالة والمعاصرة في العمارة

إن مهمتنا لا تقتصر على التفريق بين المفهومين، بل تتعداه إلى بناء جسور حقيقية بين أصالتنا ومعاصرتنا. يتطلب هذا فهمًا عميقًا لجذور العمارة الإسلامية، ليست مجرد أشكال وزخارف، بل كمنظومة وظيفية وفلسفية متكاملة.

العمارة الإسلامية التقليدية لم تكن مجرد فن، بل كانت حلولًا عملية ذكية لمواجهة تحديات البيئة والمناخ وتلبية الاحتياجات الاجتماعية والدينية. فلنتأمل كيف تعاملت المساكن القديمة مع حرارة الصيف وبرودة الشتاء من خلال التهوية والإضاءة الطبيعية باستخدام عناصر مثل المشربيات والملاقف الهوائية والأفنية الداخلية. وكيف صممت الفراغات لتوفير الخصوصية واحترام العلاقات الاجتماعية. والأهم، كيف اعتمدت على المواد المحلية، مما جعلها مستدامة ومتجانسة مع البيئة المحيطة. عندما نستوعب هذه الأجوبة العميقة، يمكننا أن نبتكر حلولًا معمارية حديثة تعيد إنتاج هذه القيم بأساليب عصرية ومبتكرة، بدلًا من مجرد استنساخ أشكال لا نفهم وظيفتها الأصلية.

الحداثة كـفعل لا كمظهر

علينا أن نغرس في أجيالنا الجديدة أن الحداثة الحقيقية تكمن في طريقة التفكير والتصميم التي تستجيب لاحتياجات العصر بذكاء وفعالية، وليس في مجرد محاكاة المظاهر الخارجية للعمارة الغربية. يمكن لمبنى أن يكون حديثًا في تقنياته ومواده (مثل استخدام الخرسانة المسلحة أو الزجاج الذكي)، ولكنه يظل متجذرًا في هويته الثقافية والدينية.

العمارة الإسلامية الحديثة تستطيع أن تكون رائدة في مجالات حيوية مثل الكفاءة والاستدامة، وهي قيم تتوافق تمامًا مع مبادئ ديننا الحنيف الذي يدعو إلى ترشيد الموارد وعدم الإسراف. كما يمكنها أن تركز على المرونة الوظيفية في تصميم الفراغات، بحيث تكون قابلة للتكيف مع احتياجات المجتمع المتغيرة، مع الحفاظ على قيمنا الثابتة. والأهم، تستطيع العمارة المعاصرة أن تعبر عن الجمالية الروحية من خلال دمج العناصر الفنية المستوحاة من الخط العربي، أو الهندسة الإسلامية، أو حتى استخدام الفراغ والضوء بطرق تخلق تجربة روحانية، كما نشاهد في العديد من المساجد الحديثة الملهمة. وهذا يستدعي البحث في كيفية بناء الجسور بين أصالتنا الإسلامية والعربية والتطور المعماري الحديث، بحيث لا يقع أبناؤنا في فخ الاغتراب. هذا لا يتعلق فقط بالجانب النظري، بل بكيفية ترجمة هذه المفاهيم إلى واقع ملموس في بيئتنا العمرانية.

خطوات عملية لتعزيز الهوية المعمارية الحديثة

لتحقيق هذا التحول وتجنب الاغتراب، يجب أن نتبع خطوات عملية واعية:

1.         البحث في جذور العمارة الإسلامية: ليس مجرد "شكل":

           العمارة الإسلامية ليست مجرد أقواس وزخارف، بل هي منظومة متكاملة تعكس فهمًا عميقًا للبيئة، للمناخ، للعلاقات الاجتماعية، وللقيم الروحية.

           يجب أن نبدأ من فهم عميق لأسباب وجود تلك العناصر التصميمية والوظيفية في عمارتنا التقليدية، مثل التهوية والإضاءة الطبيعية (المشربيات، الملاقف الهوائية، الأفنية الداخلية)، والخصوصية في التصميمات، واستخدام المواد المحلية، والوحدة والترابط في الأحياء.

           عندما نفهم هذه الجذور الوظيفية والفلسفية، يمكننا أن نبتكر حلولًا معمارية حديثة تُعيد إنتاج هذه القيم بأساليب عصرية، بدلاً من مجرد استنساخ الأشكال.

2.         دور التعليم والإعلام:

           المناهج التعليمية: يجب أن تتضمن دراسات معمقة عن العمارة الإسلامية، لا تقتصر على تاريخها فحسب، بل تمتد لتشمل فلسفتها العميقة وتطبيقاتها الحديثة.

           الورش العملية: تشجيع الأطفال والشباب على تصميم مشاريع معمارية صغيرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، لتنمية حسهم الإبداعي المتجذر.

           التوعية الإعلامية: تسليط الضوء على المشاريع المعمارية الناجحة في العالم الإسلامي التي استطاعت تحقيق هذه المعادلة الصعبة، وعرض نماذج ملهمة تثبت أن التقدم لا يتعارض مع الهوية.

           النقد الواعي: تعليم الأبناء كيفية نقد المشاريع المعمارية من منظور هويتنا الثقافية والدينية، بدلًا من مجرد الانبهار بالمظهر الخارجي.

3.         النموذج والقدوة:

           عندما يرى الطفل نماذج حية لعمارة جميلة، حديثة، ولكنها في الوقت نفسه تعكس قيم مجتمعه وتاريخه، سيقتنع بأن الأصالة ليست عائقًا أمام التقدم والابتكار. إن وجود مبانٍ عامة أو خاصة في بيئتنا الليبية تعبر عن هذه الرؤية سيكون له تأثير أكبر من أي حديث نظري.

           يمكن أن نبحث مع حفيدنا عن أمثلة لمبانٍ حديثة في العالم الإسلامي أو الغربي، التي تُظهر كيف يمكن للعمارة أن تكون حديثة ومعاصرة مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، مثل بعض المساجد الحديثة أو المراكز الثقافية.

           تحدث معه عن مفهوم "الحداثة" وكيف يمكن أن تكون متعددة الأوجه، وأنها لا تعني بالضرورة التخلي عن القيم الأساسية. شجعه على البحث والقراءة عن تاريخ العمارة الإسلامية وكيف تطورت، وعن رواد العمارة الإسلامية الحديثة.

إن بناء هذا الوعي في الأجيال الناشئة هو استثمار حقيقي في مستقبل لا ينفصل عن جذوره، مستقبل يحتفي بالإبداع والتجديد دون التنازل عن الهوية والقيم الأصيلة. فكيف يمكننا كمجتمع أن نترجم هذه الأفكار إلى خطوات عملية ملموسة في مدننا ومنازلنا؟


الأحد، يوليو 20، 2025

من رهبة الأزقة إلى دفء الألفة: رحلتي مع المدن القديمة والمعاصرة

 

منطقة كوشة الصفار بمدينة طرابلس القديمة

جمال الهمالي اللافي

غالباً ما تُمثل المدن القديمة بشوارعها الضيقة والمتفرعة للغريب مصدر تهديد وشعور بعدم الأمان. هذا ما اختبرته شخصياً عند محاولتي دخولها لأول مرة. كانت أزقة طرابلس القديمة، التي تبدو وكأنها متاهة لا نهاية لها، تثير في نفسي شعوراً بالرهبة، وكأنها ترفض الغرباء. لكن هذا الشعور بدأ يتبدد تدريجياً، ليحل محله فهم عميق وتقدير كبير.

تحول الإدراك: من الرهبة إلى الألفة

تحول إدراكي هذا لم يأتِ من فراغ. ففي بداية التسعينيات، سنحت لي الفرصة للعمل في مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس. كانت إحدى أولى خطواتنا في المشروع هي جولة جماعية بين دروبها وأزقتها. تلك الجولة لم تكن مجرد استكشاف بصري، بل كانت تجربة حسية غيرت نظرتي تماماً. زال شعور التهديد أو الإحساس بعدم الأمان، وحلت محله الألفة. أصبحت أتغلغل في أعماقها وحيداً، وأدخل بيوتها بعد الاستئذان المسبق من أهلها بيوم واحد، دون أن يخالجني ذاك الشعور المريب. لقد أصبحت هذه الأزقة، التي كانت في البداية تبدو معادية، بمثابة امتداد لبيتي، وأهلها امتداداً لأهلي.

المدن القديمة: الحميمية والخصوصية المتأصلة

تُجسد المدن القديمة، بتصميمها العضوي، نموذجاً فريداً من التخطيط الحضري الذي يُعزز الحميمية والخصوصية. شوارعها الضيقة والساحات الصغيرة ليست عشوائية؛ بل هي نتاج تطور تاريخي يعكس احتياجات مجتمعاتها. تهدف هذه المساحات إلى تشجيع التفاعل البشري المباشر، وتوفير بيئة آمنة تشعر فيها بالألفة والتواصل. القرب بين المباني، والأفنية المشتركة، والأسواق المحلية التي لا تزال تنبض بالحياة، كلها عوامل تساهم في خلق نسيج اجتماعي متماسك، حيث يكون الجار قريباً والنسيج المجتمعي قوياً.

المدن المعاصرة: الانفتاح والملكية العامة

في المقابل، تمنح المدن المعاصرة بشوارعها الواسعة الرغبة الجامحة في استباحتها دون استئذان. إنها توحي بالملكية العامة لها، للغرباء قبل سكانها. هذا التصميم، الذي غالباً ما يركز على الكفاءة والسرعة وسهولة الوصول، يهدف إلى استيعاب أكبر عدد من الناس والمركبات. الشوارع الشاسعة والمخططات الشبكية تعكس فلسفة الانفتاح الكلي، حيث يشعر أي شخص بالحرية في التحرك والتصرف كما يشاء في أي مكان عام. ورغم أن هذا يمنح إحساساً بالحرية المطلقة، إلا أنه قد يأتي على حساب الخصوصية والحميمية لسكان هذه المناطق. هذا الانفتاح الشديد قد يجعل المدينة تبدو أقل شخصية، ويقلل من الشعور بالانتماء العميق للمكان، تماماً كما أن المرأة "السافلة" لا تُثير في النفس سوى شعور بالاستباحة والتصرف بوقاحة.

السعي نحو التوازن: دمج الأصالة والمعاصرة

لقد أدرك مخططو المدن المعاصرون أهمية دمج أفضل ما في العالمين. هناك محاولات جادة، خاصة في العديد من المدن العربية وغيرها، لخلق بيئات حضرية تجمع بين مزايا الحداثة ودفء المجتمعات التقليدية. مشاريع مثل "مشيرب قلب الدوحة" في قطر هي مثال حي على هذا التوجه. حيث تم إعادة تصميم قلب المدينة ليُعيد إحياء مقاسات الشوارع الضيقة، والساحات الداخلية، والمساحات الصديقة للمشاة، مع دمج التقنيات الحديثة والممارسات المستدامة. الهدف هو خلق شعور بالألفة والخصوصية ضمن نسيج حضري عصري.

إن هذه المشاريع تؤكد أن المدن ليست مجرد كتل خرسانية، بل هي كائنات حية تتفاعل مع سكانها وتؤثر على مشاعرهم. إن تصميمها يمكن أن يحوّل الخوف إلى أمان، والرهبة إلى ألفة، ويدعم بناء مجتمعات مترابطة في عالم يتزايد فيه الانفصال. رحلتي مع أزقة طرابلس القديمة علمتني أن القيمة الحقيقية للمدينة لا تكمن في اتساع شوارعها، بل في قدرتها على احتواء الروح الإنسانية وتوفير مأوى آمن للجسد والوجدان.

الأربعاء، يوليو 02، 2025

عندما يتجاهل التصميم روحه: تحدي الأصالة في العمارة المعاصرة

 


جمال الهمالي اللافي

تُعدّ العمارة، في جوهرها، فنًا وعلمًا يتجسد في خلق مساحات وظيفية وجمالية. ومع ذلك، فإن أسوأ التصاميم ليست تلك التي تفتقر إلى الكفاءة الوظيفية أو الجمال الشكلي، بل تلك التي، على الرغم من اكتمال عناصرها الجمالية والوظيفية، تفشل في احترام محيطها العمراني أو الطبيعي. إنها التصاميم التي تتجاهل روح المكان، لتصبح أجسامًا غريبة تتنافر مع سياقها، بدلًا من أن تندمج فيه وتثريه.

لنتأمل على سبيل المثال، بيتًا يُصمم داخل مدينة تاريخية، أو قرية ريفية، أو بيئة جبلية وعرة، أو صحراء مترامية الأطراف. إذا لم يحترم هذا التصميم خصائص المكان المتأصلة، من مواد بناء محلية، وتقاليد معمارية راسخة، وتضاريس مميزة، فإنه سيظل مجرد بناء معزول، يفتقد إلى الأصالة والارتباط العميق بمحيطه. الأمر سيان مع استراحة تُصمم بين الجبال أو في الريف، دون مراعاة طبيعة المكان وما يتطلبه من معالجات إنشائية ومواد بناء تتناغم مع البيئة المحيطة.

يكمن جوهر هذه المعضلة في مقاربة بعض المصممين. فبدلًا من البدء بفهم عميق لأبعاد وشكل قطعة الأرض، والتحليل الشامل للسياق المحيط، يباشر المصمم عملية التصميم من منطلق وضع "بصمته المعمارية" الخاصة، تلك البصمة التي درج على إبرازها في كل مشروع يُكلف به. وكأن لسان حاله يقول: "ها أنا هنا!"، في إشارة إلى رغبته في فرض رؤيته الفردية على حساب هوية المكان.

إن هذه النزعة الفردية، وإن كانت تعكس ثقة المصمم بأسلوبه، إلا أنها غالبًا ما تأتي على حساب الحوار البنّاء مع السياق. فالعمارة الحقيقية لا تقتصر على بناء جدران وأسقف، بل هي عملية تشكيل للفراغ تهدف إلى تعزيز تجربة الإنسان في بيئته. وعندما يتجاهل التصميم هذا الحوار، فإنه يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته وأثره العميق.

إن احترام السياق لا يعني التقليد الأعمى للمباني القائمة، بل هو فهم جوهر المكان، وتاريخه، ومناخه، وثقافته، ومن ثم ترجمة هذا الفهم إلى حلول تصميمية مبتكرة ومعاصرة. إنه التحدي الحقيقي الذي يواجه المعماري في عصرنا: كيف يمكننا أن نُبدع تصاميم حديثة ومستدامة، وفي الوقت نفسه، تحترم وتعزز الروح الفريدة لكل مكان؟ الإجابة تكمن في تبني فلسفة تصميمية لا ترى البصمة المعمارية كشعار يُفرض، بل كحوار متجدد يُثري المكان ويُعلي من شأن هويته الأصيلة.

التصميم السياقي: نهج يغني المكان والإنسان

إن الحديث عن التصميم السياقي لا يقتصر على مجرد التوافق الجمالي أو احترام الهوية البصرية للمكان. إنه نهج شامل يلامس أبعادًا أعمق، منها:

الاستدامة البيئية

عندما يحترم التصميم بيئته الطبيعية، فإنه غالبًا ما يكون أكثر استدامة. استخدام المواد المحلية يقلل من البصمة الكربونية للنقل. تصميم المبنى ليناسب المناخ المحلي (مثل الاستفادة من التهوية الطبيعية في المناطق الحارة، أو تعظيم ضوء الشمس في المناطق الباردة) يقلل من الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتبريد الاصطناعية، مما يوفر الطاقة ويقلل التكاليف التشغيلية على المدى الطويل. المباني التي تندمج مع تضاريس الأرض بدلًا من فرض نفسها عليها، تقلل من الحاجة إلى الحفريات الكبيرة وتغيير المعالم الطبيعية.

الحفاظ على الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية

في المدن التاريخية أو القرى ذات التراث العريق، يمثل التصميم السياقي حماية لذاكرة المكان. المباني ليست مجرد هياكل مادية، بل هي مستودعات للقصص والتجارب البشرية. عندما يُبنى تصميم جديد ويتجاهل النسيج العمراني القائم، فإنه قد يمحو جزءًا من هذه الذاكرة، ويقطع الصلة بين الأجيال. على النقيض، التصميم الذي يستلهم من الأنماط المحلية، أو يستخدم مواد تقليدية بلمسة عصرية، يُسهم في استمرارية الهوية الثقافية للمكان ويعززها.

تعزيز الانتماء والرفاهية

يشعر الناس بالراحة والانتماء في الأماكن التي تعكس هويتهم وتاريخهم. التصاميم التي تحترم السياق تساهم في خلق بيئات مريحة ومألوفة للسكان، مما يعزز شعورهم بالانتماء للمكان ويزيد من رفاهيتهم. على العكس، المباني الغريبة أو المنفصلة قد تولد شعورًا بالاغتراب أو عدم الارتياح.

خاتمة

إن العمارة الحقيقية تتجاوز مجرد تحقيق الكفاءة الوظيفية والجمالية السطحية. إنها دعوة للتأمل والتناغم، التزام عميق بـروح المكان. إن التحدي الذي يواجه معماريي اليوم ليس في إبراز "بصمتهم" الخاصة على حساب السياق، بل في صياغة لغة معمارية جديدة، لغة تحترم الماضي وتستلهم من الحاضر، لتخلق تصاميم لا تقتصر على كونها مبانٍ قائمة بذاتها، بل تصبح جزءًا لا يتجزأ من النسيج العمراني أو الطبيعي. هنا، ينبغي للمعماري أن يهمس: "ها نحن هنا"، مُقرًّا بصلته الوثيقة بماضي وحاضر ومستقبل موقعه. عندما تُحتَرَم هذه الروح، لا يكتسب المبنى أصالة وجمالاً وحسب، بل يُسهم أيضاً في تعزيز الاستدامة البيئية، وحفظ الذاكرة الجماعية، وتعزيز الانتماء والرفاهية لسكان المكان. وهكذا، تصبح العمارة أداة قوية لخلق بيئات أكثر إنسانية، استجابةً للتحديات المعاصرة، ومُثرية لتراثنا البشري للأجيال القادمة.

الثلاثاء، يونيو 24، 2025

الظاهر والباطن في العمارة المحلية الطرابلسية: تجليات الخصوصية والانفتاح في تصميم المسكن المعاصر



جمال الهمالي اللافي

        تُعد العمارة المحلية في طرابلس، كغيرها من المدن العريقة في حوض المتوسط وشمال إفريقيا، تجسيداً عميقاً لفلسفة اجتماعية وثقافية متجذرة. تظهر هذه الفلسفة بوضوح في العلاقة المترابطة بين "الظاهر" و"الباطن". يستعرض هذا الفصل هذه العلاقة الجدلية، متخذاً من "مشروع المسكن الطرابلسي المعاصر- النموذج الرابع" حالةً دراسية تطبيقية تترجم هذا المفهوم.

1.      الظاهر: الحماية، الهوية، والاندماج الحضري

يتمثل "الظاهر" في العمارة الطرابلسية، وفي هذا النموذج المعاصر تحديداً، في الكتلة الخارجية للمبنى. تتميز هذه الواجهة بخصائص تعكس أولويات المجتمع والقيم المناخية عبر عدة مستويات:

  • الكتلة المصمتة والفتحات المحدودة:  تُبرز الواجهة الخارجية جدراناً بيضاء سميكة بفتحات صغيرة نسبياً، خاصة في المستويات السفلية. هذا الجمود الظاهري ليس خياراً جمالياً فحسب، بل استجابة عملية وسلوكية.
  • الحماية والخصوصية:  توفر الواجهات المصمتة حاجزاً بصرياً وصوتياً يحمي حياة الأسرة من صخب الشارع، وهو مفهوم متأصل في الثقافة المحلية التي تُعلي من قيمة الستر وتوقير الحيز الخاص.
  • التحكم المناخي:  في بيئة طرابلس الحارة، تقلل الفتحات الصغيرة من الاكتساب الحراري المباشر. تظهر هذه الاستراتيجية في المشروع من خلال النوافذ الخضراء الغائرة والمحمية التي تساهم في تلطيف درجات الحرارة الداخلية.
  • الهوية الحضرية والزخرفة الرصينة: يحتفظ التصميم بالملامح الأساسية للعمارة التقليدية، كالألوان الفاتحة والأشكال الهندسية البسيطة، مما يضمن انسجام المبنى مع نسيج المدينة. وتأتي التفاصيل الزخرفية محتشمة وموظفة بعناية؛ حيث تكسر اللمسات الخضراء على الأبواب والنوافذ حدة الكتلة البيضاء، مضيفة حيوية لا تخل بالرصانة العامة.

2.      الباطن: الانفتاح، النور، والحياة الأسرية

بمجرد تجاوز حاجز الكتلة الخارجية، ينكشف "الباطن" المتمثل في الفناء الداخلي (الحوش). يمثل هذا الفراغ قلب المسكن النابض، مجسداً مفاهيم الانفتاح والتواصل:

  • الفناء المركزي كمصدر للحياة:  يشكل "الحوش" العنصر المحوري الذي تطل عليه جميع الغرف، ليكون المورد الأساسي للإضاءة الطبيعية والتهوية. في هذا النموذج، يعزز انعكاس النور على الأرضية الشطرنجية (باللونين الأبيض والأسود) من إشراق الفراغ واتساعه.
  • الانفتاح البصري والوظيفي:  على النقيض من الواجهة الخارجية، تتسم واجهات الفناء بالشفافية. تسمح الأقواس والنوافذ الواسعة المطعمة بالزجاج الملون بتدفق الضوء، مما يخلق اتصالاً بصرياً وحسياً بين مختلف أجزاء المنزل.
  • العناصر الطبيعية وتلطيف الفراغ:  استلهاماً للتقاليد، يضم الفناء نافورة مركزية تضيف عنصراً جمالياً وصوتياً مهدئاً، وتعمل مع النباتات الموزعة بعناية على تلطيف المناخ المحلي الدقيق (Microclimate) داخل المسكن.
  • حرية الحيز الخاص:  يحقق الفناء المعادلة الصعبة؛ فهو مساحة شديدة الانفتاح داخلياً، لكنه محجوب تماماً عن الخارج، مما يمنح الأسرة حرية مطلقة في التجمع والاسترخاء.

3.      التناغم بين الظاهر والباطن

رغم التباين الواضح بين انغلاق الخارج وانفتاح الداخل، يربط المشروع بين الجزأين بلغة معمارية موحدة. فالخطوط النظيفة، والاستمرارية اللونية، تعيد تعريف الجماليات التقليدية (كالأقواس والزجاج الملون) لتندمج بسلاسة ضمن سياق عصري، مبرهنةً أن العمارة المحلية قادرة على التكيف مع متطلبات الحاضر دون التفريط في روحها.

الخلاصة: رحلة نحو تأصيل المسكن المعاصر

لم تكن محاولة تصميم "المسكن الطرابلسي المعاصر" مجرد بحث في التشكيل الهندسي، بل كانت مسعىً لتجسيد فلسفة حياة توازن بين الحاجة الماسة للأمان والخصوصية (الظاهر)، والتعطش للنور والانفتاح الاجتماعي (الباطن).

لقد سعى هذا النموذج إلى تحقيق توازن دقيق بين الأصالة والاحتياج المعاصر عبر قرارات تصميمية ومادية صارمة؛ بدءاً من استخدام الطوب الرملي الأبيض بسمك 40 سم كعنصر مادي صادق يعبر عن التحفظ والحماية، وصولاً إلى الفناء الداخلي الشفاف الذي يحتضن الدفء العائلي. إن كل تفصيل إنشائي أو فراغي في هذا العمل يمثل حلقة في سلسلة ممتدة من المحاولات للوصول إلى النموذج الأمثل الذي لا يهدف إلى "تغريب" العمارة المحلية، بل إلى "تأصيلها"؛ بتجريدها من الزيف وإبراز جوهرها النقي بلغة العصر. ليكون هذا المشروع لبنة تساهم في إثراء الفكر المعماري للمدينة، متطلعاً نحو المستقبل، ومحتفظاً في الوقت ذاته بذاكرة المكان.

الاثنين، يونيو 23، 2025

تقييم الكفاءة في العمارة: جدلية الشهادة والخبرة


جمال الهمالي اللافي

لقد أضحى تقييم الأحقية في الممارسة المعمارية، سواء النظرية أو العملية أو الخبرة المهنية، يعتمد بشكل شبه كلي على حيازة الشهادات الأكاديمية. هذا التوجه يثير تساؤلات جدية حول القيمة الحقيقية لحامل الشهادة في مجال الممارسة وكفاءة أدائه المهني الفعلي. يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما تُمنح الدرجات التأهيلية بناءً على مدة الحصول على الشهادة، لا على الأداء المهني، مما يؤدي إلى تصنيفات مثل "معماري استشاري" أو "معماري رأي" استنادًا إلى عدد سنوات التخرج فقط.

تأثير هذا التوجه على التعليم والممارسة

هذا الاعتماد المفرط على الشهادات يخلق دافعًا خطيرًا نحو "التهافت" على الحصول عليها، مما ينعكس سلبًا على جودة التعليم وممارسة المهنة في مجال العمارة. من أبرز تجليات هذا التهافت:

·     فصل الخبرة عن التدريس: يصبح غير مسموح لحاملي درجة البكالوريوس بالتدريس في كليات وأقسام العمارة، بغض النظر عن عمق خبرتهم وكفاءتهم المهنية. هذا يحرم الأجيال الجديدة من فرصة الاستفادة من الخبرات العملية الثمينة التي لا يمكن للشهادات وحدها أن توفرها.

·     التركيز على الشهادة لا المحتوى: يمنح حق التدريس حصريًا لحاملي الماجستير والدكتوراه، بمعزل عن طبيعة الرسالة العلمية المقدمة. فإذا كانت الرسالة تدور حول استخدام برنامج رسم معماري أو حتى مواضيع لا تمت بصلة مباشرة لجوهر الممارسة المعمارية كالبحث في عقود النفط أو الحفريات ما قبل التاريخ، فإنها تمنح صاحبها أحقية التدريس في أي مادة دون قيود. هذا يقلل من قيمة المحتوى العلمي والبحثي ويفضل الشكل على الجوهر.

·     تصورات خاطئة عن الذكاء والكفاءة: في بعض المجتمعات، تتحول هذه الشهادات إلى "أوسمة" تخلع على حامليها هالة من "الذكاء الخارق" و"البراعة الفائقة في الممارسة المهنية"، حتى وإن كانت طريقة الحصول عليها موضع تساؤل. الأمر يصل إلى حد منح هذه الدرجات لمن يمتلك نفوذًا، مما يرسخ تصورًا خاطئًا بأن اللقب يغني عن الجد والاجتهاد والتحصيل العلمي الحقيقي.

العوائق أمام المبدعين

في المقابل، يقف المجتمع، وقبله جهات الاختصاص، كحجر عثرة أمام المبدعين في مجال الهندسة المعمارية، والذين قد لا يملكون تلك "الشهادات الورقية" لكنهم يمتلكون موهبة وخبرة وكفاءة عملية فذة. هذا التناقض يؤدي إلى:

·     إقصاء الكفاءات الحقيقية: كثير من المبدعين الذين يمتلكون حسًا معماريًا فريدًا وخبرة عملية واسعة يجدون أنفسهم مهمشين أو غير معترف بهم رسميًا لعدم حيازتهم للدرجات الأكاديمية العليا.

·     تكريس للبيروقراطية على حساب الإبداع: يصبح النظام بيروقراطيًا بحتًا، حيث الأوراق والمؤهلات الشكلية تتفوق على الإبداع والابتكار والقدرة الفعلية على الإنجاز.

·         فقدان الثقة بالمنظومة: عندما يرى الناس أن الشهادات تمنح بمعزل عن الكفاءة الحقيقية، تتزعزع ثقتهم بالمنظومة التعليمية والمهنية برمتها.

نحو حلول بناءة

لمعالجة هذه الإشكالية، يمكن اقتراح بعض الحلول المنهجية التي تهدف إلى تحقيق توازن بين المعايير الأكاديمية والخبرة العملية:

1.   إعادة تقييم معايير التدريس: يجب أن تركز معايير أهلية التدريس في أقسام العمارة على مزيج من المؤهلات الأكاديمية والخبرة المهنية الموثقة. يمكن إنشاء مسارات مختلفة للأساتذة الممارسين الذين قد لا يمتلكون شهادات عليا ولكنهم يتمتعون بخبرة عملية واسعة ومساهمات بارزة في المجال.

2.   تطوير برامج تقييم الكفاءة المهنية: بدلاً من الاعتماد الكلي على سنوات التخرج، يجب تطوير آليات لتقييم الكفاءة المهنية الفعلية للمعماريين، مثل اختبارات الكفاءة، تقييم المشاريع المنجزة، والمقابلات مع لجان خبراء مستقلة.

3.   إعادة النظر في محتوى الرسائل العلمية: يجب توجيه رسائل الماجستير والدكتوراه نحو مواضيع ذات صلة مباشرة بالممارسة المعمارية والتحديات المعاصرة في المجال، بدلاً من التركيز على جوانب نظرية بحتة أو برامج تطبيقية يمكن تعلمها بسهولة خارج السياق الأكاديمي.

4.   تعزيز الشراكة بين الأوساط الأكاديمية والمهنية: يجب تشجيع التعاون الوثيق بين الجامعات والنقابات المهنية ومكاتب العمارة لضمان أن المناهج التعليمية تتماشى مع متطلبات سوق العمل وأن الخبرات العملية يتم تقديرها وإدماجها.

5.   التوعية بأهمية التوازن: نشر الوعي في المجتمع بأهمية التوازن بين التحصيل العلمي والخبرة العملية الحقيقية، والتشديد على أن الشهادة هي وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.

إن معالجة هذه القضية تتطلب جهدًا جماعيًا من الجهات الأكاديمية والمهنية والمجتمع ككل. فالمهم هو بناء جيل من المعماريين القادرين على الإبداع والابتكار وتقديم قيمة حقيقية للمجتمع، لا مجرد حاملي شهادات.

السبت، يونيو 21، 2025

ابتكار في التصميم السكني: مشروع يكسر نمطية 'المساكن الشعبية' بمقاربة ذكية

 

 

جمال الهمالي اللافي

مقدمة:

في ظل التوسع العمراني المتزايد في بلداننا والعديد من دول العالم، تشهد المشاريع الإسكانية طفرة كمية بهدف تلبية الطلب المتنامي على السكن. إلا أن الكثير من هذه المشاريع تقع في فخ تكرار نموذج سكني واحد، غالبًا ما يكون ذلك سعيًا لخفض التكلفة. هذا التوجه، ورغم بساطته الاقتصادية، يفقد هذه المشاريع قيمتها المعنوية والجمالية، ويحيلها إلى ما يسمى بـ "المساكن الشعبية"، ما يؤثر سلبًا على هوية الساكنين وشعورهم بالانتماء، بغض النظر عن حجم المبالغ المدفوعة أو جودة التشطيب الداخلي.

التحدي والمعضلة:

إن القيمة المعنوية للمسكن تتجاوز كونه مجرد مأوى، فهي تتأثر بشكل كبير بالشكل الخارجي والتصميم المعماري. فعندما يرى الساكن واجهة منزله مطابقة تمامًا لعشرات الواجهات الأخرى في الحي، يتلاشى لديه الإحساس بالتفرد والتميز، ويحل محله شعور بالنمطية والتكرار. هذه المعضلة تواجه كل من المطورين العقاريين، سواء كانوا جهات حكومية تقدم السكن بالأقساط، أو مستثمرين من القطاع الخاص، فالمشروع يفقد بريقه المعنوي بمجرد تكرار النموذج، حتى وإن كان البناء والتشطيب على أعلى مستوى من الفخامة.

الحل المبتكر: مقاربة تصميمية ذكية:

إدراكًا لهذه المشكلة، جاء مشروع التصميم السكني الذي نناقشه اليوم ليقدم حلاً مبتكرًا وفعالاً. يعتمد هذا الحل على مبدأ الحفاظ على المسقط الأفقي (المخطط الإنشائي) الأساسي للمسكن، مع التركيز على إحداث تعديلات ذكية على الواجهات الخارجية. الهدف هو تحقيق التنوع البصري الذي يوحي بوجود نماذج معمارية مختلفة، في حين أن الهيكل الداخلي قد يكون واحدًا أو متشابهًا بشكل كبير.

تفاصيل المشروع: من التكرار إلى التنوع البصري:

في هذا المشروع، قمت بتطوير مجمع سكني صغير يوضح هذه الفكرة ببراعة. فبدلاً من الالتزام بنموذج واحد مكرر، تم تحويل النموذج الأساسي إلى أحد عشر نموذجًا مختلفًا في مظهرها الخارجي. هذه التعديلات لم تؤثر على المسقط الأفقي أو الخريطة الإنشائية للمباني، مما يضمن عدم زيادة التكلفة بشكل كبير أو تعقيد عملية البناء.

تحليل العناصر الجمالية للمشروع المرفق صوره:

من خلال الصور المرفقة للمجمع السكني، تتضح فعالية هذه المقاربة:

  1. التنوع في الواجهات: تظهر الوحدات السكنية، وخاصة المساكن الأرضية وملحقاتها، وكأنها غير متشابهة في تصميمها المعماري من الخارج. هذا التنوع يتحقق من خلال:

·     اختلافات في عناصر الواجهة: مثل أشكال الفتحات (النوافذ والأبواب)، إضافة بروزات أو تراجعات بسيطة، استخدام عناصر تظليل (مثل المظلات أو العرائش) بتصاميم مختلفة.

·         توزيع العناصر المعمارية: تغيير أماكن بعض التفاصيل أو نسبها يخلق إحساسًا بالنموذج المختلف.

·         الاهتمام بالتفاصيل: حتى التعديلات الطفيفة في الواجهة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في المظهر العام.

  1. وحدة اللون والتناغم البصري: على الرغم من التنوع في التصميم، حافظ المشروع على توحيد اللون الأساسي للمباني (اللون الأبيض) مع استخدام ألوان موحدة للعناصر الثانوية (مثل الأخضر في الأبواب والنوافذ الدرابزينات والتظليلات). هذا التوحيد اللوني يضمن عدم حدوث تنافر بصري يخل بجماليات الحي السكني، ويساهم في خلق شعور بالانسجام والهدوء.
  2. المساحات المشتركة والتخطيط: اعتمد التصميم على فناء أو مساحة خضراء مركزية، مما يعزز مفهوم المجتمع ويوفر مساحة ترفيهية للسكان. هذا التخطيط يضيف قيمة إضافية للمشروع.

الخاتمة:

إن هذا المشروع يقدم نموذجًا يحتذى به في التخطيط والتصميم السكني المستدام والمراعي للجوانب الإنسانية والجمالية. إنه يثبت أن تحقيق التنوع المعماري ورفع القيمة المعنوية للمسكن ليس بالضرورة أن يكون باهظ التكلفة. فبمقاربة ذكية تعتمد على معالجة الواجهات الخارجية دون المساس بالهيكل الإنشائي، يمكننا تحويل المشاريع السكنية من مجرد كتل خرسانية متشابهة إلى أحياء سكنية فريدة، تمنح سكانها إحساسًا بالفخر والتميز، وتساهم في بناء مجتمعات أكثر جمالاً وإنسانية.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...