أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، ديسمبر 31، 2025

التجربة النقدية المعمارية في ليبيا: ملامح الغياب وأفق الوجود.


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

في مثل هذا اليوم من عام 2017 نشرت مقالة على صفحتي بالفيسبوك ومدونتي الميراث حول غياب النقد المعماري السوي في ليبيا. واليوم، بعد ثماني سنوات، أعيد طرح القضية لأن الموضوع لا يزال يفرض نفسه بقوة في ظل غياب حركة نقدية جادة، رغم تنامي النشاط المعماري على مختلف الأصعدة؛ من المحاضرات العامة والفعاليات الأكاديمية، إلى معارض مواد البناء التي تصاحبها عروض لمكاتب معمارية، فضلاً عن الزخم الكبير من المشاريع التي تُنفذ على أرض الواقع.

هذا الغياب ليس جديداً؛ فمنذ تأسيس قسم العمارة بجامعة طرابلس عام 1969، وظهور أولى المشاريع المنفذة لخريجيه، اتخذ النقد أشكالاً متباينة بين التهميش، الاستهانة، والتسفيه. هذه المقالة تسعى إلى إعادة طرح القضية اليوم، لتوضح ملامح التجربة النقدية في ليبيا، وتفتح أفقاً لتأسيس حركة نقدية سوية وبنّاءة، تكون صوتاً مكملاً للحراك المعماري، لا غناءً خارج السرب.

1.      النقد بالتجاهل والتهميش

منذ أول مشروع معماري نفذه خريج القسم (مثل مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني للطاهر الزلوزي)، ظهر جلياً أن النقد اتخذ شكل اللامبالاة. لم يُحتفَ بهذه المشاريع، لم تُوثَّق، ولم تُسجَّل كسوابق معمارية ليبية. هذا التجاهل شكّل حالة نقدية هدامة، إذ رسّخ ثقافة الصمت والاكتفاء بالحديث عن تجارب عالمية دون الالتفات إلى الواقع المحلي.

2.      النقد بالاستهانة والإنكار

ظهر نوع آخر من النقد في كتابات بعض المعماريين الذين تعاملوا مع العمارة الليبية وكأنها بلا محاولات للتجديد أو التأصيل. تجاهل هؤلاء جهوداً موثقة منذ التسعينيات، من كتابات ومقالات نشرت في مجلة آثار العرب، ثم في جريدة الشط ومجلة مربعات. هذا النوع من النقد يخلق فراغاً وهمياً ويُقصي تاريخاً نقدياً موجوداً بالفعل.

3.      النقد بالتسفيه والاتهام بالتقليد

محاولات التأصيل للعمارة الليبية وُصمت بالتقليد دون تحليل موضوعي. لم تُقرأ هذه الأعمال قراءة متأنية تكشف مواطن التجديد ومكامن التقليد. النتيجة كانت انتقاصاً من جهود جادة بدل تقييمها بإنصاف، وهو ما عطّل إمكانية تطوير خطاب نقدي متوازن.

دراسة حالة: مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني

يُعد مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني، الذي صممه المعماري الطاهر الزلوزي (رحمه الله وغفر له)، مثالاً بارزاً على غياب النقد البنّاء باعتباره أول محاولة للتأصيل المعماري من طرفي خريجي قسم العمارة والتخطيط العمراني.        

. من الناحية المعمارية: المشروع قدّم محاولة لتأسيس لغة تصميم حضرية حديثة في طرابلس، تجمع بين الوظيفة السكنية والهوية المحلية.

·  من الناحية النقدية: لم يحظَ المشروع بأي تعليق أو توثيق، ولم يُسجَّل كسابقة معمارية ليبية رغم أهميته التاريخية.

·    القراءة النقدية الممكنة: لو تم تناول المشروع بجدية، لكان بالإمكان تحليل مدى نجاحه في تحقيق التوازن بين الكثافة العمرانية والراحة السكنية، ومقارنته بتجارب مشابهة في المنطقة العربية. هذا النوع من النقد كان سيمنح المشروع مكانته ويؤسس لخطاب معماري محلي.

خصوصية التجربة الليبية

النقد في ليبيا اتخذ أشكالاً سلبية أكثر من كونه ممارسة بنّاءة. هذه الخصوصية تكشف عن معوقات فكرية وأخلاقية حالت دون تأسيس حركة نقدية متماسكة. ومع ذلك، وجود هذه الأنماط يعني أن النقد حاضر، حتى لو كان مشوهاً أو ناقصاً، وهو ما يستدعي إعادة توجيهه نحو البناء لا الهدم.

الدعوة

الحركة النقدية المعمارية في ليبيا موجودة بالفعل، لكنها لم تُؤرَّخ بشكل منهجي ولم تُمارَس بروح الإنصاف. المطلوب اليوم هو:

  • التوثيق: تسجيل المشاريع والكتابات النقدية كجزء من ذاكرة معمارية وطنية.
  • التحليل الموضوعي: قراءة الأعمال بميزان الإنصاف، بعيداً عن التهميش أو التسفيه.
  • المقارنة العالمية: وضع التجربة الليبية في حوار مع الحراك المعماري الدولي.
  • الاعتراف بالجهود السابقة: البناء على ما أنجزه النقاد والمعماريون منذ عقود.

بهذا يمكن للحركة النقدية أن ترتقي لتصبح أداة تطوير حقيقية، تواكب تطلعات المجتمع الليبي وتدخل في حوار مع العالم.

الخاتمة

الحركة النقدية المعمارية في ليبيا ليست معدومة كما يُظن، لكنها تعاني من اختلال في منهجها؛ إذ اتخذت أشكالاً من التجاهل، الاستهانة، أو التسفيه، بدل أن تكون ممارسة بنّاءة تُحلّل وتُقيّم وتُوثّق. المثال الوحيد الذي استُحضر هنا – مشروع زاوية الدهماني – لم يكن لعرضه كموضوع نقد معماري بقدر ما كان شاهداً على غياب النقد السوي الذي يُعطي المنجز حقه ويضعه في سياقه التاريخي.

إن جوهر القضية ليس المشاريع ذاتها، بل غياب الحالة النقدية السوية التي تبني ولا تهدم، تعترف ولا تُقصي، وتؤرّخ بدل أن تُهمِل. المطلوب اليوم هو تأسيس خطاب نقدي ليبي متوازن، يقرأ الأعمال بإنصاف، ويضعها في حوار مع المجتمع والواقع العالمي، ليكون النقد أداة ارتقاء لا أداة تجاهل.

الاثنين، ديسمبر 29، 2025

عمارة "اللاشيئية": حين يفقد المعماري الليبي بوصلة الانتماء

 


جمال الهمالي اللافي

    لمن أصمم؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يسبق كل خط قلم. بالنسبة لي، الإجابة واضحة وممتدة عميقاً في الوجدان: أنا أصمم للمجتمع الليبي، لأنني أنتمي إليه بالولادة والجذور والعقيدة. هذا الانتماء ليس مجرد شعار، بل هو منهج عمل يفرض عليّ مراعاة جميع الاعتبارات؛ من الظروف الاجتماعية والمناخية إلى التحديات الاقتصادية، دون التغافل لحظة واحدة عن الهوية الثقافية والمعتقد الديني.

    أينما وُجدت بيئة ليبية كُلفت بالعمل فيها، فإن مهمتي لا تنتهي عند وضع المخططات، بل تبدأ بتلمس جوانب الخصوصية في هويتها المعمارية والاجتماعية. أنظر للمحددات كفرص، وأستثمر مقومات البيئة من مواد بناء وتشطيب وعناصر تأثيث، لتكون العمارة ابنة شرعية لأرضها.

فخ القشور وذوبان الهوية

    لكن، وبنظرة فاحصة على واقعنا المعاصر، نجد أن المعماري الليبي قد استقال –في كثير من الأحيان– من مسؤولياته تجاه بيئته. لقد غرق في تقليد الموجات المعمارية الغربية والتماهي معها دون توفر مقوماتها الحقيقية من تقنيات ومواد بناء؛ فاكتفى بـ "القشور الظاهرة" والواجهات البراقة التي لا تلبث أن تنطفئ أمام شمسنا الحارقة، أو تفشل في احتواء عاداتنا الاجتماعية الصارمة.

    النتيجة كانت ولادة مسخ معماري؛ فلا هو انتمى لبيئته وأصالتها، ولا هو استطاع أن يكون نسخة حقيقية من العمارة الغربية بتعقيداتها التقنية. هنا نشأ نوع جديد وهجين من العمارة أسميه "اللاشيئية".

الوقوف على حافة الفراغ

    إن عمارة "اللاشيئية" هي "تطبيع للقبح" في أقصى تجلياته، حيث تفقد الحواس بوصلتها وتعتاد العين على الفوضى البصرية. إنها حالة من الانفصام المعماري تجعلنا نعيش في فراغات لا تشبهنا، ونبني مدناً غريبة عنا وعن تاريخنا.

    إنني أحذر من التمادي في هذا النهج، وأدعو زملائي المعماريين للمراجعة واليقظة قبل أن يبتلعنا الفراغ الأسود، فنفقد بداخله قدرتنا على الوقوف باتزان على أرضية صلبة. هذه الأرضية هي هويتنا التي بدونها سنظل معلقين في هواء "اللاشيء"، بلا ماضٍ يحمينا ولا مستقبل يمثلنا.

    إن الأمانة المعمارية تقتضي منا العودة إلى الذات؛ ليس من باب الانغلاق، بل من باب الاحترام للإنسان الليبي وبيئته، لنصنع عمارة تتحدث لغتنا، وتفهم احتياجاتنا، وتصمد أمام تقلبات الزمان.

الأحد، ديسمبر 28، 2025

الهوية المعمارية بين الواجهة والجوهر: نحو مشروع ليبي للتأصيل

  


جمال الهمالي اللافي

الواجهة كقشرة والداخل كروح

تواجه العمارة المعاصرة إشكالية جوهرية تتعلق بالهوية: هل هي مجرد واجهة تُزيّن المباني لتأكيد الانتماء، أم منظومة متكاملة تتغلغل في الداخل والخارج معاً لتصوغ تجربة الإنسان في المكان؟ هذا السؤال يزداد إلحاحاً في السياق الليبي، حيث تتقاطع الحاجة إلى التنمية العمرانية مع ضرورة الحفاظ على الأصالة الثقافية.

كثيراً ما يُختزل مفهوم الهوية المعمارية في الواجهات الخارجية، وكأنها بطاقة تعريف بصرية تكفي لتأكيد الانتماء. غير أن هذا المنظور يظل ناقصاً إذا لم يمتد إلى الداخل حيث يعيش الإنسان ويتفاعل مع المكان. فالواجهة ملك لعامة الناس في الشوارع، أما الداخل فهو فضاء التجربة اليومية، حيث تتجسد العلاقة الحقيقية بين الإنسان والعمارة.

ويزداد وضوح هذه الإشكالية عند النظر إلى بعض التجارب المعاصرة، مثل التوجه الرسمي في السعودية لترسيخ الهوية المعمارية عبر الواجهات الخارجية. ورغم أن هذه الخطوة تُعد بداية مباركة في مسار التأصيل، إلا أن الاقتصار على الواجهة يحوّل الهوية إلى قشرة هشة، بينما شمولها للداخل يجعلها جسداً حياً ينبض بالمعنى، ويمنح العمارة دورها الأصيل كبيت للروح ومسرح للحياة اليومية.

الهوية المكانية والذاكرة الجمعية

الهوية المعمارية ليست مجرد شكل بصري، بل هي انعكاس لـ الهوية المكانية التي ترتبط بالبيئة الطبيعية والاجتماعية، ولـ الذاكرة الجمعية التي تحفظ تجارب المجتمع وتعيد إنتاجها في الفضاء العمراني. الاقتصار على الواجهات الخارجية يحوّل الهوية إلى قشرة هشة، بينما شمولها للداخل يجعلها جسداً حياً ينبض بالمعنى، ويجعل العمارة وسيطاً بين الماضي والحاضر.

دروس من التجارب العالمية

التجربة المكسيكية: ألوان وزخارف تحكي التاريخ

في المكسيك، الهوية المعمارية لا تتوقف عند الواجهة، بل تتغلغل في تفاصيل الداخل:

  • الألوان: الأحمر القرميدي، الأصفر الذهبي، والأزرق الفيروزي، وهي ألوان مستوحاة من الطبيعة والاحتفالات الشعبية.
  • الزخارف: بلاط Talavera المزخرف، الذي يحكي قصصاً من التراث الإسباني والموروث المحلي.
  • الأثاث: الخشب المنحوت يدوياً، الحديد المشغول، والفخار التقليدي، مما يجعل كل قطعة تحمل بصمة الحرفي المحلي.
  • هكذا جعلت من الألوان الدافئة والزخارف التقليدية والأثاث اليدوي امتداداً للهوية، بحيث يصبح الداخل فضاءً يحكي التاريخ ويستدعي الذاكرة الشعبية. ويصبح الداخل امتداداً للهوية، لا مجرد فراغ محايد.

التجربة الكينية: الطبيعة والهوية في الداخل

أما في كينيا، فالتجربة المعاصرة في التصميم الداخلي فدمجت الهوية المحلية مع الاستدامة، عبر استخدام المواد الطبيعية والألوان الترابية والأثاث المستوحى من التراث القبلي، مما جعل الداخل مساحة تحكي قصة المكان والناس.

  • الألوان والمواد: اعتماد الألوان الترابية المستوحاة من المناظر الطبيعية، مع استخدام الخيزران، الأخشاب المحلية، والزجاج المعاد تدويره.
  • الأثاث: تصميم قطع أثاث يدوية الصنع تعكس التراث القبلي، وتستحضر أنماط الزخرفة التقليدية في المنسوجات والجداريات.

·         الزخارف: إدخال عناصر مستوحاة من الحياة البرية والرموز الثقافية، مما يجعل الداخل مساحة تحكي قصة المكان والناس.

هنا يصبح التصميم الداخلي وسيلة للحفاظ على الهوية، وفي الوقت نفسه أداة للتنمية المستدامة ودعم الحرفيين المحليين.

التجربة السعودية: خطوة أولى تحتاج إلى اتساع

في السعودية، الخطوة الرسمية لتأصيل الهوية في الواجهات هي بداية مباركة، لكنها تحتاج إلى اتساع لتشمل الداخل أيضاً. فاقتصار الهوية على الخارج يحوّلها إلى قشرة هشة، بينما شمولها للداخل يجعلها جسداً حياً ينبض بالمعنى.

  • يمكن للألوان المستوحاة من البيئة الصحراوية والبحرية أن تدخل في تفاصيل الفراغات الداخلية.
  • يمكن للحرف اليدوية المحلية أن تتحول إلى عناصر أثاث وزخرفة.
  • يمكن للهوية أن تُترجم في توزيع الفراغات بما يعكس أنماط العيش المحلية، لا مجرد قوالب مستوردة.

السياق الليبي: التحديات والفرص

في ليبيا، الهوية المعمارية ما تزال تبحث عن صياغة معاصرة تتجاوز الاستعارة السطحية للرموز. التحدي يكمن في كيفية الجمع بين الأصالة والمعاصرة:

  • الأصالة: استلهام الألوان من البيئة الصحراوية والبحرية والريفية والجبلية، وتوظيف الحرف اليدوية في الأثاث والزخارف، وإبراز الرموز الثقافية في توزيع الفراغات.
  • المعاصرة: الاستفادة من التقنيات الحديثة في البناء، وتبني معايير الاستدامة، وتطوير حلول وظيفية تلبي احتياجات المجتمع الحديث.

هنا يصبح المشروع المعماري جسراً بين الماضي والمستقبل، بين الذاكرة الجمعية ومتطلبات العصر.

نحو مشروع ليبي للتأصيل

لتحقيق مشروع معماري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، لا بد من تظافر جهود متعددة:

  • المعماريون: لصياغة الفراغات وفق منطق يعكس أنماط العيش المحلية.
  • المصممون الداخليّون: لترجمة الهوية في تفاصيل الأثاث والألوان والزخارف.
  • الفنانون التشكيليون: لإدخال البعد الرمزي والجمالي الذي يربط العمارة بالذاكرة الجمعية.
    هذا التعاون يضمن أن تكون المشاريع المعمارية امتداداً للهوية الليبية، لا مجرد استنساخ لنماذج مستوردة.

خاتمة

إن الهوية المعمارية مشروع جماعي يتجاوز حدود الواجهة ليطال الداخل والخارج معاً. في ليبيا، يمكننا أن نسير على خطى التجارب العالمية الناجحة في تأصيل الهوية المعمارية عبر الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ليس في الواجهات فقط بل في الداخل أيضاً، حيث يعيش الإنسان ويتفاعل مع المكان. إن استلهام الألوان من البيئة المحلية، وتوظيف الحرف اليدوية في الأثاث والزخارف، وإبراز الرموز الثقافية في توزيع الفراغات، كلها خطوات تجعل العمارة جسداً حياً يعكس روح المجتمع. ولتحقيق ذلك، لا بد من تظافر جهود المعماريين والمصممين الداخليين والفنانين التشكيليين في صياغة رؤية مشتركة، تضمن أن تكون مشاريعنا المعمارية امتداداً للذاكرة الجمعية ومعبّرة عن هوية ليبية أصيلة، قادرة في الوقت نفسه على مواكبة العصر.

إن إعادة النظر في التصميم الداخلي ليعكس الهوية المحلية هو ما يرسّخ العمارة كبيت للروح ومسرح للحياة اليومية. كل خطوة في هذا الاتجاه تقود إلى ما بعدها، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة على الطريق الصحيح.

السبت، ديسمبر 27، 2025

بين انطواء الشتاء وانفتاح الصيف: ترنيمة الفناء الطرابلسي

 


جمال الهمالي اللافي

في قلب البيت الطرابلسي، ليس "الفناء" مجرد فراغ معماري، بل هو بوصلة المشاعر التي تتجه صوبه الحواس في كل فصل. هو المساحة التي تمارس فيها العمارة المحلية لمدينة طرابلس طقوسها بين الانكفاء والانفتاح. ما بين ليلة شتوية مثقلة بالمطرة ونهار صيفي صحو يفيض بالضياء، يقف فيها "الفناء الطرابلسي" بين فصلين متباينين شاهداً على تقلبات الوجدان، وفضاءً معمارياً تتبدل فيه المشاعر بين السكون والحركة، بين الدفء والحيوية، بين الانكفاء على الذات طلباً للسكينة، والانفتاح على العالم طلباً للتواصل، حيث تتجاور تفاصيلٌ تلامس وهج الروح، وأخرى تخاطب منطق العقل وجمال المعمار.


ملحمة الانتماء

بين شتاءٍ يلم الشتات ويدعو للتأمل، وصيفٍ يبعث الطاقة ويدعو للانطلاق، يظل الفناء الطرابلسي "ملحمة" مكانية تعزف على أوتار الانتماء. إنه المكان الذي يثبت لنا أن الجمال ليس في الشكل فحسب، بل في تلك القدرة المذهلة على احتواء تناقضات الفصول وتحويلها إلى تجربة إنسانية فريدة، تذكرنا دوماً بأننا "جزء من هذا المكان، وهو جزء منا.

الجمعة، ديسمبر 26، 2025

تطبيع القبح: عندما تفقد الحواس بوصلتها

 


جمال الهمالي اللافي

ثمة جملة بليغة للأستاذ الراحل فؤاد الكعبازي، لا تزال تتردد أصداؤها في ذهني كلما تأملت واقعنا البصري والفكري؛ قوله: "إن الإنسان عندما يتآلف مع القبح نتيجة المعايشة اليومية، يصبح في عينه جميلاً".

هذه المقولة ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي توصيف دقيق لعملية "تطبيع حسي" ومنهجية تتبعها آلات التأثير الحديثة. فمن خلال المداومة على تكرار المشاهد القبيحة والأنماط الشاذة التي تمجها النفس وتنفر منها العين، تروض وسائل الإعلام (المسيسة) والمنظومات الموجهة ذائقة المتلقي. ومع مرور الوقت، تسقط حواجز الرفض الفطري، فيصبح المرفوض مقبولاً، والممجوج مستساغاً، بل ويتحول المستقبح في وعي الناس إلى "بهاء" والمنكر إلى "حسن".

إن هذا التحول ليس عفوياً، بل هو استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة الوعي الإنساني عبر عدة ركائز:

·     تسطيح الوعي بالسيطرة على الحواس: فالجمال بطبعه يثير في النفس التساؤل، التأمل، والرغبة في السمو. عندما يُحاط الإنسان بالقبح (سواء في المعمار، أو الفن، أو السلوك البشري)، فإنه يدخل في حالة من "الخمول الذهني". القبح لا يحتاج إلى جهد فكري لفهمه، بل هو حالة من الفوضى التي تستهلك طاقة الإنسان في التكيف معها بدلاً من نقدها. المنظومات التي تسعى للسيطرة تفضل "الإنسان المتكيف" على "الإنسان المتأمل".

·         تدمير المرجعية الأخلاقية: هناك تلازم أزلي بين (الحق والخير والجمال)؛ عندما تنجح الوسائل الإعلامية في جعل "المستقبح بهاءً"، فإنها بذلك تضرب الميزان الذي يقيس به الإنسان الصواب والخطأ. إذا اختل مقياس العين (الجمال)، يختل بالتبعية مقياس العقل (الحق) ومقياس القلب (الخير). وبضرب القيمة الجمالية في نفوسنا، يختل الميزان الذي نقيس به الحق، فتتحول الانحرافات في نظر البعض إلى "حقوق ضائعة" انتصفت لها العدالة!

·     صناعة الإنسان الاستهلاكي: الجمال الأصيل يدعو إلى الاكتفاء والسكينة، بينما القبح يولد شعوراً خفياً بالقلق وعدم الرضا. هذا القلق هو الوقود المحرك للآلة الاستهلاكية؛ فالإنسان الذي لا يجد جمالاً في بيئته أو روحه، يبحث عن تعويض ذلك عبر "الشراء" و"الاستهلاك" المستمر لسد الفجوة الجمالية بداخله.

·     التكلفة والبراغماتية المادية: في عالم تحكمه الأرقام، الجمال "مكلف" لأنه يتطلب إتقاناً، وقتاً، وروحاً. أما القبح فهو "رخيص" وقابل لإعادة التدوير والإنتاج الضخم. المنظومات التعليمية والثقافية التي تتبنى النماذج المادية الجافة تميل إلى تغليب "الوظيفي" على "الجمالي"، مما يحول المدن والمناهج إلى قوالب جامدة خالية من المعنى.

وهنا يبرز السؤال الملحّ: لماذا تتفق جُل وسائل الإعلام في أخبارها، ومؤسسات التعليم في مناهجها، ودور الثقافة في مناشطها، على الترويج لهذا (القبح) وترسيخه؟

إنها عملية إحلال وتجديد للقيم؛ حيث يُراد للإنسان أن ينفصل عن فطرته السليمة، ليكون كائناً "متكيفاً" مع الفوضى، فاقداً للقدرة على التمييز بين القيمة والعدم. إن معركة الجمال اليوم لم تعد ترفاً، بل هي معركة وجودية لاستعادة الفطرة الإنسانية من براثن "تآلف القبح.

الخميس، ديسمبر 25، 2025

جناية "الأنا" المعمارية: كيف أهدرنا عقول الأمة على واجهات البيوت؟

 

جمال الهمالي اللافي

عندما تصل إلى حالة الوعي كمعماري، ستواجه الحقيقة المرة: لستَ مجرد مصمم، بل أنت "صانع غواية" تسخر علمك لتضخيم أناك المتعالية عبر جيوب زبائنك. إن المعماري الذي يغري الزبون بأنماط سكنية باذخة، موهماً إياه بأن وجاهته تُقاس بترف الواجهات وفخامة الرخام، هو في الحقيقة يشكل هذا الزبون كخامةٍ تخدم صورته الذهنية عن نفسه.

لقد خلق المعماري بيئة تتسم بفوارق أخلاقية مرعبة؛ حيث انتقلت عدوى "الأنا المتضخمة" منه إلى الزبائن، ليصبح همهم الشاغل التباهي بصروحٍ خاصة تستنزف الميزانيات وتُهدر فيها الموارد. هذا الانشغال المحموم بتشييد ’متاحف السكن‘ صَرَفَ أصحاب الأموال عن رسالتهم الحقيقية، وأعمى أبصارهم عن توجيه زكاة أموالهم وصدقاتهم لتحسين البيئة التعليمية المتردية من حولهم.

بينما ننشغل نحن بتفاصيل التأثيث الأسطوري لفللٍ تسكنها عائلات قد يغرق أفرادها في التخلف القيمي، تقف في الجوار مدارس وكليات لا يجد طلابها كرسياً أو طاولة، ولا حمامات نظيفة، ولا ماءً صالحاً للشرب. صروحٌ تعليمية بلا معامل، وبلا كتب، وبلا مبانٍ تحمي الأجيال من زمهرير الشتاء أو هطول الأمطار.

إن نهضة الأمة تبدأ حين يكسر المعماري قيد أناه، ويُعيد توجيه بوصلة الزبون من "الاستعراض الباذخ" إلى "كفاية الاحتياج". فلو وُجِّه جزءٌ يسير من ذاك الهدر الذي نُزينه للناس في بيوتهم نحو ترميم وتجهيز صروح التعليم، لانتهى الجهل والمرض والتخلف. رسالتك كمعماري ليست تزيين القشور، بل بناء الأمة عبر ترشيد عمارة المسكن وتعظيم عمارة العقل.

حين يتحول التاريخ من بديهية زمنية إلى ذريعة للتبعية

 

من البيت الطرابلسي التقليدي إلى البيت الطرابلسي المعاصر: الهوية أساس التطور، لا عائق أمامه.


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

كثيرًا ما يُستعمل القول  "لن يتوقف التاريخ " كحجة لا تحتمل النقاش، وكأن مجرد استمراره يعني بالضرورة تقدم الشعوب وتطورها. وهي عبارة تبدو بديهية في معناها الزمني، إذ التاريخ رديف للزمن، والزمن لا ينقطع حتى نهايته. لكن هذا الفهم السطحي يُسقط المعنى الأصلي للتاريخ بوصفه تقويمًا زمنيًا لا ينقطع، ويحوّله من حقيقة زمنية إلى شعار يُسوَّق لتبرير التبعية الثقافية والمعمارية، بدلًا من أن يكون دعوةً إلى الارتقاء الواعي. وهنا يصبح السؤال ملحًا: هل التاريخ فعلٌ واعٍ نصنعه بارتباطنا بهويتنا، أم مجرد ذريعة تُستخدم لإقناعنا بالانصياع لكل ما يأتي من الخارج؟"


التاريخ كزمن لا كذريعة

التاريخ في جوهره تقويم تسترشد به الشعوب لتنظيم حياتها اليومية، قائم على حركة الشمس والقمر، لا أكثر ولا أقل. وهو بهذا المعنى لا يتوقف، بل يتوغل في أعماق الزمن حتى نهايته. لكن تحويل هذه البديهية إلى شعار سياسي أو ثقافي يراد منه إقناع الناس بأن عليهم الانصياع لكل ما يأتي من الخارج، هو قلب للمعنى وتزييف للوعي.

المعمار بين الهوية والتبعية

المعمار ليس مجرد شكل أو قوالب جاهزة تُستورد من وراء البحار. إنه سلسلة متصلة بهوية المكان، تُبنى على إرث الأجداد وتُطوَّر بما يلائم الحاضر. المفارقة أن من يطالبوننا بتجاوز "الجمود المعماري"، هم أنفسهم غارقون في جمود فكري؛ جمود عن التفكير النقدي، وقبول بالتقليد الأعمى لكل ما يُستورد دون مساءلة عن ملاءمته للمناخ، لمواد البناء، للمقومات الاقتصادية، للقدرات الإنشائية، وللظروف الاجتماعية والعقيدية.

التقدم الحقيقي: إعادة إنتاج الإرث

الدراسات المعمارية تؤكد أن التقدم لا يُقاس بكمية ما يُستورد، بل بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج إرثه المعماري بما يلائم المناخ، مواد البناء، المقومات الاقتصادية، والظروف الاجتماعية. هذا ما يُعرف في الأدبيات بـ "التنمية المعمارية المستدامة"، التي تسعى إلى حماية الهوية من الذوبان في أنماط استهلاكية عابرة. التقدم الحقيقي يعني تنقية الإرث من شوائب التحريف، وتطويره ليكون دعامة لحياة مستقلة وهوية راسخة.

التجربة اليابانية: برهان عملي

ولعل التجربة اليابانية تكشف بوضوح أن الهوية ليست عائقًا أمام التطور، بل أساسًا له. فقد استطاعت اليابان أن تحافظ على خصوصية معمارها التقليدي - كالبيوت الخشبية ذات الأسقف المائلة واستخدام الورق والخشب في الفواصل الداخلية - حتى في المدن الحديثة. هذا يبرهن أن الهوية المكانية يمكن أن تتجدد دون أن تُمحى. كما أن دمج الإرث المحلي مع تقنيات مقاومة الزلازل يوضح أن التقدم يمكن أن يكون استدامة ثقافية واعية، لا تبعية عمياء. والمفارقة هنا أن الشعوب التي تُدرك قيمة إرثها لا تقع في فخ شعار  "لن يتوقف التاريخ" بوصفه ذريعة للتقليد، بل تُحوّله إلى فعل وعي يعيد وصل الماضي بالحاضر.

الخاتمة: دعوة إلى وعي معماري جديد

وعليه، فإن القول "لن يتوقف التاريخ" لا ينبغي أن يُستعمل كذريعة للتبعية، بل كدعوة لإعادة وصل الحاضر بالماضي، وصياغة مستقبل معماري مستقل يوازن بين الأصالة والتجديد. فالمعمار، في جوهره، ليس مجرد انعكاس لزمنٍ لا يتوقف، بل هو فعل مقاومة وذاكرة حيّة، وامتداد لعزةٍ لا ينبغي أن تُمحى.

التاريخ لا يتوقف، لكن المعمار قد يضيع إن فقد هويته. وحده الوعي القادر على تحويل الاستمرار الزمني إلى تقدمٍ حقيقي، يحفظ العزة ويصوغ مستقبلًا يوازن بين الأصالة والتجديد.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...