أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، مايو 27، 2026

هندسة السراب

 

جمال الهمالي اللافي

تدفع الباب الخشبي الثقيل، محملاً بتلك الصورة التي شيّدتها في خيالك طويلاً. رائحة المخططات الورقية وبرودة الزجاج تملأ المكان. أمامك يجلس رجل هادئ، تحيط به رصانة الزوايا وحكمة الخطوط المستقيمة. تجلس على المقعد المواجه له، وبدلاً من أن تبسط أحلامك عن جدران بيتك المنتظر، تبدأ في البحث عن بطل روايتك بين ملامحه.

تتأمل وقاره، فتتسرب الخيبة ببطء إلى عينيك؛ تكتشف أن الواقع لا يرتدي عباءة أوهامك، وأن الكلمات الموزونة التي تسمعها هنا مبنية على حسابات دقيقة، لا على سحائب الخيال التي كنت تنتظرها. تنعقد الكلمات في حلقك، وتشعر للحظة مرتبكة أنك أخطأت العنوان، وأن هذا الغريب ليس هو.

لكنك في الحقيقة لم تضل الطريق إلى المكتب، بل ضللت في قراءة واجهاتك الداخلية. دعنا نعترف في هذه اللحظة العارية: أنت لم تكن تبحث عن خريطة تؤسس لبيت يشعر بك، بل كنت تنقب عن معماري يشبه أوهامك. لقد ظل عقلك أسيراً لصورة ذهنية مسبقة، يطاردها في ممرات الواقع فلا يجدها، فيرتد غضبك المكتوم نحو إنسان بريء من خيالك الجامح. لم تسأل نفسك قط: ما الذي قاد خطاي إلى هنا حقاً؟ هل هي العمارة التي تأوينا، أم المعماري الذي نُلبسه أدوارنا؟

الخلل لا يكمن في الواجهات التي يخطها، بل في الزوايا المظلمة من توقعاتك. العمارة ليست مسرحاً درامياً لتمثيل أدوارنا الرومانسية أو استعراض كبريائنا الهش، بل هي فضاء للعيش، ملاذ للكرامة، ووعاء يحتضن الذاكرة.

سواء كنتَ تطارد صورة مثالية مستحيلة، أو كنتِ تبحثين عن انعكاس حالم خلف طاولة التصميم، يجب أن ندرك أن الجدران الحقيقية لا تُبنى على الأوهام، بل تنهض على أساس متين من وعينا العميق بحاجاتنا. إذا وجدت نفسك مفتوناً بالبحث عن شخص المعماري أكثر من بحثك عن دفء المكان الذي سيأويك، فربما تحتاج إلى ترميم داخلي، وإلى مراجعة لمخططات روحك قبل أن تطرق باب أي مكتب.

لا تنتظر خريطة تعكس لك سراباً تتخيله، بل ابحث عن المساحة التي تشبه حقيقتك المجردة. وحين تصدق مع نفسك، ستجد أن المشروع الذي يليق بك كان يختبئ هناك، ينتظرك خلف كل تلك الأوهام.

الثلاثاء، مايو 26، 2026

العمارة المحلية المعاصرة وتلبية تطلعات الأسرة الليبية

 

جمال الهمالي اللافي

تواجه الأسرة الليبية المعاصرة تحدياً حقيقياً عند الشروع في بناء مسكنها؛ إذ تأرجحت عمارة السكن لعقود بين مطرقة الأنماط الهجينة والمساقط المستوردة التي تفتقر للحس الثقافي والبيئي، وسندان التكاليف الباهظة والمساحات المهدورة. وفي خضم هذا الاغتراب البصري والوظيفي، برز نمط "العمارة المحلية المعاصرة" كاستجابة واعية تعيد الاعتبار للمسكن بوصفه فراغاً إنسانياً واجتماعياً يلبي الاحتياجات الحقيقية للمجتمع، بعيداً عن صرعات الموضة المعمارية الدخيلة.

وعند إسقاط الركائز الثلاث للعمارة الناجحة على هذا النمط، يتجلى لنا كيف نجح في إثبات تفوقه الجداري من خلال تلبية ثلاثة اهتمامات رئيسية تشغل بال الأسرة الليبية وتحدد جودة حياتها اليومية:

1.      الكفاءة الوظيفية والبيئية المتكاملة

لم تعد العمارة في هذا النمط مجرد جدران مصممة لتقسيم الغرف، بل هي منظومة فراغية وحركية متكاملة ترتكز على معالجات واعية:

·     صياغة الفراغات المعاصرة: نجح النمط المحلي في دمج كافة المتطلبات الحديثة من أنشطة ومعالجات مناخية، موزعة بمرونة وذكاء بين الفراغات الداخلية المعيشية والفراغات المفتوحة والأفنية المستورة.

·     الاستغلال الذكي للمساحات: الاعتماد على مخططات محكمة تقضي تماماً على الهدر المساحي والممرات الطفيلية التي عانت منها المساقط الأفقية التقليدية أو العشوائية.

·     التحكم البيئي الكامن: تحقيق معادلة التوفير في التكلفة الإجمالية لتنفيذ المبنى وتشطيبه، إلى جانب خفض تكاليف التشغيل مستقبلاً عبر التوجيه المناخي الذكي واستغلال الإضاءة الطبيعية والتهوية المتقاطعة، دون أي إخلال بالجودة الإنشائية أو القيمة الجمالية.

2.      تحقيق الخصوصية المطلقة (السمعية والبصرية)

تُعد الخصوصية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها استقرار الأسرة ونمط حياتها الاجتماعي، ويمتاز هذا النمط بتقديم حلول معمارية جذرية تنبع من فهم عميق لثقافة المجتمع:

·     الفصل الحركي التام: تضمن هندسة الفراغات تنقّل أهل البيت بحرية تامة وبأريحية داخل الفراغات المعيشية، دون أن تتعارض حركتهم اليومية أو تتصادم بصرياً مع حجرة الاستقبال (المربوعة) المخصصة للضيوف والزوار.

·         الاحتواء البصري للفراغ الخارجي: تمكين العائلة من الاستغلال الأمثل للأفنية والحدائق المنزلية وتحويلها إلى امتداد طبيعي للمعيشة اليومية، عبر محاور بصرية محجوبة تتيح ممارسة الأنشطة المختلفة بأمان كامل بعيداً عن تطفل أعين الجوار أو كشف النوافذ المحيطة.

·     السكينة والهوية البصرية: دمج متطلبات الراحة النفسية والهدوء السمعي مع مفردات العمارة المحلية، مما يفرز مسكناً ينتمي لثقافته المحيطة ويعكس هويته التاريخية دون تكلف أو زيف.

3.      الاعتزاز الاجتماعي والنجاح الواقعي

إن المقياس الحقيقي لنجاح أي أطروحة معمارية هو اختبارها على أرض الواقع ومدى رضا الساكنين عنها وعمق ارتباطهم بها. وقد أثبتت التجارب المتعددة المنفذة لهذا النمط اعتزاز أصحاب هذه البيوت بمساكنهم، وتحولها إلى مصدر فخر اجتماعي لهم في ظل غياب تام لأي شكاوى تنتقص من كفاءتها المعيشية، ولعل أبرز الشواهد الواقعية الملموسة على هذا النجاح:

·     رفض التخلي عن المسكن: رفض أحد السكان التفريط في مسكنه تماماً، ورغب عن بيعه رغم مساومته عليه وعرض مبالغ مالية خيالية تجاوزت القيمة السوقية بكثير، تيقناً منه بأن جودة الحياة والسكينة التي يوفرها هذا الفراغ لا تُعوض بمال.

·     مقاومة المغريات المادية: ساكن آخر، رفض بشكل قاطع تأجير بيته لأحد السفراء الأجانب في الحي المجاور، رغم الإلحاح الشديد والمغريات المادية الكبيرة، تفضيلاً لاستقراره العائلي في فراغ صُمم خصيصاً ليناسب نمط حياة أسرته.

·     البيت المزار والنموذج: فتح أحد الساكنين بيته للفرجة ترحيباً بكل من أبدى رغبة في رؤية التصميم بعد انتهاء مرحلة التشطيبات وقبل الانتقال للسكن فيه؛ بينما تحول مسكن آخر إلى مزار ومقصد يقصده المهتمون ممن سمعوا عنه أو شاهدوا صوره على منصات التواصل الاجتماعي، رغبة في استلهام تفاصيله ومحاكاتها، على الرغم من وقوع المسكن في منطقة هادئة بعيدة عن الشوارع الرئيسية الصاخبة.

ختاماً، يُثبت واقع التجربة أن نجاح العمارة المحلية المعاصرة في البيئة الليبية ليس مجرد انحياز عاطفي أو الحنين للماضي، بل هو ضرورة حتمية فرضتها كفاءة الحلول المعمارية التي تحترم الإنسان والأرض معاً. إن قيمة المسكن الحقيقية لا تقاس بمدى محاكاته لصرعات الموضة الدخيلة، بل بمدى قدرته على صون كرامة الأسرة، وتوفير السكينة، وحماية الميزانية من الهدر. وحين ينجح المعماري في صياغة الفراغ بروح محلية واعية، فإنه لا يبني مجرد جدران وأسقف، بل يؤسس لإرث اجتماعي ومبعث فخر يتوارثه الأجيال، مؤكداً أن عمارة الهوية هي الاستثمار الأضمن للمستقبل.

الاثنين، مايو 25، 2026

خرافة التكلفة العالية: من يدفع ثمن التشويه المعماري؟

 

جمال الهمالي اللافي

نقل لي أحد المتابعين تعليقاً غريباً من مهندس ادعى فيه أن التصاميم التي أقدمها – والمستلهمة من روح العمارة المحلية – تكلف "أربعة أضعاف" تكلفة المنزل العادي، حتى لو كانت مساحته لا تتجاوز 120 متراً مربعاً. ردي المباشر والعفوي على هذا الافتراء كان: "صاحبك كذّاب أشر، تصاميمي أقل كلفة أو متساوية، ولكنها قطعاً لا تزيد".

هذا الادعاء ليس مجرد خطأ في التقدير الهندسي، بل هو جزء من حملة تشويه ممنهجة، يمارسها بعض المحسوبين على المهنة للدفاع عن "العمارة الهلامية" السائدة التي شوهت مدننا. إنهم يروجون لخرافة التكلفة العالية للعمارة الأصيلة كفزاعة لإبعاد المواطن عن جذوره، ولضمان استمرار دوران عجلة الاستهلاك في سوق البناء الذي تحكمه العشوائية والتقليد الأعمى.


تشريح التكلفة: أين تُهدر أموال العمارة الهلامية؟

لكي ندرك حجم التضليل في هذا الادعاء، علينا أن نضع "المنزل العادي" (بمفهومهم المشوه) تحت مجهر التكلفة الفعلية. إن ما يصفونه بالنمط السائد هو في الحقيقة مستنقع من الإسراف المادي والهندسي، ويتجلى ذلك بوضوح في:

·     الاستعراض الإنشائي المفرط: يلجأ الكثير من المصممين اليوم إلى إثقال المبنى بكتل خرسانية ضخمة لا مبرر وظيفي لها. نرى الكتل الطائرة (الكوابيل المبالغ فيها) وأقواس المداخل العملاقة التي تمتد بارتفاعات شاهقة لتصل إلى سطح المبنى، مستهلكة أطناناً من الحديد والأسمنت والخرسانة المسلحة لمجرد محاولة إضفاء "جماليات" مفتعلة، دون أي عائد بيئي أو وظيفي.

·         إخفاء الفشل خلف الديكورات: لأن الفراغات الداخلية في التصاميم الهلامية تولد ميتة وتفتقر للنسب الإنسانية، يتم اللجوء إلى حشوها بكتل ضخمة ومكلفة من ديكورات الجبس في الأسقف والحوائط لترقيع القبح المعماري.

·     استلاب الخامات (هوس المستورد): تعتمد العمارة السائدة على استنزاف جيب المواطن عبر استخدام أغلى أنواع الرخام والجرانيت المستورد في تبليط الأرضيات وتكسية الواجهات الخارجية، واستبدال الغطاء النباتي المحلي بأشجار زينة مستوردة باهظة الثمن والرعاية.


الدليل الميداني: اقتصاديات البساطة في العمارة المحلية

في المقابل، إذا وضعنا أحد تصاميمي المحلية البسيطة تحت التقييم الإنشائي، سينفضح زيف ذلك الادعاء تماماً. إن هذا النهج لا يستدعي شكلاً من الماضي ليلصقه على واجهة حديثة، بل يستدعي "منطق البناء" ذاته، وهو المنطق الأجدى مالياً والأكثر استدامة:

·     العقلانية الإنشائية وتوفير الخرسانة: الكتل في مشاريعي متراكبة بشكل رأسي سليم ومباشر، والمجازات (Spans) واضحة واعتيادية. هذا يعني أن الأحمال تنتقل بسلاسة إلى القواعد دون الحاجة إلى تسليح معقد. غياب الاستعراض الإنشائي يجعل الهيكل حكيماً وغير مسرف، ويقلل بشكل ملموس من كميات الحديد والخرسانة المطلوبة مقارنة بالمباني السائدة.

·     نقاء الواجهات والحلول البيئية: يعتمد التصميم على البساطة والنقاء البصري؛ حوائط مصمتة تكتسب جماليتها من تلاعب الضوء والظل، ومحمية بلمسات محلية بسيطة كالمظلات التقليدية والبرجولات الخشبية الخفيفة التي توفر معالجة مناخية ذكية بأقل التكاليف. هذا يُغني تماماً عن بند التكسية المكلف بالمواد المستوردة.

·     الفراغ الناطق وغياب الحشو الديكوري: العمارة المحلية تستمد قيمتها من جودة الفراغ، ونسبه، ووضوح هويته، والاعتماد على المواد والأحجار المتاحة محلياً بصدق. هذا النقاء يُسقط تلقائياً بنوداً كاملة من ميزانية التشطيبات، ككتل الجبس المفتعلة والديكورات الباهظة.

خلاصة القول:

    إن العودة إلى العمارة المحلية ليست ترفاً برجوازياً ولا حنيناً مكلفاً للماضي؛ بل هي قمة الترشيد الاقتصادي. إن من يبيعك الوهم بأن هويتك وبساطتك تكلفك أربعة أضعاف، هو ذاته من يريدك أن تظل رهينة لسوق الخرسانات المبالغ فيها والديكورات المستوردة التي تستنزف مقدراتك وتشوه ذائقة أجيالنا.

الأحد، مايو 24، 2026

استقلالية المعماري: حينما تفرضُ المهنيةُ قواعدَها

جمال الهمالي اللالافي

المعماري، أينما وُجد، هو كيان مستقل عن أي تبعية؛ لا سيما حين يكرس هذا الاستقلال بامتلاكه مكتباً مهنياً خاصاً. هذا الواقع يستوجب على قادة مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، وشركات الاستثمار العقاري، التعامل معه على أساس الندية التامة، فهو قائدٌ لمؤسسته ومديرها التنفيذي، يضع الحدود للتعاملات والقيمة المادية لخدماته بصفته نظيراً مؤسسياً، لا مرؤوساً وظيفياً.

إن الخطأ الجسيم الذي يقع فيه المسؤول -لاسيما في سياقنا الراهن- هو التعاطي مع المعماري وكأنه أحد مرؤوسيه. وهنا تكمن الكارثة؛ إذ يُعد هذا تطاولاً على كيان مهني مستقل، يتمتع باستقلالية إدارية ومالية كاملة، ولا يخضع للتراتبية الوظيفية التي تحكم علاقات المسؤول بموظفيه.

ولا ينحصر هذا التجاوز في الواقع العملي فحسب، بل يمتد إلى فضاء التواصل الرقمي؛ إذ يبتدئ البعض حواراً مهنياً، ثم يماطلون في الرد تحت ذريعة "الانشغال"، متجاهلين أن وقت المعماري هو أمانة مهنية والتزام تجاه زبائنه الفعليين. إن استنزاف هذا الوقت في نقاشات عقيمة تنتهي –غالباً– بالاعتذار عند الحديث عن التكاليف، ليس مجرد تضييعٍ للجهد، بل هو استخفافٌ بمبدأ الندية؛ فالمعماري ليس متاحاً للاستشارات المجانية أو الترفيه، بل هو صاحب مهنة يحدد قيمة وقته بقدر ما يحدد قيمة تصاميمه.

في هذه الحالة، ستواجه حالة من الإقصاء الممزوج بالازدراء؛ فالمعماري سيرى في هذا التصرف تعجرفاً لا يليق، وسيعاملك بالمثل. لسان حاله يقول لك: "كما تدين تُدان"، وبالعين التي تنظر بها إليه، يراك بها. لا مالك ولا منصبك يعنيان له شيئاً، فهو لا يراك في هذه العلاقة إلا زبوناً ضمن قائمة أعماله، يختار من يرتضي العمل معه، ويقصي من يفتقر إلى أدب التعامل المهني.

القافلة عند هذا المعماري تسير، ولا يعبأ بنفوق جملٍ فيها، أو انسحاب مرافقٍ عنها.

سلسلة بيوت تُروى: حكايات من العمارة الليبية

رهان الأقواس والأفنية: قصة البيت الذي بيع قبل أن يجف طلاؤه 

جمال الهمالي اللافي

في صباحٍ صيفي لاهب من العام 2003، كان المهندس المدني خالد يقود سيارته ببطء، وجسده يئن من تعب الأسابيع الماضية. وإلى جانبه زوجته، يتقاسمان صمتاً محملًا بالخيبة. طوال شهر كامل، طافا بين خمسين بيتاً يعرضها المستثمرون؛ كانت كلها تتشابه في قسوتها، مجرد علب خرسانية صماء، صُنعت بلا روح لتكدس الغرف وتغلق منافذ الهواء، بيوت لا تشبه أحلامهما بالاستقرار والسكينة، ولا تنتمي لأرضنا وعاداتنا.

وفي اللحظة التي كاد يتسلل فيها اليأس إلى قلبيهما، قادتهما الخطى إلى منطقة السبعة. كانت المنطقة حينها تعيش برزخاً جميلاً؛ حيث ملامح العمران تتسلل بهدوء ووقار لتداعب خضرة الأرض الزراعية وتتنفس من هوائها العليل.

من بعيد، وسط زقاق هادئ يتفرع عن صخب الشارع الرئيسي، لمحا بياضاً يلوح كالنور. اقتربا، فانحبست الأنفاس. توقفت السيارة أمام بيت أرضي كان لا يزال في مرحلة التشطيبات النهائية، لكنه كان ينطق بهوية مغايرة. جدار خارجي مكسو بحجر ذي ملمس طبيعي دافئ يذكرك ببيوت طرابلس القديمة، وعوارض خشبية بارزة تتطلع إلى السماء، بانتظار تعريشة ترسم على الأرض ظلالاً وارفة. كانت البوابة مفتوحة كأنها تدعو العابرين، وبداخلها يقف أسامة، المستثمر الذي أرهقه القلق على أمواله في مشروع غريب عن المألوف. طرق خالد الباب، فاستقبله أسامة بترحيب يداري وراءه ترقباً طويلاً.

خطت الزوجة خطوتها الأولى عبر العتبة، فحدث شيء أشبه بالسحر. صمتت تماماً، لكن عينيها اتسعتا بذهول طفولي. استقبلها ممر خارجي تظلله أقواس بيضاء ناصعة، مصممة بهندسة مدهشة تؤطر زرقة السماء وكأنها لوحة حية متغيرة. ومن الأعلى، كانت الفتحات المربعة تتناغم في تتابع دقيق، لتسمح للشمس بأن تغزل خيوطاً متراقصة من الضوء والظل على بلاط الأرضية.

قادهما الممر بنعومة إلى قلب البيت: فناء داخلي مفتوح يحتضن في وسطه حوضاً مربعاً من التربة ينتظر أن تدب فيه الحياة، وتطل عليه النوافذ بذكاء يحقق معادلة بالغة الصعوبة: تهوية كاملة، وإضاءة طبيعية تغمر الأركان، مع "خصوصية مطلقة" تتيح للمرأة أن تتحرك في مملكتها بكامل حريتها دون أن تلمحها عين غريبة.

أدركت الزوجة بحدسها الأنثوي والروحي أن هذا البيت لم يُبْنَ عشوائياً، بل صُمم بدقة ليفهم تفاصيل حياتها اليومية ويحمي خصوصيتها. وبحكم التأدب والوقار الاجتماعي المتأصل أمام الغرباء، لم تنبس بكلمة واحدة، بل وقفت تستمع لحديث خالد مع أسامة بإنصات مهيب. لكنها، في لحظة مفصلية, التفتت نحو زوجها. التقت أعينهما في حوار صامت فائق السرعة والعمق؛ لمعة رضا دافئة، ووميض حسم لا يتردد، وإيماءة خفيفة جداً من رأسها كانت كافية لصناعة القرار.

التقط خالد الإشارة التي ينتظرها بلهفة. التفت فوراً إلى أسامة، وبنبرة قاطعة لا رجعة فيها قال: "أريد أن أشتري هذا البيت حالاً. لقد طفت بين خمسين بيتاً، ولم أجد روحي ولا ضالتي إلا هنا."

فوجئ أسامة بالإصرار، وأجابه متردداً: "ولكن يا مهندس، البيت لم يكتمل بعد، والتشطيبات تحتاج وقتاً." رد خالد بيقين: "سأشتريه الآن، وسأنتظر كل تفصيل حتى يكتمل تحت إشرافكم." وأمام هذا الشغف الصادق، تم البيع وعادت الطمأنينة لقلب المستثمر.

حين حضر المعماري المشرف بابتسامته الواثقة، أخبره أسامة ببيع البيت سريعاً. وخلال شهر واحد، تحول موقع العمل إلى خلية نحل تسودها البهجة؛ رُكبت أطقم الحمامات بعناية، وتوزعت الفوانيس النحاسية العتيقة على الجدران لتنشر دفئاً شاعرياً تحت الأقواس، وتدلت الثريات لتنير الغرف المشرقة. ومع نهاية الشهر، عاد خالد ليجد لوحته شبه مكتملة، باستثناء أخشاب التعريشة التي جُلبت ولم تُركب بعد. فأخبرهم بلهفة المحب أنه سيتكفل بتركيبها بنفسه، رغبة منه في ترك بصمته الخاصة في هذا الملاذ، وللتعجيل بالانتقال.

وحين استلم أسامة باقي ثمن البيت من خالد، غمرته راحة عميقة، وعادت به الذاكرة تلقائياً إلى ذلك اليوم الذي قصد فيه مكتب المعماري لأول مرة ليصمم له هذا المشروع. يتذكر كيف وقف متوجساً أمام لوحات تصميم بيوت الضواحي الأرضية، وكيف قال للمعماري بخوف التاجر وقلقه على رأسماله: "هذه النماذج غير مألوفة، وأخشى ألا يقبلها الزبائن، خصوصاً أن الأرض تقع في منطقة شبه نائية." ويتذكر كيف أجابه المعماري بثقة العارف الهادئة: "ثق بي، صحيح أنها نماذج غير مألوفة، لكنها مميزة في بساطتها وجمالها وحسن توزيع فراغاتها الداخلية، بما يحقق الكفاءة والخصوصية والملاءمة البيئية."

وفي يوم آخر، التقى أسامة بالمعماري مجدداً بعد أن تم كل شيء بنجاح. بادر المعماري أسامة بابتسامة دافئة قائلاً: "لا أريد أن أعرف كم صرفت ولا بكم بعته, فهذا شأنك.. لكني أود مقارنة تكلفة هذا البيت وأرباحه بما سبق من مشاريعك النمطية."

أجابه أسامة مبتسماً بامتنان عميق ورضا كبير يسكن نبرته: "الفارق كبير، سواء في تكلفة التنفيذ أو الأرباح. ويكفي أنني بعت البيت وهو في أواخر التشطيبات، بعدما كنت أخشى ألا يُباع لاختلافه عن المألوف."

نظر المعماري في عيني المستثمر أسامة، ورأى فيهما إشراقة السعادة والارتياح بعد أن ربح الرهان، وقال بهدوء الواثق: "ألم أخبرك من البداية أن تثق بي؟"

مرت السنوات.. وفي يوم مشمس من عام 2013، بعد عقد كامل من ذلك الصيف، التقطت صورة لهذا البيت. لم يعد مجرد جدران؛ لقد كبرت العائلة في حضنه، وتجذرت أحلامها، ونمت شجيرة "البوغانفيليا" الوردية المورقة التي زرعتها يد الزوجة، لتتسلق السور الأبيض بحرية، وتلتف حول العوارض الخشبية صانعة تعريشة طبيعية تفيض بالجمال والبهجة في زقاق السبعة الهادئ. لقد أثبت الزمن أن رؤية المعماري لم تكن مجرد رسم على ورق، بل كانت بذوراً لحياة حقيقية مكتملة تزداد جمالاً مع السنين.

خلف واجهات التسويق: الوجه الحقيقي للمجمعات السكنية


جمال الهمالي اللافي

في مجمعات العمارات السكنية، يتم الترويج لها بصور خلابة تُبرز الفاعل الاجتماعي، وتصور الناس وهم يستفيدون من المساحات الخضراء وأماكن الجلوس المريحة. ولا شك أن هذه المجمعات تبدو ظاهرياً أفضل بكثير من تلك التي تخلو من المعالجات البيئية والمسطحات الخضراء.

ولكن، على أرض الواقع، يصطدم هذا التصور بتحديات بنيوية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. إن هذا النمط العمراني، القائم على التكديس الرأسي، غالباً ما يفشل في خلق بيئة حاضنة؛ حيث يغلب على قاطنيها الشعور بالعزلة وانعدام الأمان، مما يدفعهم للانكفاء داخل شققهم بدلاً من التفاعل مع المحيط السكاني. حتى في المجتمعات التي يسودها القانون، يظل هذا النمط "صامتاً" اجتماعياً، حيث تذوب الروابط الإنسانية وتتحول المجمعات إلى مجرد كتل خرسانية يغيب عنها نبض الحياة.

إن التاريخ العمراني يقدم لنا دروساً قاسية في هذا الصدد؛ ولعل "مشروع إيغو-إيغو" في مدينة سانت لويس الأمريكية يظل الشاهد الأبرز على فشل هذا التوجه. فقد تحول هذا المشروع، الذي صُمم ليكون نموذجاً للإسكان المثالي، إلى بؤرة للجريمة والانهيار الاجتماعي، مما أدى في النهاية إلى تدميره بالكامل. لم يكن ذلك مجرد هدمٍ للمباني، بل كان اعترافاً صريحاً بأن التخطيط الذي يغفل الحاجات النفسية والاجتماعية للإنسان لا يمكنه الصمود.

وفي سياقنا المحلي، تتفاقم الإشكالية؛ إذ يجمع هذا النمط خليطاً غير متجانس في حيز مكاني ضيق دون معايير واضحة للتعايش، مما يجعل من الانسجام الاجتماعي أمراً شبه مستحيل، ويحول المساحات المشتركة إلى نقاط توتر أو صدامات يومية نتيجة الزحام.

والأخطر من ذلك، هو تحول هذه المجمعات -في ظل غياب الرقابة المجتمعية والترابط الحقيقي بين الجيران- إلى بؤر جاذبة للجريمة، ومناطق خصبة لترويج وتعاطي المخدرات، حيث تتحول هذه المجمعات إلى أسواق مغرية للاستثمار في أنشطة غير قانونية، مستغلةً حالة العزلة التي يعيشها السكان وانعدام الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه المحيط، مما يجعلها واقعاً بعيداً كل البعد عن الوعود التسويقية التي رُوِّج لها كأحلام سكنية.

الأربعاء، مايو 20، 2026

هدمت الجدران وانطلقت

 


جمال الهمالي اللافي

هذه ليست مجرد محطات في سيرة مهنية، بل هي شهادة وجودية ومسيرة إنسانية تشكلت ملامحها من قيم العطاء من أجل غاية سامية، والإيمان بقضية تستوجب التضحية لأجلها، والعمل المخلص المرتكز على ثقة مفرطة في الآخرين، وضمير مهني لم يسجل طوال عقود أي موقف يخل بالتزاماته الأخلاقية.

1.      الجذور والصدام الأول: معركة "حوش العيلة"

عندما التحقت بقسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس، كانت بوصلتي الفكرية متجهة نحو غاية واضحة ومحددة: إعادة الاعتبار لـ «حوش العيلة»؛ ذلك الفراغ الإنساني الحميم الذي يلم شتات العائلة الممتدة من الجدين والوالدين والأبناء والأحفاد، كرمز للأصالة الاجتماعية والعمرانية. بدأت ملامح هذا التوجه تظهر في أول محاولاتي التصميمية عبر حلول المساقط الأفقية والواجهات، لكن هذا المنحى التأصيلي لم يرُق لأساتذة المادة الدراسية الذين استوطنهم المنهج التغريبي.

كانت درجة (10/1) هي التقييم الثابت الذي يلازم كل مشروع أقدمه. ورغم رسوبي وإعادتي للمادة، تكرر الترصد والتقييم ذاته من الأستاذين نفسيهما. وحين ذهبت لأحدهما مستفسراً عن مكمن الخلل في مشاريعي، أجابني بقسوة: "ما تصممه ليس له وجود إلا في المقابر!".

لم يكن الأمر مجرد خلاف عابر، بل كان صداماً حتمياً بين منهج تغريبي جاف وبين طالب يحمل براءة التمسك بالهوية، مدفوعاً بثقة مفرطة في أن صدق الفكرة وقوة نبلها كفيلان بإقناع الآخرين. لم يثنني ذلك الإقصاء الأكاديمي عن مواصلة طريقي؛ فقضيت عشر سنوات كاملة بين أروقة القسم، أجاهد لإتمام مواد المنهج الدراسي، لا طمعاً في درجات عالية بات نيلها مستحيلاً في ظل هذا المناخ، بل رغبةً في بلوغ أعلى مراتب الوعي بكل ما يمس هذا المجال من تفاصيل.

ورغم فصلي من كلية الهندسة لاحقاً بسبب ضعف المعدل العام الناتج عن هذا الترصد الممنهج - بعد أن أتممت مواد المنهج وناقشت المرحلة الأولى من مشروع التخرج- إلا أنني خرجت برؤية لم تزدها الأيام إلا صلابة. أذكر جيداً نبرة السخرية التي تلا بها أحد المناقشين ملاحظاته في تلك الجلسة الأخيرة، وكأنه لا يحاكم مساقطي الأفقية لـ «حوش العيلة»، بل يحاكم انتمائي وتشبثي بالتراب المحلي، متعمداً تقزيم الحلول الفراغية التقليدية أمام زملائه. من ظن أنه بفصلي سيوقف مسيرتي نحو تأصيل العمارة المحلية، لم يدرك أنه كان يدفعني دفعاً إلى ميدانها العملي الحقيقي.

2.      المدينة القديمة بطرابلس: خيار الهوية لا الفخامة

في العام 1982 وخلال فترة دراستي بقسم العمارة، وأثناء زيارة للوالد (رحمه الله وغفر له) بمكتبه في المكتب الوطني الاستشاري بزاوية الدهماني، طلب مني سرعة التخرج للالتحاق بالعمل معه في ذلك الصرح الاستشاري الفخم. لكنني، وبرؤية كانت قد بدأت تتشكل بوضوح في وجداني، أجبته بيقين: "مكاني سيكون في المدينة القديمة، وليس في المكاتب الفخمة".

لم يكن في تلك السنة وجود لأي جهاز مهمته إدارة المدينة القديمة وترميمها وصيانتها، حيث تأسس هذا الجهاز لاحقاً في العام 1983.

وفي عام 1990، تحقق ذلك الهدف والتحقت بالعمل بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس. لم يكن خياراً عشوائياً، بل خطوة مبرمجة ومقصودة لتكون منصة انطلاقي نحو تأصيل عمارة ليبية معاصرة مستمدة من عمق تاريخنا وحضارتنا.

هناك، فتحت لي آفاق جديدة وتحديات مريرة في آن واحد. بدأت باقتراح برامج لتطوير العمل ومتابعة أعمال الترميم والصيانة. ورغم أنني لم أكلف رسمياً بمتابعة ترميم المعالم التاريخية الكبرى كـ «حوش القره مانللي» و«القنصلية الإنجليزية» - حيث كُلّف بها زملاء وزميلات في الإدارة الهندسية- إلا أن عجزهم عن تحريك تلك الأعمال وغياب رؤيتهم الاستراتيجية لما يجب فعله كان يحز في نفسي.

خلال زياراتي الميدانية المستمرة لتلك المواقع، كنت أجد "أسطى" البناء القدير محمد العماري والمهندس الإنشائي عبد الحميد الضاوي يقفون حائرين يتساءلون عما يجب فعله. هنا، كنت أتجاوز التراتبية الإدارية العقيمة وأمنحهم التوجيهات الفنية والحلول الميدانية اللازمة التي مكنتهم من إنجاز أعمال الترميم والصيانة بنجاح. كنت أكتفي برؤية الجدران التاريخية تستعيد عافيتها، دون أن أسجل تلك التدخلات كإنجازات شخصية في تقاريري الرسمية؛ فالعطاء الصادق الذي تربيت عليه كان يملي عليّ دائماً أن مصلحة الأثر تسبق وتتفوق على أي بروتوكول إداري.

ولأنني آمنت بأن نقل الوعي رسالة تستحق التضحية، أسست برنامجاً للتدريب الصيفي لطلبة قسم العمارة والتخطيط العمراني في السنتين الأولين، ثم ألحقت بهم طلبة كلية الفنون الجميلة بأقسامها المتعددة. أشرفت بنفسي على متابعة ست دورات تدريبية متتالية، محاولاً غرس بذور الأصالة والوعي العملي في عقول الأجيال الشابة، قبل أن تمتد البيروقراطية الإدارية وتتحرك الرغبة في المحافظة على ركود المكاتب ورتابتها لتعيق هذا النشاط، فصدرت القرارات المتلاحقة بإيقاف التمويل وتجفيف منابع البرنامج حتى توقف تماماً.

3.      العهد وتأسيس "الميراث": هدمت الجدران وانطلقت

وسط عواصف العمل والضغوط والمحاولات المتكررة لتقييد حركتي داخل مشروع المدينة القديمة، كان لا بد من خلق مساحات جديدة للتعبير عن الرؤية الذاتية كمتنفس حر يوازي قيود البيروقراطية. في العام 1983، أسست مكتب «الميراث للأعمال الهندسية».

وفي ذلك العام، دار بيني وبين زميلة في مكتبنا المشترك حديث طويل عن مسيرتي والعراقيل التي تحيط بي، فختمته بجملة نبعت من أعمق نقطة في روحي، وصارت بمثابة عهد أبدي لا رجعة فيه: "لا أحد يمكنه إيقاف مسيرتي. إن أغلقوا عليّ باباً، خرجت من الشباك. وإن أوصدوا النوافذ بكل إحكام، هدمت الجدران وانطلقت."

كان هذا العهد بمثابة إعلان موقف وجودي وصيحة ميلاد جديدة لعزمي؛ أن لا أتوقف مهما بلغت الصعاب، وأن يتحول كل إقصاء إلى قوة دافعة للانطلاق والمواصلة.

4.      فخ الثقة المفرطة والطعنة الأخيرة

طوال مسيرتي، كنت المحرض الأول والمهندس الفكري لجميع المكاتب الهندسية والاستشارية التي أسستها ووضعت منهجياتها وأهدافها. ولأنني كنت مشبعاً بقيم تضع العطاء وتأصيل الهوية فوق المصالح الضيقة، فقد كنت أتعامل مع الجميع بثقة مفرطة، دون توجس أو سوء ظن.

لكن هذه الثقة كانت تصطدم أحياناً بتباعد الرؤى؛ فبينما كنت أرى المكاتب فضاءات فكرية لخدمة قضية العمارة المحلية، كان الشركاء ينجذبون تدريجياً نحو الحسابات المادية ولغة الأرقام وتصدير الأسماء على اللوحات الهندسية، مما أدى تباعاً إلى تعثر مكتب «الميراث للأعمال الهندسية» ثم مكتب «أبعاد مهندسون استشاريون» الذي أسسته بعد أن غادرت مشروع المدينة القديمة نهائياً عام 2001 بعد أحد عشر عاماً من العمل المضني.

لم ينكسر إيماني بالناس، فأسست بعدها مكتب «المدرسة الليبية للعمارة والفنون» في مقر شيدت أركانه الفكرية والمنهجية قبل جدرانه الأسمنتية في حديقة بيتي. احتضنت هناك الخريجين الجدد من قسم العمارة وكلية الفنون، وباشرنا العمل تحت قيادتي وتوجيهي لمدة أربعة أعوام كاملة.

وفي العام الأخير، وتأكيداً على حسن نيتي ورغبتي في تقديم يد العون للجميع، اقترحت تسجيل المكتب في نقابة المهندسين كمكتب استشاري، وأشركت فيه زميل دراسة قديم وعضو هيئة تدريس بقسم العمارة بعد عودته من دراسة الماجستير. استقبلته في مكتبي، ووفرت له مساحته الخاصة دون أن أحمله أي أعباء مالية أو مهام ثقيلة.

لكن، وبعد إشهار المكتب باسمه واسم زميل آخر، بدأت الهوة تتسع بين رؤيتي ورؤيته في التعامل مع المهندسين الشباب الذين ضاقوا به ذرعاً واشتكوا إليّ. وحين دعوت لعقد اجتماع لتصفية النفوس والتفاهم، فوجئت به يحمل ملفاً ضخماً، معلناً رغبته في "المحاسبة المالية"، ليفاجئني بصفعة كلامية لم أتوقعها ولم أستعد لها يوماً: "وأنت شن درت؟".

لجمتني الصدمة وعقدت لساني؛ فالسؤال لم يكن ينكر جهدي المادي والمعنوي وتأسيسي للمكان في بيتي فحسب، بل كان يضرب في العمق مبدأ الثقة المطلقة التي بنيت عليها كل تعاملاتي الإنسانية والمهنية. وما زاد من ثقل الصدمة هو التزام المهندسين الشباب الصمت؛ ربما ذهولاً من هول اللحظة أو هيبةً من نفوذ صفته الأكاديمية بالجامعة.

في تلك اللحظة الصادمة، كان قراري حاسماً ومباشراً: إغلاق المكتب وتسريح الجميع. ورغم مرارة الموقف، خرجت من تلك التجربة برأس مرفوع؛ فخلال كل تلك الرحلة الطويلة والمليئة بالمنعطفات والتقلبات، لم يسجل أحد ممن تعاملت معهم أي موقف يخل بالتزاماتي الأخلاقية أو أمانتي المهنية. بقيت تلك التجربة شاهدة على أن الفكرة أسمى من الأشخاص، وأن من يبني بالثقة والصدق لا تكسره المواقف العابرة.

5.      الانبعاث: الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي

اليوم، وبعد عقود من العمل المكتبي والصمت الطويل، أدركت أن المعركة الفكرية من أجل الأصالة يجب أن تخاض في فضاء علمي خالص، بعيداً عن حسابات المصالح المادية والتوقعات الفردية الضيقة.

انطلاقتي الجديدة والنهائية اخترتها أن تكون من «الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي»؛ هذا الكيان العلمي الأصيل الذي أرسيت منهجه وأشهرته بنفسي في عام 2006.

تمضي الجمعية اليوم في مسارها الجديد، متجاوزة خيبات الماضي، رافعة راية النهضة العمرانية الحقيقية والفنون الحرفية المرتبطة بها، ومؤكدة أن لا مكان فيها إلا للمخلصين الذين يؤمنون -كما آمنت يوم وقفت أمام أساتذتي في الجامعة وفي أزقة المدينة القديمة- بأن العمارة والفنون ليست مجرد وسيلة لتحقيق الكسب، بل هي كرامة هذا الوطن، وهويته، ورفعته بين الأمم.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...