أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يونيو 13، 2025

بنيوية العمارة الليبية المعاصرة: استعادة الهوية من الجذور

 

جمال الهمالي اللافي

إن العمارة ليست مجرد قوالب صماء أو تراكيب وظيفية؛ إنها مرآة تعكس الروح الجمعية لمجتمعها، وتجسد قيمه وتطلعاته. في خضم التحديات التي تواجه المدن المعاصرة، تبرز الحاجة الملحة إلى وقفة مراجعة حقيقية مع الذات. فالسعي وراء الأوهام المعمارية المستوردة أو التصميمات العشوائية هو سراب لا ينتهي، يقود المدن وأهلها إلى متاهات الضياع وفقدان الهوية. هنا، تكمن ضرورة العودة إلى الجذور كفلسفة معمارية وحضرية أصيلة. 

العودة إلى الجذور: إحياء القيم المعمارية

إن مفهوم "العودة إلى الجذور" في السياق المعماري يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي أو تقليد الأشكال القديمة. إنه دعوة لإعادة الاتصال بالجواهر الخالدة والمبادئ الأساسية التي شكلت هويتنا المعمارية عبر العصور. هذا يعني التركيز على القيم الجوهرية التي تحملها عمارة الأجداد ضمن سياقها الثقافي والبيئي والاجتماعي. فالعمارة الليبية التقليدية، على سبيل المثال، لم تكن مجرد فن بناء، بل كانت تجسيدًا حيًا لفهم عميق لـماهية الحياة السعيدة التي يجب أن يحياها المسلم". لقد ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمفاهيم الإسلامية للحياة، التي تشمل الخصوصية، الترابط الأسري، الضيافة، والانسجام مع البيئة. 

المسكن التقليدي: بوتقة تشكيل الهوية والقيم

لا يوجد مثال أوضح لتجسيد هذه العلاقة الوثيقة بين العمارة والقيم من المسكن التقليدي. لم يكن هذا المسكن مجرد مأوى، بل كان "بوتقة" حقيقية تحتضن ولادة المسلم ونموه الإدراكي وتنامي مشاعره، وتشكل قيمه التي سيسير على خطاها مدى عمره. لقد بُنيت أساساته ورُفعت أركانه على مبادئ الشريعة الإسلامية، ترجمةً لأسس الحياة الإسلامية السعيدة.

تتجلى هذه المبادئ في عناصر تصميمية دقيقة:

·     الخصوصية والستر: يُعد الفناء الداخلي (الحوش) هو القلب النابض للمسكن، حيث يضمن الخصوصية الكاملة للأسرة ويحميها من أعين المتطفلين. الجدران العالية والنوافذ القليلة المطلة على الشارع تؤكد هذا المبدأ، مما يخلق ملاذًا آمنًا وهادئًا للحياة الأسرية.

·     الترابط الأسري والتواصل: الفناء الداخلي ليس فقط خاصًا بل هو أيضًا مساحة مركزية للتجمع الأسري، حيث تتفاعل الأجيال وتنمو العلاقات في بيئة مفتوحة ومريحة تحت السماء.

·     التهوية والإضاءة الطبيعية: يضمن الفناء دخول الضوء والهواء النقيين إلى جميع غرف المنزل، مما يوفر بيئة صحية ومريحة، ويعكس الانسجام مع الطبيعة المحيطة.

·     الضيافة والكرم: على الرغم من الخصوصية، كانت هناك دائمًا مساحات مخصصة لاستقبال الضيوف (مثل الديوان أو المجالس)، مما يعكس قيمة الكرم والضيافة المتأصلة في الثقافة الإسلامية.

·     البساطة والجمال الوظيفي: كانت التصميمات تتسم بالبساطة الأنيقة والجمال المستمد من الوظيفة، مع استخدام مواد طبيعية متوفرة محليًا، مما يعزز قيم الاستدامة والاعتماد على الذات. 

تشريع الهوية: نحو بيئة عمرانية إسلامية أصيلة

لتحقيق رؤية أعمق وأكثر استدامة، لا يكفي الاكتفاء بالدراسات أو المبادرات الفردية. إن الخطوة الجريئة والمحورية تكمن في دمج أحكام البنيان الإسلامية ضمن التشريعات المنظمة لتصميم المشاريع العمرانية والحضرية، والتخطيط المديني، والتصميم الداخلي، وحتى التفاصيل المعمارية والزخرفية. هذا التوجه سيضمن أن البيئة العمرانية الجديدة ليست مجرد هياكل بلا روح، بل تعكس روح العقيدة الإسلامية بكل ما تحمله من معانٍ جمالية ووظيفية وأخلاقية.

هذا التكامل التشريعي يجب أن يغطي مستويات متعددة:

·     التخطيط المديني والحضري: يجب أن تشمل التشريعات مبادئ تخطيطية تعزز المقياس الإنساني للمدينة، وتدعم النسيج العمراني المتماسك الذي يعزز الجوار والتكافل الاجتماعي، مع مراعاة توفير المساحات الخضراء والمرافق العامة. يمكن أن تستلهم هذه التشريعات من تنظيم "الحارات" و"المدن العتيقة" التي كانت تعطي الأولوية للتواصل الاجتماعي والخصوصية في آن واحد.

·     التصميم المعماري للمباني: يجب أن تفرض اللوائح مبادئ تصميمية تعزز الخصوصية البصرية والصوتية داخل المساكن، وتشجع على استخدام الفناءات الداخلية، وتوجيه المباني بما يخدم المناخ المحلي (مثل استخدام المشربيات والعناصر التي توفر الظل والتبريد الطبيعي). كما يجب أن تشجع على استخدام المواد الطبيعية والمحلية التي تتناغم مع البيئة وتحكي قصة المكان.

·     التصميم الداخلي والتفاصيل المعمارية: يمكن للتشريعات أن توجه نحو تصميمات داخلية تحترم فصْل الفراغات (مثل فصْل استقبال الرجال عن النساء في بعض الثقافات)، وتشجع على استخدام الأنماط الزخرفية الإسلامية كالزخارف الهندسية والنباتية والخط العربي، والتي تعبر عن التوحيد والبعد عن التجسيد، وتضيف قيمة روحية وجمالية للفراغ.

هذا الإطار التشريعي سيعمل كآلية قوية لتصحيح الأخطاء التي خلقتها المدن العشوائية والعمارة "المغتربة" التي انفصلت عن سياقها الثقافي والديني، والتي أدت إلى ضياع الهوية والتفكك الاجتماعي في كثير من الأحياء والمناطق الحديثة. 

التحدي الأكبر: إرادة النظام السياسي

يبقى التحدي الأكبر، والذي يشكل العائق الأساسي أمام تحقيق هذه الرؤية الطموحة، هو غياب نظام سياسي يستوعب، بالعمق الكافي، أن تصحيح مسار المجتمع يبدأ من تخطيط مدنه ومشاريعها المعمارية وإحياء فنونها الحرفية على مبادئ العقيدة الإسلامية. فكثيرًا ما تُدار مشاريع التنمية العمرانية بمنطق اقتصادي بحت، أو تحت تأثير نماذج مستوردة، مما يهمل الأبعاد الثقافية والاجتماعية والروحية للمجتمع.

إن هذه التجربة المريرة، التي شهدناها مراراً في سياق العمل المدني والجهود المخلصة لجمعيات مثل الجمعية الليبية لإحياء التراث الثقافي وفق مبادئ الشريعة، حيث سُرقت الجهود ووُظفت لمآرب شخصية بعيدًا عن الغاية النبيلة، تترك شعورًا بالإحباط والعجز. ومع ذلك، فإن إدراك هذه العقبة لا يلغي صحة وضرورة الرؤية. بل يؤكد أن الطريق إلى استعادة بنيوية العمارة الليبية المعاصرة، بما يعكس هويتها وقيمها الإسلامية، يتطلب إرادة سياسية قوية وواعية تضع بناء الإنسان قبل بناء الحجر، وتدرك أن الفراغ العمراني هو في جوهره فضاءٌ لتشكيل الوعي والقيم، ومفتاحٌ لإعادة تصحيح مسار المجتمع نحو الازدهار والأصالة.

الأحد، يونيو 08، 2025

البساطة في العمارة: جوهر التعقيد والإبداع

النموذج الرابع للمسكن الطرابلسي المعاصر- تصميم 2025

جمال الهمالي اللا في

 

تُعد البساطة في العمارة حقيقة راسخة ومُسلّمة لا يستوعبها إلا القليل من المعماريين. إنها ليست مجرد تقليل أو تجريد سطحي، بل هي غاية في التعقيد تتطلب دراية عميقة، وعقلية ناضجة، وقدرة فائقة على الاختزال والتركيز. إن الوصول إلى التصميم البسيط لا يقل صعوبة عن التعامل مع التصاميم المعقدة، بل قد يفوقها، لأنه يقتضي فهمًا شاملًا لجوانب العمارة كافة.

لماذا تُعتبر البساطة معقدة؟

تحقيق البساطة في التصميم المعماري يستلزم من المعماري امتلاك مؤهلات فكرية ومهنية متقدمة:

·     معرفة عميقة وشاملة: يجب أن يمتلك المعماري فهمًا واسعًا للمبادئ المعمارية، وتاريخ العمارة، والثقافات المختلفة، إضافة إلى الإلمام بالمواد وتقنيات البناء. هذه المعرفة العميقة هي الأساس الذي يُمكن المعماري من تحديد الجوهر والاستغناء عن الزوائد.

·     رؤية واضحة ومحددة: تتطلب البساطة قدرة استثنائية على تحديد الأهداف الأساسية للتصميم، وتصفية الأفكار المعقدة للوصول إلى حلول واضحة ومباشرة تلبي المتطلبات الوظيفية والجمالية دون إقحام عناصر غير ضرورية.

·     مهارة فنية عالية في الاختزال: تكمن صعوبة البساطة في القدرة على ترجمة الأفكار المعقدة إلى صيغ تصميمية أنيقة ومختصرة. إنها فن "القول الكثير بالقليل"، حيث كل عنصر في التصميم يؤدي وظيفته الجمالية والوظيفية بكفاءة متناهية.

·     فهم دقيق لغايات العمارة ورسالتها: تتطلب البساطة إدراكًا عميقًا لوظيفة المبنى وكيف يخدم مستخدميه، بالإضافة إلى قدرته على التعبير عن رسالة معمارية واضحة ومؤثرة دون الحاجة إلى المبالغة أو التكلف.

في هذا السياق، غالبًا ما يخلط البعض بين البساطة والسهولة أو التقليلية السطحية. بينما البساطة الحقيقية هي نتاج عملية تصفية واختزال دقيقة، تهدف إلى الوصول إلى أنقى أشكال التعبير المعماري، حيث يكون لكل عنصر غرض ومكان محدد.

المبالغة المعمارية: أسباب ودوافع

في ظل صعوبة تحقيق البساطة، يميل العديد من المعماريين، ليس فقط في ليبيا بل عالميًا، إلى المبالغة في التصميم. هذه الظاهرة غالبًا ما تنبع من دوافع متعددة:

·     الرغبة في الإبهار والتميز: قد يرى بعض المعماريين أن التعقيد البصري والتفاصيل الزائدة هي السبيل الوحيد لجذب الانتباه أو إرضاء العملاء الذين قد يربطون "التصميم الجيد" بالتعقيد الظاهري أو الفخامة الزائفة.

·     نقص الثقة أو الفهم: قد يشعر البعض بأن التصميم البسيط قد يُفسر على أنه نقص في المهارة الإبداعية أو الفهم المعماري العميق، فيلجأون إلى إضافة طبقات من التعقيد لإخفاء هذا النقص.

·     سهولة الحلول المعقدة: قد يكون من الأسهل إضافة عناصر زخرفية وتفاصيل معقدة بدلًا من البحث المضني عن جوهر التصميم والوصول إلى حلول بسيطة ولكنها قوية وفعالة.

أمثلة عالمية تجسد مفهوم البساطة

على النقيض من تيار المبالغة، تزخر العمارة العالمية بالعديد من المشاريع التي حظيت بتقدير واسع بفضل بساطتها الخالدة. هذه المباني لم تعتمد على الزخرفة الزائدة أو التفاصيل المفرطة، بل على:

·         التوازن والتناسب: تحقيق الانسجام البصري من خلال العلاقات الصحيحة بين الكتل والفراغات.

·         الاستخدام الصادق للمواد: الكشف عن طبيعة المواد وجمالها الأصيل دون إخفائها أو تزيينها.

·         التعبير الواضح عن الوظيفة: دمج الوظيفة بجمالية في التصميم دون تعقيد غير مبرر.

هذا النمط من العمارة يصمد أمام اختبار الزمن لأنه يتجاوز الموضات العابرة ويركز على المبادئ الأساسية للتصميم الجيد والجمال الأصيل.

من أبرز الأمثلة التي تجسد هذه المبادئ:

1.      فيلا سافوي (Villa Savoye) - لو كوربوزييه (Le Corbusier)، بواسي، فرنسا (1929-1931):

·     تُعتبر هذه الفيلا رمزًا للعمارة الحداثية وتجسيدًا "للأسس الخمسة للعمارة الحديثة" التي وضعها لو كوربوزييه (الأعمدة، السطح المستوي، الواجهة الحرة، المخطط المفتوح، النوافذ الأفقية).

·     تتميز ببساطة الكتل الهندسية، والواجهات البيضاء النظيفة، والتركيز على الوظيفة والضوء الطبيعي. رغم بساطتها الظاهرية، فهي نتيجة لتفكير معماري عميق في الفضاء والحركة.

2.   بيت شلالات المياه (Fallingwater) - فرانك لويد رايت (Frank Lloyd Wright)، بينسفيل، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية (1936-1939):

·         على الرغم من اندماجه الفريد مع الطبيعة والتعقيدات الهيكلية في تنفيذه، إلا أن تصميمه يجسد بساطة جريئة في كتلته وشكله.

·     يعتمد على الكتل الخرسانية الأفقية البارزة التي تتشابك مع التكوينات الصخرية الطبيعية والشلال، مع استخدام المواد الطبيعية كالحجر. البساطة هنا في العودة إلى الجوهر والاندماج مع البيئة.

هذه الأمثلة تظهر أن البساطة في العمارة لا تعني غياب التفكير أو التفاصيل، بل هي نتيجة لتفكير عميق، وفهم للمواد، وتركيز على الجوهر، مما يؤدي إلى مبانٍ خالدة تتحدث عن نفسها دون الحاجة إلى المبالغة.

عمارة التفكيك: منظور نقدي

في خضم هذا النقاش حول البساطة، تجدر الإشارة إلى مدارس معمارية مثل عمارة التفكيك (Deconstructivism)، التي يمثلها معماريون مثل زها حديد وفرانك جيري. هذه المدارس غالبًا ما تتحدى المفاهيم التقليدية للجمال، والوظيفة، والبناء، وتركز على التعبير الفني والتشوه الهيكلي.

من منظور نقدي معماري، يمكن النظر إلى بعض أعمال هذه المدرسة على أنها تحدٍّ للمبادئ الأساسية التي تقوم عليها العمارة. أرى ويتفق معي آخرون أنها تفتقر إلى المسؤولية الاجتماعية والوظيفية، وتُعد مجرد صرعات عابرة تفتقر إلى الاستدامة والبساطة الخالدة التي تميز العمارة الأصيلة. إنها تختلف عن البساطة لأنها غالبًا ما تضيف طبقات من التعقيد الشكلي بدلاً من اختزالها إلى الجوهر.

 

في الختام، البساطة في العمارة ليست غيابًا للتعقيد، بل هي نتيجة لتفكير عميق، وفهم للمواد، وتركيز على الجوهر، مما يؤدي إلى مبانٍ خالدة تتحدث عن نفسها دون الحاجة إلى المبالغة أو التكلف. إنها شهادة على أن الفهم العميق للعمارة يكمن في القدرة على التعبير عن الأفكار الكبيرة بأقل الكلمات المعمارية الممكنة.


الجمعة، مايو 30، 2025

في مواجهة غياب الأصالة: تأملات في العمارة الليبية المعاصرة وجذور الإشكالية

 

جمال الهمالي اللافي

لا يمكن تأسيس معمار إسلامي، إنساني، أخلاقي في كنف سائد يتجاهل الجذور؛ إنه سعي مضاد للتيار، محكوم عليه بالمقاومة، بالإقصاء، وبالصمت. الكلمة لن تتجاوز حدود مدادها، والمشاريع ستُوأد في دروب الإهمال، يلاحقها الإنكار والتشكيك. في أعينهم، هي غربة؛ كل وميض أصيل يُخمد في مهده. سيعلن المنادي أن كلفته باهظة، وأن أيدي عمالته الفنية التي طالما أبدعت في فنون البناء التقليدية قد تلاشت، وأن مواده الطبيعية الأصيلة باتت شحيحة في سوق يسيطر عليه المستورد والجاهز. سيزعمون أن طرازه عفا عليه الزمن، وأنه يعجز عن مواكبة روح العصر، التي يفسرونها بتبني النمط العالمي الموحّد دون تمحيص، متجاهلين أن الأصالة هي جوهر المعاصرة الحقيقية.

إن جذور هذه الإشكالية تمتد عميقاً في بنية الوعي الجمعي والسياسات الثقافية والتنموية. فبعد عقود من التهميش الممنهج للهوية المعمارية المحلية، وتغليب نماذج التنمية المستوردة التي لا تراعي السياق الثقافي ولا الجغرافي، ترسخ الانطباع بأن كل ما هو "حديث" يجب أن يكون قادماً من الخارج. أصبح "التطور" مرادفاً لـ"التبعية"، و"الحداثة" تُختزل في الاستنساخ البصري لمفردات غريبة عن روح المكان والإنسان.

لقد غابت المبادرات الحكومية والمؤسساتية الفاعلة لدعم البحث في العماره التراثية وتأهيل الحرفيين والعمالة المتخصصة في تقنيات البناء التقليدية، كما تم إهمال إنتاج وتطوير مواد البناء المحلية التي كانت تشكل أساس عمارة تاريخية غنية. بل الأدهى من ذلك، أن تدهور الوعي الجمالي العام قد أدى إلى تراجع الحس النقدي، فبات أي "جديد" يُقبل دون تفكير في مدى تناغمه مع الذاكرة البصرية للمدينة والقرية، أو مدى تلبيته للاحتياجات الروحية والاجتماعية للسكان.

إن هذا التماهي في التبعية والانسلاخ عن القيم ليس مجرد جهل، بل هو في كثير من الأحيان خيار واعٍ، مدفوعاً بقناعة بأن طريق التقدم الوحيد يكمن في التخلي عن "الماضي" لصالح "المستقبل" المزعوم، الذي هو في حقيقته استهلاك لما هو سائد عالمياً. هؤلاء المعارضون يمتلكون قيماً مختلفة تماماً، تتناقض وتتضارب مع الدعوة للأصالة. ولذا، فإن إهدار الوقت والجهد في محاولة إقناع من اختار هذا الطريق عن قناعة هو محض عبث، ولن يقود إلا إلى صراعات لا طائل منها.

ويبقى السؤال المُرّ يطرح نفسه:

هل سيؤول هذا الإصرار إلى تنازل؟

وسيبقى الجواب الصادح يتردد:

لا، أبداً.

فما قيمة الإنسان دون مبدأ راسخ يوجه بوصلته؟

وما جدوى العقل دون رؤية تُضيء دروبه نحو البناء المستنير؟

وما معنى الروح دون انتماءٍ لجذورها العميقة التي تمنحها الثبات والقوة؟

وأي قيمة لإنجاز معماري يُفتقد الأصالة، فلا يحمل بصمة المكان والإنسان، ولا يروي حكاية حضارة؟

الاثنين، مايو 26، 2025

مدرسة العمل الجماعي: دروس من مكاتب العمارة الكبرى وتحديات الواقع الليبي


 

جمال الهمالي اللافي

لطالما كانت مكاتب العمارة الكبرى، عبر التاريخ، بمثابة مدارس حقيقية لصقل المواهب وتشكيل الرؤى المستقبلية للمهنة. الصورة المرفقة، والتي تُظهر عدداً كبيراً من المهندسين والمعماريين يعملون جنباً إلى جنب في مساحة مشتركة، تجسد بوضوح هذا المفهوم. هذه المشاهد ليست مجرد لقطات أرشيفية من الماضي، بل هي شواهد على نهج مهني عميق الأثر كان يسعى إلى بناء القدرات وتوريث الخبرة.

نموذج التعلم بالانغماس:

إن التجمع الكثيف للمعماريين، رجالاً ونساءً، في مكتب واحد لإنجاز المراحل الأخيرة من مشروع ضخم صممه معماري بارز، لم يكن مجرد ترتيب لوجستي. لقد كان، في جوهره، نظاماً تعليمياً قائماً على الانغماس والممارسة المكثفة. الهدف الأساسي لم يكن حصر العمل في يد معماري واحد، بل تمكين هذا "المعلم" من نقل فلسفته المعمارية، منهجيته التصميمية، وتفاصيل رؤيته الفنية لجيل من المهندسين الشباب.

لم يكن الدافع وراء هذا الالتزام هو الكسب المادي في المقام الأول، بل كان شغفاً بالتعلم العميق وتشرباً لفكر المعماري الذي آمنوا بمقاربته كسبيل نحو عمارة المستقبل في زمنهم. هذا النوع من التتلمذ، الذي يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي النظري، يوفر للمتخرجين فرصة لا تقدر بثمن لاكتساب الخبرة العملية، فهم تعقيدات المشاريع الكبرى، وتطبيق المبادئ النظرية في سياقات واقعية. إنه يهيئهم للانطلاق في عالم المهنة بأساس متين من الخبرة والممارسة المستقاة من العمل الجماعي تحت إشراف مباشر.

الواقع الليبي: فجوة بين الطموح والخبرة:

على النقيض من هذا النموذج البناء، يواجه الواقع المعماري في ليبيا تحديات جسيمة، خاصة فيما يتعلق بتأهيل الأجيال الجديدة من المعماريين. للأسف، يتخرج العديد من أقسام العمارة في ليبيا وفي أذهانهم تصور مغلوط عن مدى إتقانهم للمهنة. هذا "الريش المنتفخ" أو الشعور المبالغ فيه بالذات، يؤدي إلى اعتقاد خاطئ بأنهم قد بلغوا ذروة الإبداع والمهارة، مما يجعلهم في غنى عن التتلمذ على يد خبرات معمارية لها تجربتها العميقة ورؤيتها المعمارية الثاقبة.

هذا العزوف عن الانخراط في بيئة عمل جماعية تحت إشراف معماريين ذوي خبرة، يحرم هؤلاء الخريجين من فرصة لا تعوض لصقل مهاراتهم، وفهم تعقيدات السوق، واكتساب "الخبرة المطبخية" التي لا تُدرس في الجامعات. إنها الخبرة التي تكتسب من معالجة المشاكل المعمارية المعقدة، والتفاعل مع العملاء، وإدارة المشاريع، وفهم الجوانب التنفيذية التي لا غنى عنها لأي ممارس معماري ناجح.

النتائج على أرض الواقع:

تُفصح جودة العمارة في ليبيا، في الكثير من الأحيان، عن النتيجة المباشرة لهذه العقلية. فبدلاً من أن تكون العمارة مرآة للابتكار والإبداع والجودة، تتحول في بعض الأحيان إلى انعكاس لـ"عقلية مسطحة"، تفتقر إلى العمق والرؤية والفهم الشامل للمتطلبات المعمارية. هذا النقص في الخبرة المكتسبة من خلال الممارسة المنظمة والعمل الجماعي يؤدي إلى مشاريع تفتقر إلى الأصالة، الفاعلية، والجمالية، وتستوي في بعض الأحيان بـ"تراب الأرض الموحل" من حيث القيمة والتأثير.

نحو مستقبل معماري أفضل:

لإصلاح هذا المسار، يتطلب الأمر إعادة تقييم شاملة لكيفية تأهيل المعماريين الشباب في ليبيا. يجب أن تشجع الجامعات والمؤسسات المعمارية على إقامة روابط أقوى مع مكاتب العمارة المرموقة، وتسهيل برامج التوجيه والتدريب العملي. الأهم من ذلك، يجب غرس ثقافة التواضع المهني والإيمان بأهمية التعلم المستمر والتتلمذ على يد من سبقوهم. فالعمارة ليست مجرد موهبة فردية، بل هي أيضاً تراكم خبرات جماعية وموروث فكري وفني ينتقل عبر الأجيال. إن إعادة إحياء نموذج "مدرسة العمل الجماعي" في مكاتب العمارة الليبية هو السبيل نحو بناء جيل من المعماريين القادرين على صياغة مستقبل معماري يليق بطموحات البلاد.

الجمعة، مايو 16، 2025

عمارتنا الليبية التقليدية: فخر لنا، لا مجال للتشويه!

معالم من المعمار الليبي

جمال الهمالي اللافي

تخيل أن تسمع أحدهم يُرجع تاريخ أجدادك وحضارتهم إلى مكان آخر. هذا بالضبط ما نشعر به نحن الليبيين عندما تُنسب عمارة مدننا التقليدية، بكل ما فيها من إبداع وتفرد وقيمة فنية فريدة، إلى ثقافات بعيدة. هل يعقل أن تُنسب بيوت الحفر في غريان إلى مطماطة التونسية أو الصين؟ أو أن تُقارن عمارة غدامس ببيوت اليمن أو نجد أو مالي؟ أو أن تُعتبر بيوتنا الجبلية مجرد نسخ من العمارة الجبلية في اليونان أو إيطاليا؟ هذا المقال يناقش هذا التجاهل المؤسف لتراثنا المعماري الليبي ويدعو إلى وقفة جادة لحماية هويتنا.

يا أهلنا الكرام في ليبيا، كم يؤلمنا ويُثير غضبنا أن نسمع أو نقرأ يوميًا من ينسب عمارة مدننا التقليدية، بكل ما تحمله من أصالة وعبقرية وجمال، إلى ثقافات وحضارات أخرى. من غريان وبيوتها الحفرية الفريدة، مرورًا بغدامس وتصميمها المعماري المتكيف مع الصحراء، وصولًا إلى مدننا الجبلية وبيوتها الشامخة، تراث معماري عريق يُحاول البعض طمس هويته ونسبته زورًا. هذا المقال هو صرخة غيرة على هذا الإرث الحضاري الذي يمثل جزءًا أصيلًا من هويتنا الليبية.

بالنسبة لأهلنا في غريان: من غير المقبول بتاتًا أن يُنسب فن حفر البيوت في باطن الأرض، هذا الإبداع الهندسي الذي نشأ وترعرع في أرضكم ليناسب طبيعتها ومناخها، إلى أي مكان آخر. بيوت الحفر في غريان ليست مجرد مساكن، بل هي شاهد حي على ذكاء أجدادكم وقدرتهم على التكيف مع البيئة. إنها جزء أصيل من تاريخكم وثقافتكم.

وبالنسبة لأهلنا في غدامس: عمارتكم الفريدة، بتصميمها المتراص وشوارعها المسقوفة التي تحمي من حرارة الصحراء، هي بصمة خاصة بكم. لقد استلهم أجدادكم هذه التصاميم من بيئتهم وحاجاتهم، وهي تعكس عبقرية في استغلال الموارد المتاحة. من المؤسف حقًا محاولة ربط هذه العمارة المتميزة بأي نمط آخر.

وأمّا أهلنا في المدن الجبلية: فتلك البيوت الشامخة التي تتحدى وعورة التضاريس، والتي بُنيت بحجارة جبالكم الصلبة، هي دليل على قوة إرادتكم وعمق ارتباطكم بأرضكم. إنها تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المكان وانسجامًا فريدًا معه.

ولنا جميعًا كليبيين: من المحزن والمؤسف أن نرى هذا التجاهل لتراثنا المعماري الغني والمتنوع. إن عمارة مدننا التقليدية ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل هي جزء من ذاكرتنا الجماعية، وتحمل في طياتها قصصًا وحِكمًا وتعبيرًا عن هويتنا الليبية المتفردة.

إن هذا التداول الخاطئ للمعلومات، سواء كان ناتجًا عن جهل أو إهمال، يستدعي منا جميعًا وقفة جادة. علينا أن نعمل على نشر الوعي بقيمة هذا التراث وأصالته، وأن نُعرّف الأجيال القادمة بجماله وأهميته. يجب أن نفخر بعمارتنا التقليدية ونعتبرها جزءًا لا يتجزأ من هويتنا الوطنية.

فلنتكاتف جميعًا لحماية هذا الإرث الثقافي العظيم وتوريثه للأجيال القادمة بكل فخر واعتزاز.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...