أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، يناير 05، 2026

مدير أعمال للمعماري: تحول صامت وميثاق مهني مقترح

 


جمال الهمالي اللافي

في منشور مرّ دون أن يثير ضجيجاً أو نقاشاً يُذكر في الوسط الهندسي في حينه، دعا أحد المعماريين الأفاضل عبر صفحته للتواصل مع "مدير أعماله" لتنسيق شؤونه المهنية. ورغم أن الموضوع تم التعامل معه كمسألة شخصية تخص صاحبها، إلا أنه في جوهره يطرح تساؤلاً لم نعتد عليه في واقعنا المعماري المحلي حول طبيعة ممارسة المهنة وتحولاتها.

من النجومية إلى الممارسة المعمارية

من المتعارف عليه أن وظيفة "مدير الأعمال" ترتبط عادةً بعوالم الرياضة والفن، حيث تتركز المهمة على استجلاب الصفقات والتفاوض على العقود. لكن فكرة أن يحذو المعماري صاحب الخبرة -لا سيما في بيئتنا الليبية- هذا الحذو، هي فكرة استوقفتني وأعجبتني من حيث المبدأ؛ فالمعماري يجد نفسه غالباً مشتتاً بين مطرقة "الإبداع" وسندان "الإدارة".

إن وجود شخص يمتلك موهبة الإدارة وسعة العلاقات قد يكون "فاتحة خير"، ليس فقط لتنظيم وقت المعماري، بل لفتح فرص عيش لآخرين، شريطة أن تُبنى هذه الصفقات على أسس من النزاهة والوضوح (بالحلال). لكن السؤال الجوهري يظل: ما هي المهمة المنوطة بهذا المدير؟ هل هو "جسر" لتطوير العمل، أم "حاجز" للترفع عن التواصل مع الناس وتصريفهم بوعود واهية؟ إن إحسان الظن فضيلة، لكن التقنين ضرورة.

ميثاق أخلاقي مقترح لإدارة الأعمال المعمارية

    لكي لا تتحول هذه الوظيفة إلى أداة للانفصال عن الواقع أو وسيلة لتسليع الموهبة، نقترح مجموعة من المبادئ الأخلاقية لتأطير هذا المسار الجديد:

·     الشفافية والنزاهة (مبدأ الحلال): أن يكون دور مدير الأعمال هو "التسويق القائم على الكفاءة"، لضمان صفقات واضحة الشروط بعيدة عن المحسوبية، تضمن حقوق المعماري والزبون معاً.

·     الحفاظ على إنسانية التواصل: مدير الأعمال هو "منسق" وليس "ساتراً". لا يجوز استخدام هذه الوظيفة للتعالي على طالبي الخدمة؛ فالمعماري يجب أن يظل متصلاً بنبض الشارع واحتياجاته لكي لا تفقد حواسه بوصلتها الجمالية والاجتماعية.

·     الصدق في إدارة التوقعات: الالتزام بالشفافية في المواعيد بناءً على القدرة الاستيعابية للمكتب، والابتعاد عن "التصريف" بوعود مستقبلية كاذبة احتراماً لوقت الناس ومصالحهم.

·     حماية الهوية المعمارية: ألا يكون البحث عن الربح والنسبة المئوية دافعاً لقبول مشاريع تجارية تساهم في "تطبيع القبح" أو تشويه المشهد البصري، بل يجب أن يمثل مدير الأعمال "قيم المعماري" قبل مصالحه المادية.

·         الوضوح المالي: أن تكون العمولات معلومة ولا تؤثر بأي حال من الأحوال على جودة التنفيذ أو تضع أعباءً إضافية غير مبررة على كاهل الزبون.

خاتمة

    إننا أمام مجال جديد في مهنة العمارة، وجب تقنينه ليكون إضافة حقيقية للجميع. فإذا كان مدير الأعمال سيعين المعماري على التفرغ للإتقان والسمو بإنتاجه، فمرحباً به كشريك في النجاح، وإلا.. فسنقول حينها بمرارة: "جابت الدنيا ما عندها!".

الجمعة، يناير 02، 2026

المعماري بين هيبة "الملك" وعزلة "المُهمش": جذور السقوط في فخ القبح



جمال الهمالي اللافي

مقدمة من ذاكرة الدهشة:

    في مطلع الثمانينيات، وفي مشهدٍ يختصر الفجوة الحضارية بين وعيين، استضافت أختي (بصفتها رئيسة قسم تعليم الأجانب اللغة العربية) مجموعة من طالباتها الغربيات من جنسيات مختلفة، ألمانيات وفنلنديات وغيرهن. كان لقاءً بروتوكوليّاً عادياً حتى اللحظة التي عُرّفتُ فيها كطالب في قسم العمارة؛ حينها، حدث ما لم يكن في الحسبان. لمعت أعينهن جميعاً، وصدرت عنهن حركة وقار موحدة وكأنني "شخص غير عادي" يقف أمامهن. وعند سؤالهن عن سر هذا الانبهار، أتى الجواب بصوت واحد: "مكانة المعماري في بلادنا بمثابة الملك".

    هذه اللمعة لم تكن مجرد تقدير لمهنة، بل كانت انعكاساً لوعي شعوب تدرك أن المعماري هو "حارس الجمال" ومنظم الوجود. لكن، وبكل أسى، نجد هذا "الملك" في واقعنا العربي قد أُسقط من عرشه ليحل محله نجوم الطرب والتمثيل.

واقع التهميش العربي:

    بينما يُتوج المعماري مَلِكاً في الغرب، نجد مقامَه في عالمنا العربي قد أُسقط في حضيض التهميش. وكما يشير المعماري المصري عبد الواحد الوكيل، فإن وزارة الثقافة عندهم لا تولي اهتماماً بغير عالم الطرب والتمثيل. وأضيف عليها أنا المؤسسة الإعلامية بمنظوماتها المتعددة؛ إن التغطيات، والمهرجانات، والجوائز التقديرية تُنحر تحت أقدام "الفن الاستهلاكي"، بينما يُحرم المعماريون والمصممون والمهندسون حتى من "طرف العين" المؤسسي.

المحاور التحليلية للأزمة:

1. المؤسسة الرسمية و"تطبيع القبح"

    هذا التحيز المؤسسي ليس مجرد خطأ إداري، بل هو المحرك الأساسي لما أسميناه سابقاً "تطبيع القبح". فعندما يُغيب المعماري عن المشهد، تفقد الحواس بوصلتها، ويصبح القبح العمراني هو "المألوف" الجديد، وتتحول مدننا من مشاريع حضارية إلى عشوائيات ومبانٍ من صفيح.

2. غياب "الجليس الصالح" للمدن

    بالإسقاط على الحديث الشريف: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير"، نجد أن المعماري في الغرب هو حامل المسك الذي يحظى بتقدير الملوك لأن أثره يفوح في كل شارع وزاوية. أما في مجتمعاتنا، فقد استُبدل هذا الجليس بصناع الترفيه العابر، فخسرنا "ريح الجمال" ووقعنا في "ريح التخلف" وبقايا تجارب الغرب المرفوضة، وهو ما يجسد تماماً أثر نافخ الكير الذي يحرق ثياب الهوية العمرانية.

3. المعماري والومضة الذهبية

    إن التفاوت الذي لمسته في عيون تلك السيدات يفسر أزمة "الومضة الذهبية" عندنا. الغرب يرى في العمارة صلة وصل بين الزمن والهوية، لذا يقدسون المعماري لأنه يمنحهم الاستمرار. أما نحن، فقد فصلنا بين "الزمن" و"الهوية"؛ فنحن نستهلك اللحظة في الطرب والتمثيل (الومضة العابرة)، ونهمش المعماري الذي يصنع "المكان" الدائم.

4. الانهيار الحضاري: من التخطيط إلى العشوائية

    هذا السقوط من "مقام الملوك" إلى "حضيض المهمشين" هو الذي يفسر لماذا تقف مدنهم كمخططات مدروسة، بينما تغرق مدننا في العشوائية. إنها أزمة قيم قبل أن تكون أزمة بناء:

·         في الغرب: المعماري يصنع مقومات الحضارة.

·         في الشرق: تهميش المعماري يرسخ مظاهر التخلف.

رسالة مفتوحة إلى "سدنة الثقافة" ومنظومات الإعلام: كفى تهميشاً لصنّاع الحضارة

    إن الفجوة التي تبدأ من "لمعة عين" سيدة غربية وتنتهي بـ "مباني الصفيح" في مدننا، ليست مجرد صدفة، بل هي نتاج سياسات إقصائية ممنهجة. لذا، نوجه هذه الرسالة إلى وزارة الثقافة والمؤسسة الإعلامية العربية:

1.   كفوا عن "تطبيع القبح" بمهرجانات الطرب: إن حصر مفهوم "الإبداع" في الحنجرة والتمثيل فقط هو قصر نظر حضاري. بينما تنفقون الميزانيات الضخمة على مهرجانات تنتهي بانتهاء التصفيق، تنهار مدننا بصرياً لأنكم غيبتم المعماري—"الجليس الصالح" للمدن—عن المنصات التقديرية.

2.   استعادة "مقام الملك" للمعماري: إن المعماري ليس تقنياً ينفذ الأوامر، بل هو "ملك" الفراغ وصاحب الرؤية السيادية على المكان. إن استمرار تجاهلكم لهذا الدور يحول مبدعينا إلى "مهمشين" يبحثون عن تقديرهم في الخارج، بينما تظل ساحاتنا العمرانية مرتعاً لعشوائية "نافخ الكير".

3.   العمارة هي "الومضة" التي لا تنطفئ: إذا كانت الفنون الأخرى تقدم متعة "اللحظة"، فإن العمارة هي الفن الذي يربط الزمن بالهوية. إنكم بتهميشكم للمعماري والمصمم، تكرسون حالة "الومضة الذهبية" المبتورة؛ حيث نعيش في زمن بلا هوية مكانية واضحة.

4.   نداء للتغيير قبل السقوط التام: إن المدن العشوائية التي تحيط بنا هي "شهادة إدانة" ضد كل مؤسسة أغمضت طرفها عن المعماري. المطلوب اليوم ثورة في الوعي المؤسسي تضع المعماري في مكانه الطبيعي؛ كقائد للتحضر ومصحح للمسار البصري.

خاتمة وخلاصة

    لقد أدركت تلك السيدات الغربيات في الثمانينيات ما لم تدركه مؤسساتنا حتى اليوم: أن هيبة المعماري من هيبة الوطن. إن تلك الحركة الموحدة التي صدرت عن السيدات الألمانيات والفنلنديات كانت اعترافاً صريحاً بالسيادة. وبدون استعادة هذه "السيادة" للمعماري العربي، وبدون أن تلتفت إليه المؤسسات الثقافية بتقدير حقيقي، سنبقى نعيش في "أخطاء التجربة" التي يرميها الغرب خلفه، ونظل نكرس القبح كواقع لا مفر منه، حتى نفقد آخر ما يربطنا بمفهوم الحضارة.

الأربعاء، ديسمبر 31، 2025

التجربة النقدية المعمارية في ليبيا: ملامح الغياب وأفق الوجود.


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

في مثل هذا اليوم من عام 2017 نشرت مقالة على صفحتي بالفيسبوك ومدونتي الميراث حول غياب النقد المعماري السوي في ليبيا. واليوم، بعد ثماني سنوات، أعيد طرح القضية لأن الموضوع لا يزال يفرض نفسه بقوة في ظل غياب حركة نقدية جادة، رغم تنامي النشاط المعماري على مختلف الأصعدة؛ من المحاضرات العامة والفعاليات الأكاديمية، إلى معارض مواد البناء التي تصاحبها عروض لمكاتب معمارية، فضلاً عن الزخم الكبير من المشاريع التي تُنفذ على أرض الواقع.

هذا الغياب ليس جديداً؛ فمنذ تأسيس قسم العمارة بجامعة طرابلس عام 1969، وظهور أولى المشاريع المنفذة لخريجيه، اتخذ النقد أشكالاً متباينة بين التهميش، الاستهانة، والتسفيه. هذه المقالة تسعى إلى إعادة طرح القضية اليوم، لتوضح ملامح التجربة النقدية في ليبيا، وتفتح أفقاً لتأسيس حركة نقدية سوية وبنّاءة، تكون صوتاً مكملاً للحراك المعماري، لا غناءً خارج السرب.

1.      النقد بالتجاهل والتهميش

منذ أول مشروع معماري نفذه خريج القسم (مثل مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني للطاهر الزلوزي)، ظهر جلياً أن النقد اتخذ شكل اللامبالاة. لم يُحتفَ بهذه المشاريع، لم تُوثَّق، ولم تُسجَّل كسوابق معمارية ليبية. هذا التجاهل شكّل حالة نقدية هدامة، إذ رسّخ ثقافة الصمت والاكتفاء بالحديث عن تجارب عالمية دون الالتفات إلى الواقع المحلي.

2.      النقد بالاستهانة والإنكار

ظهر نوع آخر من النقد في كتابات بعض المعماريين الذين تعاملوا مع العمارة الليبية وكأنها بلا محاولات للتجديد أو التأصيل. تجاهل هؤلاء جهوداً موثقة منذ التسعينيات، من كتابات ومقالات نشرت في مجلة آثار العرب، ثم في جريدة الشط ومجلة مربعات. هذا النوع من النقد يخلق فراغاً وهمياً ويُقصي تاريخاً نقدياً موجوداً بالفعل.

3.      النقد بالتسفيه والاتهام بالتقليد

محاولات التأصيل للعمارة الليبية وُصمت بالتقليد دون تحليل موضوعي. لم تُقرأ هذه الأعمال قراءة متأنية تكشف مواطن التجديد ومكامن التقليد. النتيجة كانت انتقاصاً من جهود جادة بدل تقييمها بإنصاف، وهو ما عطّل إمكانية تطوير خطاب نقدي متوازن.

دراسة حالة: مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني

يُعد مشروع المجمع السكني بزاوية الدهماني، الذي صممه المعماري الطاهر الزلوزي (رحمه الله وغفر له)، مثالاً بارزاً على غياب النقد البنّاء باعتباره أول محاولة للتأصيل المعماري من طرفي خريجي قسم العمارة والتخطيط العمراني.        

. من الناحية المعمارية: المشروع قدّم محاولة لتأسيس لغة تصميم حضرية حديثة في طرابلس، تجمع بين الوظيفة السكنية والهوية المحلية.

·  من الناحية النقدية: لم يحظَ المشروع بأي تعليق أو توثيق، ولم يُسجَّل كسابقة معمارية ليبية رغم أهميته التاريخية.

·    القراءة النقدية الممكنة: لو تم تناول المشروع بجدية، لكان بالإمكان تحليل مدى نجاحه في تحقيق التوازن بين الكثافة العمرانية والراحة السكنية، ومقارنته بتجارب مشابهة في المنطقة العربية. هذا النوع من النقد كان سيمنح المشروع مكانته ويؤسس لخطاب معماري محلي.

خصوصية التجربة الليبية

النقد في ليبيا اتخذ أشكالاً سلبية أكثر من كونه ممارسة بنّاءة. هذه الخصوصية تكشف عن معوقات فكرية وأخلاقية حالت دون تأسيس حركة نقدية متماسكة. ومع ذلك، وجود هذه الأنماط يعني أن النقد حاضر، حتى لو كان مشوهاً أو ناقصاً، وهو ما يستدعي إعادة توجيهه نحو البناء لا الهدم.

الدعوة

الحركة النقدية المعمارية في ليبيا موجودة بالفعل، لكنها لم تُؤرَّخ بشكل منهجي ولم تُمارَس بروح الإنصاف. المطلوب اليوم هو:

  • التوثيق: تسجيل المشاريع والكتابات النقدية كجزء من ذاكرة معمارية وطنية.
  • التحليل الموضوعي: قراءة الأعمال بميزان الإنصاف، بعيداً عن التهميش أو التسفيه.
  • المقارنة العالمية: وضع التجربة الليبية في حوار مع الحراك المعماري الدولي.
  • الاعتراف بالجهود السابقة: البناء على ما أنجزه النقاد والمعماريون منذ عقود.

بهذا يمكن للحركة النقدية أن ترتقي لتصبح أداة تطوير حقيقية، تواكب تطلعات المجتمع الليبي وتدخل في حوار مع العالم.

الخاتمة

الحركة النقدية المعمارية في ليبيا ليست معدومة كما يُظن، لكنها تعاني من اختلال في منهجها؛ إذ اتخذت أشكالاً من التجاهل، الاستهانة، أو التسفيه، بدل أن تكون ممارسة بنّاءة تُحلّل وتُقيّم وتُوثّق. المثال الوحيد الذي استُحضر هنا – مشروع زاوية الدهماني – لم يكن لعرضه كموضوع نقد معماري بقدر ما كان شاهداً على غياب النقد السوي الذي يُعطي المنجز حقه ويضعه في سياقه التاريخي.

إن جوهر القضية ليس المشاريع ذاتها، بل غياب الحالة النقدية السوية التي تبني ولا تهدم، تعترف ولا تُقصي، وتؤرّخ بدل أن تُهمِل. المطلوب اليوم هو تأسيس خطاب نقدي ليبي متوازن، يقرأ الأعمال بإنصاف، ويضعها في حوار مع المجتمع والواقع العالمي، ليكون النقد أداة ارتقاء لا أداة تجاهل.

الاثنين، ديسمبر 29، 2025

عمارة "اللاشيئية": حين يفقد المعماري الليبي بوصلة الانتماء

 


جمال الهمالي اللافي

    لمن أصمم؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يسبق كل خط قلم. بالنسبة لي، الإجابة واضحة وممتدة عميقاً في الوجدان: أنا أصمم للمجتمع الليبي، لأنني أنتمي إليه بالولادة والجذور والعقيدة. هذا الانتماء ليس مجرد شعار، بل هو منهج عمل يفرض عليّ مراعاة جميع الاعتبارات؛ من الظروف الاجتماعية والمناخية إلى التحديات الاقتصادية، دون التغافل لحظة واحدة عن الهوية الثقافية والمعتقد الديني.

    أينما وُجدت بيئة ليبية كُلفت بالعمل فيها، فإن مهمتي لا تنتهي عند وضع المخططات، بل تبدأ بتلمس جوانب الخصوصية في هويتها المعمارية والاجتماعية. أنظر للمحددات كفرص، وأستثمر مقومات البيئة من مواد بناء وتشطيب وعناصر تأثيث، لتكون العمارة ابنة شرعية لأرضها.

فخ القشور وذوبان الهوية

    لكن، وبنظرة فاحصة على واقعنا المعاصر، نجد أن المعماري الليبي قد استقال –في كثير من الأحيان– من مسؤولياته تجاه بيئته. لقد غرق في تقليد الموجات المعمارية الغربية والتماهي معها دون توفر مقوماتها الحقيقية من تقنيات ومواد بناء؛ فاكتفى بـ "القشور الظاهرة" والواجهات البراقة التي لا تلبث أن تنطفئ أمام شمسنا الحارقة، أو تفشل في احتواء عاداتنا الاجتماعية الصارمة.

    النتيجة كانت ولادة مسخ معماري؛ فلا هو انتمى لبيئته وأصالتها، ولا هو استطاع أن يكون نسخة حقيقية من العمارة الغربية بتعقيداتها التقنية. هنا نشأ نوع جديد وهجين من العمارة أسميه "اللاشيئية".

الوقوف على حافة الفراغ

    إن عمارة "اللاشيئية" هي "تطبيع للقبح" في أقصى تجلياته، حيث تفقد الحواس بوصلتها وتعتاد العين على الفوضى البصرية. إنها حالة من الانفصام المعماري تجعلنا نعيش في فراغات لا تشبهنا، ونبني مدناً غريبة عنا وعن تاريخنا.

    إنني أحذر من التمادي في هذا النهج، وأدعو زملائي المعماريين للمراجعة واليقظة قبل أن يبتلعنا الفراغ الأسود، فنفقد بداخله قدرتنا على الوقوف باتزان على أرضية صلبة. هذه الأرضية هي هويتنا التي بدونها سنظل معلقين في هواء "اللاشيء"، بلا ماضٍ يحمينا ولا مستقبل يمثلنا.

    إن الأمانة المعمارية تقتضي منا العودة إلى الذات؛ ليس من باب الانغلاق، بل من باب الاحترام للإنسان الليبي وبيئته، لنصنع عمارة تتحدث لغتنا، وتفهم احتياجاتنا، وتصمد أمام تقلبات الزمان.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...