جمال الهمالي اللافي
من
المفارقات العجيبة التي تستدعي التوقف في سوق البناء الليبي اليوم، هي تلك
الازدواجية المعقدة في سلوك المالك المقبل على البناء؛ فبينما يتقبل المالك دفع
مئات الآلاف للمقاول والعمالة الفنية، ويشتري مواد البناء بالأسعار المرتفعة دون
مساومة، تجده يبخس أتعاب المعماري ويساوم عليها بشدة، بل ويراها عبئاً مالياً يمكن
الاستغناء عنه أو تخفيضه لصالح أتعاب المقاول. الغريب في الأمر أن هذه الممارسة لا
تنبع من ضيق ذات اليد، بل إن غالبية من يمارسون هذا التحايل هم من التجار
والأثرياء الذين لا يترددون في سكب الأموال بسخاء على التنفيذ، لكنهم يستكثرون على
المعماري حق فكره وتصميمه وإشرافه، ويريدون الحصول على خدمته بأقل ثمن أو حتى
مجاناً. بل ووصل الأمر بي إلى قناعة راسخة تتعلق بمبدأ الاحترام والتقدير الذي
يحظى به غير الليبي عندهم، في مقابل الاستهانة الصارخة بجهد وقيمة المهني الليبي
مهما كانت صفته الاعتبارية أو الخدمة القيمة التي يقدمها. وهنا أستشعر أننا نصنع
بأيدينا حالة من الطبقية المالية التي تسعى لصياغة فوارق اجتماعية هجينة يصنعها
المال والنفوذ؛ وكأننا بدأنا كليبيين ننتقل إلى مرحلة جديدة نتشرب فيها الفوارق
الطبقية الحادة والعميقة الدخيلة علينا، والتي نراها بوضوح في بنية المجتمع المصري.
غير أن دعاة هذا الوهم الطبقي غفلوا عن حقيقة راسخة؛ وهي أن المعماري كيان مهني
أرفع من أن يُقزّم أو يُحجّم في قوالب طبقية ضيقة، فطبيعة هذه المهنة السامية
ورسالتها تجعل صاحبها بمنأى عن هذا السلوك المرضي، وتمنحه مهابة تاريخية وروحية
ممتدة منذ أن رفع نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- قواعد البيت
العتيق، كأول وأعظم عمل معماري مقدس عرفته البشرية.
إن ما
يغيب عن وعي المالك -أو يتغافل عنه طمعاً- هو أنه بهذا السلوك لا يوفر شيئاً، ولا
يؤسس لبناءٍ مرضٍ مكلل بالرضا، بل يسقط في فخ معرفي كبير؛ فالمقاول في عمومه لا
يمكنه أبداً أن يقدم مشروعاً معمارياً مدروساً يلبي احتياجات الحياة العصرية
ووظائفها، بل يقدم في النهاية مجرد "مبنى" صامت، عبارة عن جدران مفرغة من
الهوية والوظيفة الصحيحة، مبنى لا تحسم كفاءته الحقيقية وجدواه إلا الخريطة
المدروسة التي ينفذها، سواء تم ذلك تحت إشراف المعماري أو في غيابه. وحين يرتضي
المالك هذه المقايضة، فإنه يضحي بأهم ركيزة في مشروعه ويسلّم قياد ماله ومستقبل
مسكنه لمن لا يملك الأهلية العلمية أو الفنية للتصميم، أو القدرة على الالتزام
بالخرائط التنفيذية في غياب الرقابة الهندسية الصارمة.
هذا الحرص
الأعمى من المالك على اقتناء خريطة رخيصة أو مجانية، ورغبته في كسب وقت الانتظار
وتوفير مشقة البحث عن المعماري المختص، هو تحديداً ما فتح شهية المقاول الأجنبي للاستثمار
في هذا الجهل المهني والجشع النفسي. وهنا برز المقاولون الوافدون -الذين يتصدرون
المشهد اليوم في ليبيا- ليلعبوا دور "المتعاطف" مع الملاك، عارضين عليهم
خرائط جاهزة ومتنوعة كطُعم مجاني؛ والواقع الصادم أن هذه الخرائط ليست سوى نتاج
عملية "إعادة تدوير" واستيلاء غير قانوني على خرائط تنفيذية لمشاريع
سابقة كُلف هؤلاء المقاولون بتنفيذها لعملاء آخرين، مستغلين غياب الرادع القانوني
وضعف الرقابة المهنية في بلادنا. وبقبول المالك لهذا الطُعم الجاهز، فإنه يمارس
دوراً إقصائيّاً خطيراً يُغيّب فيه الحضور الفعلي للمعماري كلياً؛ ليس فقط كمصمم،
بل كجهة إشراف ومراقبة على سير العمل لضمان عدم تلاعب المقاول، مانحاً هذا المقاول
الأجنبي ضوءاً أخضر لانتحال صفة المعماري والتعدي الصارخ على حقوق الملكية
الفكرية، واضعاً نفسه وماله تحت رحمة عمالة وافدة تستأثر بالمشاريع وخرائطها لحسابها
الخاص.
إن هذا الطرح ليس من قبيل التنظير، بل هو واقع مرير تجرعنا تفاصيله على مدى عقود من الممارسة الميدانية في قطاع البناء الليبي. غير أن الغصة الكبرى، التي تكاد تحوّل هذا النقد إلى مجرد «فضفضة معماري» لا تهش ولا تنش في وجه الفوضى، تكمن في الغياب التام للمؤسسات المنظمة؛ وعلى رأسها «هيئة المعماريين الليبيين» التي لم تحرك ساكناً لحماية حقوق منتسبيها، وعجزت حتى عن تسجيل موقف خجول يستنكر هذه الاستباحة المهنية في غياب الرادع القانوني. إن حماية الهوية المعمارية لمدننا تبدأ أولاً من كسر هذا الوهم ووعي المالك، وتكتمل بانتشال هيئاتنا المهنية من سباتها العميق، لئلا تضيع حقوقنا وتتحول أموالنا إلى مبانٍ بلا روح.




