أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، أبريل 03، 2025

حديقة (السانية الليبية) – إحياء التراث وتعزيز الفضاءات العامة


حديفة السانية الليبية، تعتمد على النسبة الذهبية في أبعادها وتقسبماتها


جمال الهمالي اللافي

في مدنٍ تعاني من ندرة الفضاءات العامة التي تعكس هويتنا الثقافية وتجمع بين جمال الطبيعة واحتياجات الحياة العصرية، تظهر حديقة السانية الليبية كتصور مبتكر يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان. للأسف، تفتقر العاصمة الليبية طرابلس وكافة المدن الليبية لهذا النوع من الحدائق العامة، إذ لا توجد سوى حديقة عامة واحدة أسسها الإيطاليون خلال فترة احتلالهم، وهي حديقة البلدية الواقعة في مركز العاصمة.

ما هي حديقة السانية؟

هي فكرة مستوحاة من روح السواني الليبية، تلك المساحات التي كانت تربط بين الإنتاج الزراعي والترابط الإنساني، وتعتمد في تصميمها على النسبة الذهبية لإبداع توازن بصري مثالي. الحديقة تتضمن تصميم "الشراك" التي تقسمها إلى مربعات متعددة الاستخدامات، وتتوسطها نافورة مستوحاة من بئر "بوجناح"، أحد أهم العناصر المعمارية التقليدية في السواني الليبية.

التصور المبدئي للحديقة العامة

أهداف المشروع

  1. إحياء التراث: تقديم تصميم يعكس العمق الثقافي الليبي ويمزج بين الأصالة والحداثة.
  2. ربط المجتمع بالمكان: توفير فضاء يجمع كل فئات المجتمع لتبادل الخبرات وقضاء أوقات ممتعة.
  3. تعزيز البيئة: زيادة المساحات الخضراء وتحقيق ممارسات مستدامة في تصميم الفضاءات العامة.

مكونات المشروع

  • متحف ومعرض للصناعات التقليدية، مستوحى تصميم كتلته من نظام الأفنية وتوزيع الفراغات التقليدية في بيوت وفنادق المدينة القديمة بطرابلس.
  • معرض للفنون  التشكيلية والحرفية المعاصرة،عبارة عن كتلة مربعة تم تقسيمها إلى مثلثين عبر ممر مشاة يخترقها إلى نصفين .
  • نافورة مياه على شكل بير بوجناح ذلك الصرح المعماري المميز في كل سوانينا.
  • مساحات ترفيهية للأطفال وعائلية مريحة.
  • مُصلى صغير، مع الإشارة إلى رغبتي في جعل الحديقة امتدادًا لمسجد جامع آخر أعمل على تصميمه مستلهماً فكرته كذلك من النسبة الذهبية.
  • أنشطة تجارية ومطاعم بمذاق ليبي أصيل لتعزيز الاقتصاد المحلي وتوفير الخدمات الضرورية لرواد هذه الحديقة.

تأثير المشروع

  • مجتمعياً: مشروع يعزز الروابط الإنسانية ويعيد إحياء الفخر الثقافي.
  • بيئياً: تحسين جودة الهواء والمساهمة في استدامة الموارد الطبيعية.
  • ثقافياً: إعادة تعريف الفضاءات العامة كمساحات تعكس هويتنا وتراثنا.

رسالة مفتوحة إلى كل من يعنيه الأمر

لعل هذه الحديقة تكون الشرارة التي تعيد إحياء التراث وتنقل المدن الليبية خطوة نحو مستقبل يوازي عمق ماضيها. أؤمن بأن مثل هذا المشروع يمكنه تعزيز الروابط الاجتماعية والاقتصادية والبيئية في مدننا. أرحب بالنقاش والتعاون مع من يرى في هذه الفكرة رؤية قابلة للتنفيذ، لتصبح واقعاً يخدم الجميع.

الثلاثاء، أبريل 01، 2025

روح المكان: بين العمارة والإنسان

بوابة مدينة سوكنة


جمال الهمالي اللافي

في عالم العمارة، كل جدار وكل زاوية تحمل قصصاً، بعضها صاخب يروي عن ماضٍ زاخر بالتفاعلات الإنسانية، وبعضها هامس يُترجم الصمت إلى شعور بالسكينة والانسجام. ليست العمارة مجرد أحجار مرصوصة بدقة أو تصاميم مبتكرة، بل هي الجسر الذي يربط الماضي بالحاضر، والإنسان بروح المكان.

هناك سلالم كثيرة تربطنا بتاريخنا، بعضها مرئي يزين بيوتنا القديمة بأخشابها المتقنة، والبعض الآخر معنوي، يتمثل في تلك القيم التي استمدتها العمارة من التقاليد العريقة. ولكن حين نفقد هذه السلالم، نفقد معها وسيلة الصعود نحو الفهم الأعمق لمعنى الإبداع. هنا تأتي أهمية العمارة، لا كصناعة وإنما كفن يترجم الثقافات إلى ملامح مادية يمكن أن تشعر بها الأرواح.

العلاقة بين الثابت والمتغير

البيوت القديمة بأقواسها وعقودها وأفنيتها المفتوحة على السماء ليست مجرد بيوت، بل شواهد نابضة على حوار حي بين الثابت والمتغير. فهي تحتفظ بجذورها الراسخة في تقاليد البيئة والمجتمع، لكنها تستجيب برشاقة لاحتياجات الأجيال المتعاقبة. الإبداع هنا ليس في تصميم جديد منفصل عن الماضي، بل في الحفاظ على هذه الجذور مع فتح نافذة على المستقبل.

مثل هذه البيوت تصبح مرآة للإنسان نفسه، حيث يجد نفسه في صراع دائم بين الحفاظ على جذوره الثقافية وبين التحول لمواكبة العصر. وهذا هو جوهر الإبداع: أن نحترم الماضي ونستثمر فيه، دون أن نتخلى عن الرؤية المتجددة التي تقدم حلولاً تلبي متطلبات اليوم وتطلعات الغد.

المدينة ككائن حي

كما أن الإنسان يستمد حياته من نبض قلبه، فإن المدن تستمد حياتها من سكانها، ومن ارتباطهم بتقاليدهم وروح المكان. بغياب هذا الارتباط، تتحول المدينة إلى مجرد هيكل بلا روح. روح المدينة تسكن في التفاصيل: في تمازج الألوان على واجهات البيوت، في رائحة الخبز المنبعثة من الأفران الترابية، وفي ظل شجرة التين التي تجمع الأهل حول فنجان شاي.

إعادة الروح إلى المدن ليست بالمهمة المعمارية فحسب، بل هي عملية ثقافية واجتماعية تتطلب وعياً بمفهوم الهوية واحتراماً لتاريخ المكان، مع إدخال لمسات حساسة تضمن استمراريته كجزء حي من الذاكرة الجمعية.

استنتاج فلسفي

إن العمارة التي تنفصل عن روح المكان تفقد جوهرها. الإبداع في العمارة ليس مجرد رسم خطوط وتصميم مساحات، بل هو بناء معاني تربط الإنسان بماضيه وحاضره ومستقبله. إنه القدرة على رؤية الجمال في الإرث، والجرأة على إعادة تفسيره بما يعكس احتياجات الواقع وأحلام الغد.

بين التراث والتغريب: دعوة لتأصيل العمارة الليبية المعاصرة

مشروع لوحدتين سكنيتين لزوجتين وصالة ضيافة


جمال الهمالي اللافي

تشهد الساحة المعمارية في ليبيا جدلاً متواصلاً بين دعاة التغريب المعماري والمؤيدين للعمارة المحلية التي تنبع من تراثنا ومقوماتنا البيئية. ومن منطلق التقييم الواقعي، يمكن لدعاة التغريب انتقاد جهودنا في تأصيل العمارة الليبية فقط عندما تتوفر العناصر التالية بشكل كافٍ ومستدام في بلادنا:

  • وفرة وتنوع مواد البناء والتشطيب: تمثل تنوع المواد واستخدامها المتاح ركيزة أساسية للتصميم والتشييد.
  • تقنيات الإنشاء المتطورة وتنوعها: تضمن التقنيات المبتكرة تقليص التكاليف وتعزيز جودة البناء.
  • وجود عمالة فنية وحرفية ماهرة: العمالة المتخصصة ضرورة لضمان تنفيذ المباني بدقة وحرفية.
  • انخفاض تكاليف المواد والتقنيات والعمالة: إن تحقيق التكلفة المعقولة يجعل العمارة أكثر استدامة وملاءمة للسياق المحلي.

ولكن حتى يومنا هذا، نحن نفتقر بشكل كبير إلى كل تلك العناصر، بل ونشهد تراجعاً في استغلال التقنيات والمواد التقليدية التي كانت تمثل جزءاً أساسياً من هويتنا المعمارية. إن فقدان هذه الفرص يقودنا إلى نقطة حرجة تدعو إلى تبني حلول أكثر واقعية واحتراماً لمواردنا المحدودة.

العودة إلى الجذور: اختيار العقلانية

في ظل التحديات الحالية، يصبح التعامل مع الإمكانيات المتوفرة خطوة عقلانية تفرضها الضرورة. يتطلب هذا الاتجاه إعادة تقييم شاملة للاحتياجات المعمارية للمجتمع الليبي، ما يُعزِّز اللجوء إلى العمارة المحلية كخيار يعبر عن هويتنا الثقافية والاقتصادية. إنها دعوة لمواءمة تصاميمنا مع قدراتنا البيئية والمادية، بدلاً من الاستمرار في استيراد أشكال حداثة معمارية بعيدة عن واقعنا المحلي، ولا تتوافق مع المواد والتقنيات المتاحة أصلاً في بلادها.

العمالة الوافدة وتحديات الجودة والتكلفة

أحد القضايا الحرجة التي يجب تسليط الضوء عليها هي الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة التي غالباً ما تكون مرتفعة التكلفة وتفتقر إلى الجودة المطلوبة. هذا يخلق بيئة غير داعمة للتطور المحلي ويُعمق الفجوة بين الطموحات المعمارية والقدرات الفعلية.

خاتمة

لذا، تبقى العودة إلى العمارة المحلية خياراً أكثر انسجاماً مع واقعنا، ومعبراً بصدق عن احترامنا لموروثنا الثقافي ومحيطنا العمراني. كما أنها تمثل رداً عملياً على التحديات التي تواجه قطاع البناء في ليبيا، وتفتح المجال أمام استدامة معمارية ترتكز على ما هو متاح فعلياً.

 

رسالة في تعزيز العمارة المحلية: حوار مفتوح

رؤية معاصرة للمسكن الغدامسي


جمال الهمالي اللافي

لطالما كانت العمارة المحلية الليبية مصدر إلهام لي في مسيرتي المهنية، وأجد في كل مدينة ليبية هوية معمارية ثرية تعكس تنوع ثقافاتنا وجذورنا. في مشاريعي، أسعى دائمًا إلى إعادة تأصيل هذه القيم والخصائص المعمارية بما يتلاءم مع احتياجات الحاضر، من منطلق بحثي المستمر عن الهوية الثقافية والمعمارية لمدننا الحبيبة.

عند عرضي لبعض هذه المشاريع عبر منصاتي، فإن غايتي الأولى والأخيرة هي فتح باب الحوار حول قيمة تراثنا المعماري، وتسليط الضوء على كيفية إعادة تفسيره بأساليب مبتكرة ومستدامة. لست هنا للمنافسة أو مقارنة الجهود، بل أعتبر كل محاولة لتعزيز هذا التراث جزءًا من عمل جماعي يخدم ثقافتنا وهويتنا.

أتطلع دائمًا إلى تعليقاتكم واقتراحاتكم التي تثري هذا النقاش وتشكل رؤى جديدة. شكرًا لكم على دعمكم المستمر لجهودي في تعزيز جمال وروح العمارة الليبية.

المواضيع الأكثر مشاهدة

بحث هذه المدونة الإلكترونية