أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يناير 30، 2026

المثقف "المُجالد": بين حصانة القلعة وصفاء الفناء


جمال الهمالي اللافي

في مناخ فكري يتسم بالسيولة وتطبيع القبح، لم يعد يكفي المثقف أن يكون "بنّاءً" يكتفي بوضع الحجر فوق الحجر؛ بل استوجب عليه أن يكون "مُجالدًا". إن المثقف المُجالد هو ذلك الذي يدرك أن طرح الفكرة في واقع مشوه هو نوع من الاشتباك الوجودي، حيث لا يُبنى النص إلا بصبر المرمم وصمود "قلعة مرزق" في وجه عواصف النسيان.

أولاً: المُجالدة كفعل "حصانة" لا "وظيفة"

على النقيض من "المثقف الوظيفي" الذي يقتات على الأطروحات المعلبة، يبرز المثقف المُجالد ككيان عصي على الاستباحة. إنه يستمد "جلادته" من عمق التكوين، فلا يقبل بأنصاف الحلول المعمارية أو الفكرية. هو الذي يرى في "منسوب الطريق" قضية مبدأ، وفي الحفاظ على الواجهة التاريخية معركة هوية، مدركاً أن أي تنازل هو تصدع في جدار القلعة الكلي.

ثانياً: ترميم الوعي في مواجهة "تطبيع القبح"

تتجلى "مُجالدة" المثقف في قدرته على كشط طبقات الزيف عن روح المدينة والإنسان. إنه يرفض التعايش مع القبح البصري والمعرفي، ويمارس عملية "ترميم" مستمرة للذاكرة. هذه المُجالدة ليست ترفاً، بل هي فعل مقاومة يومي يهدف لاستعادة "وضوح القيمة"، تماماً كما يُجالد المعماري قسوة المادة لِيُخرج منها فضاءً إنسانياً يليق بكرامة الساكن.

ثالثاً: ثنائية "المنعة" و"الإشراق"

إن سيرة المثقف المُجالد تتلخص في التوفيق بين نموذجين: "القلعة" في مواقفها الخارجية الصارمة التي لا تقبل المساومة على الأصالة، و"الفناء الطرابلسي" في فضائه الداخلي المنفتح على السماء. هو حصين من الخارج ضد الجهل والفساد، لكنه "مُجالد" في الحفاظ على صفاء رؤيته العمودية، حيث يربط تفاصيل "الحوش" الأرضي باتساع "السجل الحضري" السماوي.

رابعاً: الإنصاف في حضرة الجلادة

إن النقد الصارم هو الوقود الحقيقي للمثقف المُجالد؛ فهو لا يستجدي المديح الذي يورث الاسترخاء، بل يبحث عن "الإنصاف المتمترس بالقسوة" لِيُقوّم اعوجاج البناء. إن كل "بصيص نور" ينفذ من "منفس" الفكر هو نتيجة لمُجالدة طويلة مع العتمة، وهو ما يمنح مشروعه المصداقية والموضوعية التي تفتقر إليها التماثيل الإعلامية الهشة.

الخلاصة:

المثقف المُجالد هو الذي لا يضع سلاحه (المسطرة والقلم) حتى في أكثر الظروف قسوة. إنه يدرك أن بناء "البيوت" في السماء يتطلب "صمود القلاع" على الأرض، وأن إرثه الحقيقي ليس في عدد ما كتب، بل في حجم ما "جالده" وصمد فيه دفاعاً عن الجمال والحقيقة.


بين التلقين والحرية: لماذا لم تولد مدارس فكرية في ليبيا؟

 نصف قرن من الأكاديميات… بلا تيار فكري محلي


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

ليبيا تمتلك أكثر من نصف قرن من الأكاديميات، لكنها ما زالت بلا مدارس فكرية تعكس هويتها. نصف قرن من القاعات والامتحانات والبرامج المقررة، دون أن يولد تيار فكري محلي يواجه أسئلة الواقع ويؤسس لرؤية جماعية. هذا الغياب لا يُعد مجرد نقص في الإنتاج الأكاديمي، بل يكشف خللًا بنيويًا عميقًا في طبيعة هذه المؤسسات، حيث تحوّلت الأكاديميات إلى مؤسسات للتلقين، لا إلى فضاءات للحوار والجدل. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا لم تنجح الأكاديميات الليبية في إنتاج مدارس فكرية، بينما أنتجت التجارب العالمية مدارس كبرى في الفلسفة والاجتماع والعمارة والفنون؟

المدرسة كمفهوم

مصطلح "مدرسة" في الفكر الأكاديمي لا يعني مؤسسة تعليمية، بل تيارًا فكريًا أو جماعة علمية ذات رؤية مشتركة. عبر التاريخ، نشأت مدارس بارزة:

  • الفلسفة : المدرسة الأفلاطونية، المدرسة الرواقية، المدرسة الأشعرية في الفكر الإسلامي.
  • العلوم الاجتماعية:  مدرسة الحوليات في التاريخ (فرنسا)، مدرسة شيكاغو في علم الاجتماع، مدرسة فرانكفورت في الفلسفة النقدية.
  • العمارة والفنون:  مدرسة الباوهاوس في ألمانيا، المدرسة الانطباعية في الرسم.

هذه المدارس لم تُنشأ بقرار إداري، بل وُلدت من رؤية مؤسس أو جماعة فكرية، ومن سياق اجتماعي وثقافي حيّ، سمح بتعددية التأويل والجدل، وأتاح للتلاميذ أن يطوروا الفكر ويطبقوه في الواقع.

التجربة الليبية: سلطة التلقين بدل الحوار

في ليبيا، ورغم مرور عقود على تأسيس الكليات، لم تنشأ مدارس فكرية محلية. ويعود ذلك إلى عاملين أساسيين:

·     المناهج المقررة من الدولة: هذه المناهج تُعتمد رسميًا وتُفرض كوحدات دراسية، لكنها في جوهرها تقوم على تاريخ وتجارب نظرية وفكرية وتطبيقية مغتربة، مستوردة من الغرب. فهي تهمش الواقع المحلي تاريخيًا وجغرافيًا وفكريًا وتطبيقيًا، ولا تعالج قضاياه الشائكة، بل تكتفي باستنساخ ما ينتجه الغرب من نماذج معاصرة.

·     الخلفية الأكاديمية للأساتذة: الأكاديميون الذين يُسمح لهم بالتدريس في هذه المؤسسات هم غالبًا ممن حصلوا على شهاداتهم العليا من جامعات غربية، وجاؤوا مشبعين بالفكر الذي تضمنته رسائلهم هناك. هذا الفكر لا يُعرض كاجتهاد مستقل، بل يُسوَّق كمرجعية وحيدة، حتى وإن تعارض مع عقيدة المجتمع أو مع حاجاته الفكرية والعملية.

مثال على ذلك كتاب وجدته في بداية التسعينيات في مكتبة مشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس، ألّفه أحد أساتذة قسم الخدمة الاجتماعية في كلية التربية، تناول فيه نظرية النشوء والارتقاء ودافع عنها في رسالته التي ضمنها هذا الكتاب. كنت أتوقع، بحكم انتمائه إلى عائلة مسلمة، أن يدحض هذه النظرية، لكنني فوجئت بالعكس. وحين ناقشت زملاء يعملون ضمن كادر المشروع وكانوا من طلابه، أخبروني أنهم كانوا يعترضون عليه في قاعة الدرس، لكنه كان يرفض النقاش ويفرض على طلابه أن يجيبوا في الامتحانات وفق ما ورد في كتابه، ومن يخالف يُرسب. هذا المثال يكشف كيف تُمارس السلطة الأكاديمية كأداة حجر على الرأي المخالف، بدل أن تكون فضاءً للحوار.

النتيجة أن الأكاديميات الليبية تحولت إلى برامج تعليمية للتخرج، لا إلى فضاءات لتأسيس تيارات فكرية محلية، إذ يُجبر الطلاب على نقل المعلومة حرفيًا كما وردت في المنهج، وكأن الأمر امتهان لقدرتهم على الاستيعاب والتحليل والتلخيص.

الباوهاوس: الحرية داخل رؤية مؤسسية

على النقيض، تُظهر تجربة مدرسة الباوهاوس (1919–1933)  أن المدرسة الفكرية تحتاج إلى توازن بين الحرية والرؤية المؤسسية:

  • الحرية الفكرية:  الباوهاوس فتحت المجال للتجريب، وكسر الحدود بين الفنون والحِرف، ودمج الفن بالحياة اليومية.
  • الرؤية المؤسسية:  في الوقت نفسه، وضع مؤسسها والتر غروبيوس إطارًا صارمًا يقوم على الوظيفة والبساطة والدمج بين الفن والصناعة. أي أن الحرية كانت مشروطة بخدمة فلسفة المدرسة.

هذا يوضح أن المدرسة الفكرية لا تُبنى بقرار من الدولة أو بمناهج مستوردة، بل برؤية مؤسس وجماعة تتفق معه، وتعمل على معالجة قضايا محلية أو إنسانية حقيقية. كما أن الدعم المؤسسي (من بلدية فايمار ثم ديساو) منح الباوهاوس حضورًا معماريًا وفكريًا متكاملًا، فصار المبنى نفسه جزءًا من هوية المدرسة.

مدارس أخرى: فرانكفورت والحوليات

  • مدرسة فرانكفورت: تأسست في معهد البحوث الاجتماعية بجامعة فرانكفورت عام 1923، بدعم مؤسسي مكّن هوركهايمر وأدورنو وماركوز من تحويل النقد الفردي إلى تيار فكري عالمي.
  • مدرسة الحوليات: أسسها لوسيان فيفر ومارك بلوخ عام 1929 عبر مجلة أكاديمية، بدعم من الجامعات الفرنسية، فتحولت إلى تيار عالمي في الدراسات التاريخية.

هذه الأمثلة تؤكد أن المدارس الفكرية لا تنشأ من فراغ، بل من رؤية مؤسس وجماعة، ومن دعم مؤسسي يحول الفكرة إلى كيان قائم.

أهمية التتلمذ والدعم المؤسسي

التتلمذ هو الشرط الذي يحوّل المدرسة من فكرة إلى تيار حيّ. فالرؤية المؤسسية تحتاج إلى تلاميذ يترجمونها إلى واقع، وينشرونها، ويضمنون استمراريتها. في الباوهاوس مثلًا، لم يكن غروبيوس وحده، بل أساتذة مثل بول كلي وفاسيلي كاندينسكي، وطلابهم الذين جسّدوا الفلسفة في أعمال معمارية وفنية. وفي مدرسة فرانكفورت، استمر التلاميذ في تطوير النظرية النقدية لعقود، بينما في مدرسة الحوليات طبّق التلاميذ المنهج الجديد في كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، مما رسّخ المدرسة عالميًا.

لكن في الحالة الليبية، غاب هذا الشرط تمامًا:

  • لم يكن هناك دعم مؤسسي يتيح للمفكرين تأسيس مدارس محلية، بل كانت الأكاديميات مجرد هياكل إدارية تفرض مناهج مغتربة.
  • لم يُتح للتلاميذ أن يصبحوا حملة لرؤية محلية، بل جُعلوا ناقلين لمعارف مستوردة، تُفرض عليهم دون نقاش.
  • النتيجة أن الأفكار لم تتحول إلى مدارس، بل بقيت مجرد مقررات للتخرج، بلا امتداد فكري أو تطبيق عملي.

الخاتمة

غياب المدارس الفكرية في ليبيا ليس صدفة، بل نتيجة بنية أكاديمية مغتربة تقوم على التلقين والمناهج المستوردة، وتُقصي التفكير الحر وتمنع التتلمذ الذي يحوّل الأفكار إلى تيارات حية. وعلى النقيض، تُظهر التجارب العالمية أن المدارس الفكرية تولد من رؤية مؤسس ودعم مؤسسي يضمن لها الاستمرارية والانتشار. ويبقى السؤال: هل ستظل الأكاديميات الليبية مصانع شهادات، أم يمكن أن تتحول إلى فضاءات تُنجب مدارس فكرية تعيد للواقع المحلي صوته؟ 

التعليق على الصورة المرفقة:

ليست مجرد صور تاريخية… لوكوربوزيه في مرسمه مع تلامذته، وفرانك لود رايت محاطًا بطلابه، هما شاهدان على أن المدارس الفكرية لا تُبنى بالمناهج المستوردة ولا بالقرارات الإدارية، بل بالتتلمذ الحيّ حول رؤية مؤسس، وبجماعة تحملها إلى التطبيق والانتشار. في ليبيا، غاب هذا الشرط، فبقيت الأكاديميات مصانع شهادات، لا فضاءات تُنجب تيارات فكرية محلية.

الخميس، يناير 29، 2026

من العقيدة إلى المعمار: هوية تقاوم المحتل

 


جمال الهمالي اللافي

    حين تكون الهوية راسخة، تبدأ من العقيدة وتنتهي عند المعمار، يقف المحتل أمامها موقف الموارِب؛ يحاول التوفيق بين ما يريد ترسيخه وبين ما لا يستطيع الاقتراب منه. فهو عاجز عن المساس بالعقيدة أو اللغة أو العادات والتقاليد، فيلجأ إلى عرض ثقافته في اللباس والمأكل والعمارة، مستدرجاً إليها بالمغريات المادية والقوانين الصارمة عبر مدارسه ومؤسساته: التعليم لمن يتعلم لغته، والوظيفة لمن يتقنها، والعمارة هدية لمن يفتقر إلى السكن فيكون تحت ضغط الحاجة، أو لآخر راغب في التشبه به.

    أما حين تُفقد الهوية، يصبح المجتمع لقمة سائغة، يبتلعه المحتل بسهولة ضمن منظومته، دون عناء. والفارق بين الحالتين شاسع: فصاحب الهوية يحظى بالاحترام، وإن عُدّ عدواً، بينما فاقدها لا ينال سوى الاحتقار، وإن بدا خادماً في صفوفه. فهو، ليس لديه ما يدافع عنه، هو فقط ينتظر الإملاءات ويتقبلها بتذلل. الأول يُصافَح بلا تردد، أما الثاني فلا يُلتفت إليه ولو بطرف عين.

الأربعاء، يناير 28، 2026

الزمن الجميل ليس ماضيًا… بل وعيًا غائبًا

  

حين يتضامن العمران، تتضامن النفوس. وحين يتباعد، تتباعد الأرواح

جمال الهمالي اللافي

مقدمة

ليس الحنين إلى الماضي ما نفتقده، بل الوعي بما ضاع من قيمه. فالزمن الجميل لم يكن مجرد سنوات مضت، بل كان حالة اجتماعية صنعتها الألفة والبساطة والرضا بالقليل. وحين غاب هذا الوعي، تحوّل الحديث عن الزمن الجميل إلى حسرة فارغة أو جدل سياسي، بدل أن يكون دعوة لإصلاح حاضرنا.

التحسر على الزمن الجميل

التحسر على ما يُسمى "الزمن الجميل" ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو تعبير عن فقدان منظومة اجتماعية كاملة كانت تمنح الحياة معنى ودفئًا يتجاوز السياسة والمادة. فالزمن الجميل لم يكن نتاج وضع سياسي بعينه، وإن كان الوضع السياسي عاملًا مؤثرًا، لكنه لم يكن هو من يصنع الفارق بين زمن جميل وآخر قبيح.

ما يصنع الفارق هو الوضع الاجتماعي: تآلف القلوب، التواصل الدائم، إعطاء كل مناسبة قيمتها المستحقة دون إسراف أو تبذير. حين كان رمضان رمضان، والعيدان عيدين، وأفراح الزواج فرحة للجميع. حين كان الأطفال يلعبون في الشارع والحي، وكان للكبار مجالس يتبادلون فيها الحِكم والعلم. حين كان الشارع يربي كما البيت، وكانت الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية عادة وسلوكًا يوميًا للكبار والصغار.

كان المتجر في الحي بسيطًا في شكله، بلا مسميات وهمية ولا يافطات ذهبية وفضية. التعامل كان بالقناعة والرضا بالربح القليل مع جودة المعروضات على قدر الحاجة، والمنتجات تأتي من المصانع المحلية. وكان التمييز بينها بالقول: دكان الحاج عمر، الحاج علي، عمي الهادي، عمي خليفة. لا "سوبرمارك نيرمين" ولا "مقاهي روما" ولا "مطاعم ماكدونالدز" التي تقف خلف أبوابها المغلقة، تُدار بوجوه غريبة عن الحي، وتقدّم أطعمة بلا طعم ولا رائحة، منفصلة عن هوية المكان وروحه.

البركة في العمران

البركة لم تكن في الطعام وحده ولا في المناسبات، بل في العمران أيضًا؛ حين كان البيت والشارع والدكان جزءًا من نسيج واحد، متلاصقًا في تصميمه، متقاربًا في مساحاته، متآلفًا في تفاصيله، مرتبطًا بالهوية المحلية التي تمنح المكان طابعه الخاص. كان العمران يسهّل اللقاء اليومي، ويجعل من الجيرة علاقة حية، ومن الحي مجتمعًا صغيرًا متماسكًا. أما اليوم، فقد تباعد العمران وتنافر، وتعلّق بأفكار مستوردة من أصقاع الأرض، فغابت الألفة من المكان كما غابت من الناس، وضاعت البركة حين فقدنا وحدة الشكل والمعنى.

من الحنين السلبي إلى الوعي الجمعي

اليوم، أصبح الحديث عن الزمن الجميل في كثير من الأحيان مجرد حنين سلبي، لأننا نفتقد حالة الوعي بأسباب هذا الفقد. والأسوأ أن البعض حوّله إلى حنين سياسي، مثل القول: "يا حسرة على أيام الملك إدريس" أو "أيام القائد الأوحد". هنا يتحول الزمن الجميل إلى ساحة صراع سياسي، لا إلى حالة وعي جمعي بأسباب غيابه.

لكن الحقيقة أن فقدان الزمن الجميل لم يكن سياسيًا فقط، بل كان نتيجة تآكل القيم الاجتماعية: غياب الألفة، تراجع دور الحي والشارع، وانحسار البساطة والرضا بالقليل.

الزمن الجميل كمشروع إصلاحي

إذا أدركنا أن الزمن الجميل كان حالة اجتماعية، يمكن أن يتحول الحديث عنه من مجرد حنين إلى مشروع إصلاحي يعيد الاعتبار للقيم التي فقدناها:

  • إحياء المجالس والحوارات الحية.
  • تشجيع الإنتاج المحلي والرضا بالقليل.
  • إعادة معنى المناسبات الدينية والاجتماعية بعيدًا عن المظاهر.
  • إعادة بناء علاقة الأطفال بالحي والشارع كفضاء تربوي.
  • إعادة الاعتبار للعمران المحلي المتماسك، بوصفه جزءًا من الهوية والبركة.

بهذا المعنى، الزمن الجميل ليس ماضيًا ضائعًا، بل إمكانية كامنة يمكن أن تُستعاد إذا وعينا أن فقده كان اجتماعيًا وثقافيًا قبل أن يكون سياسيًا.

خاتمة

الزمن الجميل ليس تاريخًا يُستعاد بالحنين، ولا نظامًا يُستدعى بالجدل، بل هو منظومة قيم اجتماعية وثقافية فقدناها حين غابت الألفة والبساطة والرضا بالقليل. إن التحسر عليه لا ينبغي أن يبقى مجرد استدعاء عاطفي، بل أن يتحول إلى وعي نقدي يذكّرنا بأن البركة لا تأتي من وفرة الأشياء، بل من معناها في حياتنا.

وحين ندرك أن الزمن الجميل كان حالة اجتماعية قابلة للبناء، يصبح الحديث عنه دعوة إلى إصلاح حاضرنا لا إلى اجترار ماضينا. فالزمن الجميل ليس وراءنا، بل أمامنا، كلما اخترنا أن نعيد للمعنى مكانه، وللألفة حضورها، وللبركة قيمتها.

الاثنين، يناير 19، 2026

العمالة الفنية بين الانضباط والعبث: قراءة في أثرها على العمارة الليبية

  


جمال الهمالي اللافي

العمارة ليست مجرد جدران تُبنى ولا مخططات تُنفذ، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الرؤية الفكرية وتنتهي عند تفاصيل التنفيذ. وفي هذه المنظومة، تظل مسألة العمالة الفنية إحدى أكثر القضايا حساسية، لأنها تمثل الجسر بين الفكرة المرسومة على الورق والواقع الملموس في المدينة.

لقد اخترت أن أكتفي بدوري كمعماري في التصميم والإشراف على التنفيذ والتشطيب والتأثيث، تاركاً جانب المقاولات واستجلاب العمالة خارج نطاق عملي. هذا القرار لم يكن اعتباطياً، بل جاء بعد خيبة أمل في تجارب مع مقاولين ليبيين سعيت من خلالها إلى إعادة الاعتبار للمقاول المحلي، لكن النتائج لم ترتقِ إلى مستوى الرؤية التي أطمح إليها.

من هنا، أصبحت مرحلة التصميم بالنسبة لي أكثر من مجرد رسم هندسي؛ إنها لحظة استباقية أضع فيها كل الاحتمالات التي قد تواجه المشروع، بالتنسيق مع الاختصاصات الهندسية والتصميمية، حتى لا يترك التنفيذ رهينة الصدفة أو الارتجال.

أما المفاضلة بين العمالة المغاربية والمصرية، فهي ليست حكماً مسبقاً، بل خلاصة تجارب ميدانية يعرفها كل من خاض تجربة بناء بيته أو مشروعه. فقد تميزت العمالة المغربية والجزائرية، ثم التونسية، بأخلاقيات الحرفة والانضباط السلوكي، وهي سمات افتقدتها العمالة المصرية في الظروف الحالية التي تمر بها البلاد. هذه ليست أحكاماً مطلقة، بل انعكاس لواقع خبرة متكررة في السوق الليبي.

ومع ذلك، لا أملك عمالة خاصة بي، لا مغاربية ولا مصرية، لأن عملي يقتصر على التصميم والإشراف. ما أحرص عليه هو أن تكون التصاميم التي أقدّمها مستوفية للدراسة من جميع الجوانب: الكلفة الاقتصادية، الهوية المعمارية، كفاءة الوظائف الفراغية، والحماية البيئية. هذه الاعتبارات تُدرج منذ مرحلة التصميم، بالتنسيق مع الاختصاصات الهندسية، قبل أن يبدأ التنفيذ. لذلك قد تتخلل المشاريع فترات توقف طبيعية، هدفها ضمان جودة التنفيذ لا تعطيله. هذا التوجه قد لا يلقى قبولاً واسعاً لدى بعض المقاولين والعمالة الباحثة عن سرعة الإنجاز والانتقال من مشروع إلى آخر، لكنه بالنسبة لي شرط أساسي لحماية العمارة من الرداءة ومنحها صفة الديمومة.

إن رفضي لبعض العمالة ليس تجنياً عليها ولا محاباة لغيرها، بل إقرار بواقع خبرة ممارسة ميدانية. فالعمارة الليبية اليوم لا تحتاج فقط إلى تصاميم أصيلة تستمد هويتها من جذورنا، بل إلى منظومة تنفيذية تحترم أخلاقيات الحرفة وتلتزم بالانضباط. الفارق بين الجودة والرداءة، وبين الانضباط والعبث، هو ما يحدد مصير أي مشروع معماري.

السبت، يناير 17، 2026

من خديعة الدوبلكس إلى اغتراب الخليجي: رحلة التيه في المعمار الليبي

 قراءة في انكسار الهوية المعمارية بين استيراد الأنماط وعشوائية الرؤية


جمال الهمالي اللافي

إن البيت الذي نعتزم توريثه للأحفاد اليوم ليس "البيت الليبي"، بل هو "الهجين الخليجي" الذي استوطن رغباتنا قسراً. نحن اليوم نكرر خطيئة "الدوبلكس" الذي وُلد غريباً ومات مشوهاً؛ تلك المرحلة التي استمرأت الفوضى كسياسة لتدمير الذات وتغريب الهوية المعمارية.

أولاً: جرد الحساب.. من سطوة "الوافد" إلى "خطيئة الدوبلكس"

في السبعينيات، سقطنا في فخ "الدوبلكس". ذلك النموذج الذي جاءنا محمولاً على أكتاف المقاولين السوريين و"المساحين" المتطفلين، ليفرض شفراته الخرسانية وسلالمه الخارجية كعنصر هجومي على واجهات مدننا. لقد كان الدوبلكس أول إعلان عن انحسار القيمة الفكرية للمعماري الليبي أمام سطوة "المقاول الدخيل".

تأملوا بقاياه اليوم في شوارع طرابلس؛ جثث خرسانية صماء مغطاة بطلاء "الجرافيكي" الخشن وألوانه القاتمة التي لا تمنح العين راحة ولا تعكس ضياء شمسنا المتوسطية. هذه الواجهات لم تكن تصميماً، بل كانت "ساتراً" يفصل الإنسان عن بيئته. لقد كان "الأسطى" الوافد يصبُّ غربته في قوالب خشبية، بينما يدفع المواطن الثمن ظناً منه أنه يواكب العصر، لينتهي الأمر بجرافات "الكاشيك" وهي تلتهم تلك الكتل لأنها لم تمتلك يوماً مقومات البقاء أو احترام المناخ.

ثانياً: تكرار المأساة.. الهوس الخليجي وانحسار الذات

اليوم، يعاد إنتاج المسرحية بذات الفصول وبأبطال جدد، حيث يتكرر المشهد بصورة أكثر قسوة عبر "النمط الخليجي" الذي يغزو الاستثمار العقاري وذائقة المرأة الليبية. إنه "آخر انحسار للذات"، حيث نهرب من هويتنا لنستعير هوية أخرى لا تتناسب مع جغرافيتنا ولا اجتماعنا.

·     انحسار "الأسطى" وفقدان سر الصنعة: تحول مفهوم "الأسطى" اليوم إلى عمالة وافدة تفتقر للتقييم والمحاسبة، مما حول البيت من "كيان روحي" إلى "منتج عقاري".

·     عَمَه الرؤية والحصار: إن غلق المنافذ أمام الكفاءات المغاربية وغياب المنافسة الوطنية خلق حالة من التبعية لنمط يُروّج له كدليل رفاهية، بينما هو في العمق تصدع فكري يعمق ضياع البوصلة.

·     البيت كمختبر للقدر: وفق رؤيتنا الفلسفية، فإن الأرض هي مختبر تُصاغ فيه المصائر. فإذا كان "الأسطى" الليبي القديم يبني بفطرته المرتبطة بالأرض، فإنه كان يضع لبنة في سجل مدننا الخالد. أما اليوم، فبات البناء مجرد "تكرار للغش" المقنن، مما يجعل بيوتنا تفتقر للرتبة الروحية التي تؤهلها لتكون جزءاً من "التوسع" المعماري في السماء.

ثالثاً: أسئلة معلقة للمعماري الليبي

أوجه سؤالي لزملائي المعماريين: هل تعتقدون أن هذه التصاميم التي تُنسخ من شاشات الإنترنت لترضي ذوقاً عاماً مشوشاً ستصمد أمام اختبار الزمن؟

·         لماذا نجح جيل الثمانينيات والتسعينيات في استعادة بعض الهيبة للمعماري، بينما يتراجع جيل اليوم أمام سطوة "المستثمر" و"الذوق المستورد"؟

·         أين هي "البصمة الليبية" التي تتجاوز الشكل لتصل إلى كفاءة وظيفية ومناخية تعكس ثقافتنا الأصيلة؟

إن البيوت التي لا تُبنى بوعي معماري يربط الأرض بالسماء، والداخل بالخارج، هي بيوت مؤقتة مهما بلغت تكلفة خرسانتها.

الخلاصة: نحو صحوة الهوية

إن هذه المقالة هي صرخة لإيقاظ الوعي؛ فالمعمار هو "سجل المدن" الخالد، وبناء بيوت لا تشبهنا هو بناءٌ لسجل الاغتراب لا الأصالة.

حان الوقت لنعيد الاعتبار لـ "الأسطى الليبي" وللمعماري المثقف، لنبني بيتاً يليق بأحفادنا؛ بيتاً جذوره في ترابنا وسقفه يعانق هويتنا الثقافية. فالبيت الذي لا يملك القدرة على التحول إلى "بيت جد" تحتضنه الذاكرة، لا يستحق عناء البناء. يا أخي المعماري، كن حارساً للذاكرة ولا تكن مجرد صدى لأنماط ستسحقها جرافات التاريخ غداً.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...