أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأربعاء، يناير 14، 2026

غياب المعلم الملهم… حين يُجبر التلميذ أن يكون معلم نفسه


جمال الهمالي اللافي


المقدمة

    التعليم ليس أوراق اعتماد ولا سنوات على مقاعد الدراسة، بل هو فعل وجودي غايته تكوين الإنسان القادر على الفهم والممارسة والإبداع. هذه الغاية لا تتحقق إلا حين تُبنى العملية التعليمية على أيدي أصحاب الخبرة العملية، فهم الأصل الذي تنبثق منه الممارسة التعليمية الحقيقية. أما حين تُوكل منابر التعليم إلى من يفتقرون لأصول المهنة وأدواتها، ويحتلون مواقع التدريس فقط لأنهم يحملون شهادات نظرية تُسمى عليا، فإن ما يحدث لا يمثل أي صلة بالتعليم، بل يتحول إلى مناهج عقيمة تسرق أعمار المتعلمين وتُخرّج جاهلين لا مؤهلين.

من المعلم الوظيفي إلى المعلم الملهم: جوهر الفارق في العملية التعليمية

    البعض يفترض أنه من البداهة أن يكون لكل متعلم معلمٌ ملهم تتلمذ على يديه في مجاله، ويرى من الغرابة أو حتى من الغرور أن يُنكر وجوده في مسيرته. غير أن هذا الافتراض يحتاج إلى مراجعة، لأنه يعكس ثقافة اجتماعية أكثر مما يعكس حقيقة تعليمية.

    في مسار العملية التعليمية التخصصية، هناك معلمون يؤدون وظيفة التعليم كارتزاق أو كمطلب اجتماعي، لا يشغلهم سوى أن تسير الأمور على هواهم. لا يلتفتون إلى تنوع المهارات، ولا إلى اختلاف أساليب التلقي عند تلاميذهم، ولا إلى فوارق التميز بينهم. وفي النهاية، لا يبالون بطبيعة المنهج الذي يلقنونه ولا بعلاقته بالواقع المحلي، ولا بالنتائج العملية التي تترتب على أساليب تدريسهم.

    أما المعلم الملهم، فهو مسألة مختلفة تماماً، تستحق الوقوف عندها للتعرف على صفاته ومقوماته ومناهجه ومنجزاته الفكرية والعملية. المعلم الملهم هو من:

  • يربط المعرفة بالواقع المحلي ويجعلها جزءاً من حياة المتعلم لا مجرد مادة نظرية.
  • يحترم اختلافات المتعلمين ويعاملها كفرص للتنوع والإثراء لا كعوائق.
  • يشعل الفضول ويحوّل الدرس إلى تجربة وجودية، يتجاوز بها حدود التلقين إلى فضاء الإبداع.

    غياب هذا المعلم يفرض على التلميذ أن يتحول إلى معلم نفسه، فيبحث ويجرب ويعيد صياغة معرفته عبر الممارسة المباشرة. هنا تصبح التجربة العملية هي المعلم الأصدق، لأنها تضع الطالب أمام مواجهة مباشرة مع الواقع، مع الأخطاء والنجاحات، وتجعله يبني خبرته الخاصة من معترك التجارب.

    ويجب أن يُقال بوضوح إن غياب المعلم صاحب الخبرة العملية والممارسة التطبيقية عن المؤسسات التعليمية، وغياب الجانب التطبيقي عن المناهج، هو ما أفرز غياب المعلم الملهم. فالمؤسسات التي تكتفي بالتلقين النظري وتُهمل التجربة الحية، تُنتج معلمين بلا أثر، وتترك المتعلم في فراغ لا يملؤه إلا التتلمذ الذاتي.

    المعلم الملهم ضرورة في مسيرة التعلم، لأنه يفتح أبواباً لا تُفتح بغيره، ويختصر الطريق نحو المعرفة الحقيقية. لكن حين يغيب، يخسر التلميذ سنوات طويلة على مقاعد الدراسة النظرية التي لا تمنحه سوى أوراق اعتماد شكلية، ثم يخسر سنوات أخرى في محاولاته لاكتساب الخبرة من الممارسة العملية بعد التخرج. وهكذا يتأخر نضج الخريجين وتأخر استفادة المجتمع منهم، في حين كان المفترض أن يكون عطاؤهم جاهزاً بمجرد تخرجهم، لا بعد أعوام من السعي المضني لاكتساب الخبرة، وأعوام ضاعت في قاعات الدراسة بلا ثمرة عملية.

الخاتمة

    غياب المعلم الملهم ليس مجرد نقص في العملية التعليمية، بل هو فراغ في الذاكرة الثقافية، وانقطاع في السلسلة التي تربط المعرفة بالحياة. حين يغيب، يجد التلميذ نفسه وحيداً أمام أسئلة الوجود، يجرّب ويخطئ ويعيد بناء ذاته من رماد التجربة. لكنه في هذه الرحلة القاسية يكتشف أن التعلم ليس أوراقاً ولا شهادات، بل هو مواجهة مع العالم، وصراع مع العجز، وولادة متكررة للذات الباحثة عن المعنى.

    المعلم الملهم، حين يحضر، يختصر على التلميذ سنوات من التيه، ويمنحه البوصلة التي تقيه ضياع العمر في قاعات بلا ثمرة. وحين يغيب، يصبح الزمن هو الثمن، والخبرة هي المعلم، والرحلة هي الدرس. وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل نرضى أن يظل أبناؤنا أسرى هذا الغياب، أم نعيد للتعليم جوهره بعودة المعلم الحق، الذي يوقظ العقول ويصون الأعمار من الضياع؟

 

الاثنين، يناير 12، 2026

سيلين: استعادة بصرية للأفق المفقود

 


جمال الهمالي اللافي

    تصميم لمسكن مفترض، وُضع تلبيةً لرغبة ابن العم 'ظافر اللافي'، ليكون محاكاةً وتفاعلاً مع طبيعة الموقع البكر قبل أن يتم تغيير معالمها. كان من المفترض أن يتربع هذا البناء على قمةٍ تشرفُ على جماليات الطبيعة في منطقة 'الطويلة' بسيلين- الخمس، قبل أن تتحول بتدخل الإنسان من مرقبٍ شامخ إلى حفرةٍ وسط الجبال. هذا المشهد (المحول إلى فيديو) هو استعادة بصرية لما كان يمكن أن يكون عليه التعايش مع تضاريس المكان.

·         عن الموقع وتغيير الطبيعة:

    لقد كان الموقع يمتلك لغته الخاصة وقوامها الطبيعية، حيث تمنح القمة للساكن أفقاً ممتداً. لكن عملية التسوية التي طالت الأرض لم تكن مجرد تمهيد للبناء، بل كانت طمساً لهوية الجبل، وتحويلاً قسرياً لمنطق الارتفاع إلى منطق الانخفاض (من قمة إلى حفرة)، مما أفقد العمارة علاقتها الحميمية مع جبال الخمس الشامخة.

·         عن التصميم المفترض:

    جاء التصميم في هذا المشهد ليحترم انحدارات الأرض وانسياب الوادي، حيث تظهر الكتل المعمارية بوضوحها وبياضها كقطعة من الغمام المستقر فوق المرتفع، محاولةً الحفاظ على التوازن البصري بين صلابة الصخر وجريان الماء( في الأيام التي تهطل فيها الأمطار بغزارة) في الأسفل.

·         عن الغرض من الفيديو:

    هذا المحتوى الرقمي ليس مجرد عرض معماري، بل هو وثيقة بصرية تُوثق 'الحالة المفقودة' للموقع، وتُبرز كيف يمكن للمعمار أن يكون ابناً للبيئة المحيطة به، بدلاً من أن يكون غريباً عنها بعد تسويتها وتغيير فطرتها الجغرافية.

 

 

السبت، يناير 10، 2026

العمارة بين رصانة التأسيس وجناية الانفلات

 


جمال الهمالي اللافي

لطالما كانت الحواضر التاريخية ومعالمها المعمارية تجسيداً لقيم الرصانة التي يغلفها الإبداع في أسمى تجلياته. لم يكن هذا الوقار المعماري وليد الصدفة، بل كان نتيجةً لوعيٍ جمعيٍ ومؤسسيٍ صارم، يعتبر الحرمة المعمارية خطاً أحمر لا يُسمح للعابثين بانتهاكه. كانت العمارة، بصفتها مرآةً للحضارة، تُبنى لتبقى، وتُصمم لتُحترم.

إلا أن التحولات التي طرأت مع عمارة الحداثة وما تلاها لم تكن، في جوهرها، إلا خروجاً عن هذا النطاق الرصين وانفلاتاً للأمور عن نصابها الصحيح. لقد شهدت هذه الحقبة سيطرة "الغوغاء" على مفاصل القرار المعماري، حيث فُتح الباب لسطوة النفوذ لتعيد صياغة هوية المدن وفق أهواءٍ عابرة، بعيداً عن القواعد الراسخة. وفي محاولة لتبرير هذا التشويه، انبرى "سفهاء العقول" لتزييف الوعي وإضفاء صبغة من المثالية الزائفة على مبانٍ تفتقر للروح والاتزان.

إننا نعيش اليوم مرحلةً يُحارب فيها مفهوم "الجودة" ويُمنع من العودة، في توازٍ مخيف مع الممانعة التي يبديها الفاسدون لعودة النظام والقانون. فالمعادلة واضحة: النظام والجودة يمثلان التهديد الحقيقي لكل من يقتات على العبث والفساد. إن استعادة الهوية المعمارية والاجتماعية تتطلب اليوم وقفةً حازمةً تتبنى منطق القصاص العادل؛ فالمعماري العابث الذي لوث بصر الأجيال واستهان بهوية المدن، يجب أن يُحكم على مشاريعه بالهدم كفعل تطهيري.

وفي المقابل، فإن المفسدين من اللصوص والمجرمين، سواء كانوا من عامة الناس أو من ساسةٍ استغلوا نفوذهم لنهب المقدرات، لا بد أن يواجهوا العقوبة القصوى المتمثلة في الإعدام. إن الحزم في استئصال القبح المعماري والفساد السياسي هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للمدينة وللمجتمع على حد سواء، فلن يستقيم البناء إلا إذا طُهرت الأرض من العابثين بمقدراتها وهويتها.

المسكن الليبي: بين أصالة المعنى وزيف الاستعراض

 


جمال الهمالي اللافي

 مقدمة

إن المسكن ليس مجرد جدرانٍ وأسقف، بل هو انعكاسٌ ماديّ للمنظومة القيمية التي يحملها الإنسان تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. وفي واقعنا المعاصر، تحول المسكن الليبي في كثير من نماذجه من فضاءٍ للسكينة إلى منصةٍ للاستعراض، مما يفرض علينا إعادة قراءة فلسفة البناء برؤيةٍ تفرق بين الثراء المادي الصاخب وبين الثراء المعنوي الرصين.

1.      نقد الاستعراض الشكلي في الواجهات

تعاني كثير من المساكن الحديثة في ليبيا من انفصامٍ حاد بين المضمون والشكل؛ حيث تزدحم الواجهات بتراكمات من "الكرانيش" والأعمدة التي تُقحم في غير سياقها الوظيفي، ولا غاية لها سوى التباهي الطبقي. إن هذا التوجه يمثل بذخاً مسرفاً يفتقد للمعنى ويُرهق الحواس، بينما تكمن الرصانة في العودة إلى "صدق التعبير"؛ بحيث تكون الواجهة انعكاساً أميناً لوظيفة الفراغ الداخلي واستجابةً حقيقية للمناخ المحلي، مما يخلق ثراءً بصرياً يمنح العين والروح طمأنينة الاستقرار.

2.      المسكن كبيئة حاضنة للسكينة

إذا أسقطنا مفهوم الأثر الطيب على المسكن، فإن العمارة الرصينة هي التي تمنح ساكنها راحة نفسية وهدوءاً يتجاوزان المظاهر. الثراء الحقيقي هنا لا يُقاس بتكلفة الرخام المستورد، بل بـ "هندسة الضوء" وتطويع الشمس لتنساب داخل الأفنية والغرف، وفي توزيع الفراغات التي تحترم خصوصية العائلة الليبية وقيمها. هذا الأثر المعنوي للمكان هو ما يفتقده البذخ الصارخ الذي يهتم بما يراه الآخرون لا بما يعيشه أصحاب الدار.

3.      فلسفة "التوازن" في التوزيع الفراغي

يتجلى الثراء الحقيقي في المسكن بذكاء استغلال المساحات وتحقيق التوازن بين الحاجة الفعلية والمساحة المبنية. فبدلاً من إهدار المساحات في بناء صالونات استقبال ضخمة تظل مغلقة ومعطلة طوال العام، يكمن الرقي في استبدالها بفراغات مرنة تتصل بالطبيعة أو بفناء داخلي نابض. هذا هو التوازن الذي يجعل كل زاوية في البيت حية ومستغلة، حيث تتحول العمارة من مجرد "أمتار مربعة" صماء إلى بيئة سكنية تلبي احتياجات العائلة دون إسراف أو تقصير.

4.      المادة كجسر للهوية

إن الارتباط بالأرض الليبية يفرض بحثاً جاداً عن الجمال في المواد التي تحترم البيئة وسياقها البصري. إن تكديس الواجهات بمواد متنافرة يؤدي إلى تشتت البوصلة الحواسية وضياع الهوية. في المقابل، تعيد البساطة توجيه الحواس نحو ملمس الحجر الطبيعي، وصفاء الجدران البيضاء التي تروض حدة الشمس، وتفاعل ظلال النخيل مع الأسطح؛ وهذا هو جوهر الثراء الذي يربط المسكن ببيئته وتاريخه دون زيف أو افتعال.

ختاماً، إن العودة إلى البساطة في المسكن الليبي ليست دعوةً للتقشف، بل هي دعوةٌ لاستعادة 'البوصلة الجمالية' التي فُقدت في ضجيج المظاهر. إننا بحاجة إلى عمارةٍ تتحدث لغتنا، وتحترم شمسنا، وتُبنى على مقاس أرواحنا لا على مقاس أوهام الوجاهة الاجتماعية. فالمسكن الحقيقي هو الذي يشيخ معك بكرامة، ويبقى أثره طيباً في ذاكرة المكان.

الجمعة، يناير 09، 2026

تأمل في جذور الظواهر المعمارية - 2

  


جمال الهمالي اللافي

العمارة ليست مجرد بناء أو شكل هندسي، بل انعكاس لمعادلات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية. إنها مرآة تكشف عن أمراض المجتمع كما تكشف عن طموحاته، وتترجم علاقته بجذوره أو اغترابه عنها. لذلك فإن أي نقاش معماري جاد لا بد أن يتجاوز الأعراض الظاهرة إلى الأسباب الكامنة التي تُنتج الظواهر، ليصبح النقد فعلًا علاجيًا، يستأصل عوامل المرض.

فكما لا يكتفي الطبيب بوصف الحمى أو السعال، بل يبحث عن الجرثومة والعوامل التي سمحت لها بالانتشار، كذلك ينبغي للفكر النقدي أن يتجاوز سطح الظواهر إلى جذورها. في المعمار، لا يكفي أن نرفض شكلاً أو نحتفي بآخر، بل علينا أن نتساءل: ما الذي دفع إلى ظهوره؟ ما البيئة التي سمحت له بالنمو؟ وما السياقات التي جعلت حضوره ممكنًا؟ بهذا المعنى يصبح النقد فعلًا علاجيًا، لا مجرد إدانة أو ثناء.

ومن هنا، فإن النقاش الجاد لا بد أن يتناول الأسباب التي تُنتج الظواهر لا مجرد مظاهرها. ولعل أبرز الأسئلة التي تستحق الطرح:

  • كيف يؤثر تكوين المعماري المغترب في صياغة عمارة بعيدة عن جذورها، وما السبل لمواءمة هذه المؤثرات مع خصوصية المجتمع؟
  • كيف تؤثر التشريعات العمرانية، سواء تلك المستوردة من التجربة الفرنسية عبر مصر أو الناتجة عن التحولات السياسية المعاصرة، في توجيه ملامح البناء؟ وهل تُستخدم هذه التشريعات أحيانًا كأداة لإظهار السلطة أكثر من كونها استجابة لحاجات المجتمع؟
  • ما الدور الذي يلعبه الإعلام في ترسيخ التفاهة والسطحية، وكيف يمكن أن يتحوّل إلى أداة لرفع الوعي النقدي تجاه القضايا المصيرية؟
  • كيف يمكن للتربية الأسرية أن تغرس الانتماء للجذور والإحساس بالمسؤولية، بدلًا من أن تترك فراغًا يُملأ باللامبالاة والنرجسية؟
  • ما أثر السياسات الاقتصادية في تشكيل الذائقة المعمارية، وهل يُسهم منطق السوق والربح السريع في إنتاج عمارة بلا هوية؟
  • إلى أي مدى يمكن للضغوط الاجتماعية والاقتصادية أن تُعيد تشكيل أولويات المعماري، بين الالتزام بالقيم والبحث عن فرص البقاء في السوق؟

هذه الأسئلة لا تُقدّم أجوبة جاهزة، بل تفتح المجال أمام حوار معماري عميق، يستمد أهميته من خطورة تأثير هذه العوامل على المنتج المعماري. فالنقد الحقيقي لا يفرض أجندة، بل يثير تساؤلات تكشف البذور والتربة التي أنبتت الظواهر، ليعيد للعمارة صدقها مع ذاتها ومع الناس.

الخاتمة

هكذا يصبح النقاش المعماري بحثًا في الأسباب لا في النتائج، في البذور لا في الثمار، وفي التربة التي تُنبت الظواهر لا في أوراقها المتساقطة. إن النقد الذي يذهب إلى الجذور يفتح الطريق أمام علاجٍ أعمق، وبناءٍ أكثر صدقًا مع ذاته ومع المجتمع، ويحوّل الحوار من سطحية الأعراض إلى عمق العوامل المنتجة، ليجعل من العمارة فعلًا حيًا يعبّر عن واقع الناس وطموحاتهم.

الخميس، يناير 08، 2026

كيمياء المكان.. كيف نستنطقُ روحَ المدينة؟

 

جمال الهمالي اللافي

كيف لنا أن نستنطق كينونة المكان ونبثّها في نتاجٍ إبداعي، فنياً كان أو أدبياً، ليكون ترجمةً أمينة لجوهرها؟ يراودني سؤالٌ ملحّ: هل يكتسبُ المنجز المعماري هويته "الطرابلسية" بمجرد انتسابه الجغرافي لقطعة أرض في مدينة طرابلس؟ وهل تكفي المحاكاة البصرية لزقاقٍ قديم في لوحة تشكيلية لتنقل لنا ذلك الإحساس، ما لم يتقصَّ الفنان سرّ "الضوء" الخاص الذي يميز مدننا الليبية بحدته وصفائه الذي يختلف تماماً عن ضوء أوروبا؟ وهل يكفي أن يسرد العمل الأدبي أحداثاً في الصحراء، حتى نستشعر دفء المكان بمثل ما فعلت شمسه ورماله، ونستمع لارتداد الصوت الذي تُشكله البيئة وتنعكس آثاره على نبرة سكانها ومشاعرهم؟

إن استنكاه روح المكان لا يتحقق برسم القوس الطرابلسي أو وصف الرمال، بل بنقل الأثر النفسي الذي يتركه ذلك الفراغ. فالمعمار الحق هو من يدرك كيف يتعامل الإنسان مع "الخصوصية"، وكيف يتحرك الهواء بين الفناءات محاكياً فلسفة "الستر" والعلاقات الاجتماعية التي شكلت المدينة القديمة؛ فإذا لم يترجم المعمار هذه القيم في مبناه الحديث، سيبقى المبنى جسداً بلا روح. وفي الأدب، الصدق في التعبير يأتي من رصد التفاصيل غير المرئية من الذاكرة الحسية؛ فلا يكفي وصف "الرمل"، بل وصف علاقة الإنسان به كقوة قاهرة تشكل مصيره وتصيغ مزاجه. أما الفنان التشكيلي، فهو من "يستنكه" روح المكان حين يمزج لونه بتراب الأرض حرفياً ومعنوياً، فيجعل المتلقي يشعر بالانتماء للوحة قبل أن يقرأ اسم صاحبها.

إن روح المكان هي طاقة تُشم وتُلمس أيضاً، وهي انعكاس مباشر للواقع المعاش وليست مجرد قدر جغرافي. أتذكر في يونيو من عام 2007، حين عُدت من سفرٍ إلى المغرب؛ حيث كان الهواء هناك ينسابُ منعشاً، وبمجرد أن انفتح باب الطائرة في مطار طرابلس، لفحتني كتلة من الهواء الحار المشبع برائحة احتراقٍ غريبة (شياط)، أصابتني بصدمة شديدة. لقد كان هواء ليبيا قبل عام 69 منعشاً ومريحاً، لكن رائحة "الشياط" تلك - التي تنتج في لغتنا عن الغفلة عن الشيء فوق النار حتى يحترق - كانت تجسيداً للمناخ السياسي الخانق الذي كبّل البلاد. ورغم سوء الظروف الحالية، إلا أنني لاحظت بعد فبراير أن تلك الرائحة الثقيلة لم تعد موجودة بنفس الكثافة، وكأن هواء المدن يتنفسُ بآلامنا وآمالنا.

إن غياب هذه الروح في الأعمال المعاصرة جعلنا لا نستدل على هويتها إلا من خلال "توقيع" المبدع، لنعلم بالتقصي في اسمه لا بالإحساس بفعله أنه ليبي المولد والنشأة. فالمبدع الذي لا يشم "شياط" مدينته، ولا يلتقط ذبذبات الصوت في صحرائه، ولا يمزج ضوءه بخصوصية ضيائنا، سيظل عمله صامتاً، وسيبقى مغترباً عن تربته وإن وُجد فوقها.

الخلاصة

نستنكه روح المكان حينما نتوقف عن معاملته كـ "موقع بناء" أو "خلفية رسم"، ونبدأ بمعاملته كـ "شريك في الوجود". روح المكان هي "المسك" الذي يفوح من الجليس (العمل الإبداعي) دون أن يحتاج الجليس لقول "أنا أحمل المسك".

الأربعاء، يناير 07، 2026

مَنَازِلُ السَّمَاءِ: رُؤْيَةٌ فِي التَّعَاقُبِ العُمْرَانِيِّ وَتَدْوِيرِ الخَلْقِ

تُجسد هذه اللوحة التشكيلية فرضية "التوالي العمراني الكوني"، حيث تتحول الأجرام السماوية من مجرد مادة فيزيائية إلى سجلات تاريخية وعمرانية مأهولة.

جمال الهمالي اللافي

استهلال : إن ما يرد في هذا النص لا يشكل تفسيراً شرعياً أو فقهياً للآيات القرآنية الكريمة، ولا يخرج عن كونه تصوراً تخيلياً وخاطرة تأملية في كنه الكون وعمارته. هي قراءة فلسفية تحاول استنطاق المعطيات الكونية من منظور فني وعمراني، دون المساس بالثوابت التفسيرية المقرة.

ماذا لو تأملنا الكون لا كفضاء فيزيائي صامت، بل كخارطة عمرانية حية، تُبنى وتتسع وفقاً لرحلة الخلق؟ إنها فرضية تستقرئ المعطى القرآني لتقدم تصوراً تخيلياً عن كنه الوجود وعمارته الإلهية.

الأزلية وإعداد "موقع" الاستخلاف

إن الله عز وجل هو "الأول والآخر"، الذات التي لا يحدها زمان ولا يحويها مكان. في ستة أيام، خلق الله الأرض وهيأها، وجعل السماوات السبع بناءً محكماً لا يُفتح إلا بأمره. هذا الإتقان الإنشائي للأرض يشير إلى أنها صُممت لتكون مسرحاً لـ "تدوير" الحيوات؛ حيث يتم إعمارها من قِبل مخلوقات تمتلك إرادة الفعل والتفكير، كالإنس والجن.

وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة: 30)، نجد إشارة صريحة إلى وجود أمم سبقت خلق آدم، أقوام تعاقبوا على هذه الأرض، وانتهت رحلتهم الدنيوية ليحاسبوا على ما قدموا. إن الأرض بهذا المعنى ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي "موقع عمراني" يُعاد تدويره وإعادته لسيرته الأولى بعد كل نهاية أمة، لتستقبل خلقاً جديداً.

فلسفة التوسع: بناء المنازل الأخروية

بينما يتساءل العلماء عن سر اتساع الكون، تأتي هذه الرؤية لتربط الاتساع بانتهاء مسيرة كل أمة على الأرض. يقول المولى عز وجل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47). إن هذا التوسع ليس مجرد تمدد للمادة، بل هو إنشاء مستمر للمساكن الروحية (الغرف) لكل أمة ينتهي حسابها؛ فالسماء تتسع لتستوعب العمران الجديد للأرواح التي غادرت الأرض.

الأجرام السماوية كـ "وحدات سكنية" علوية

في هذه الفرضية، تتحول النجوم والكواكب من أجرام صامتة إلى "توقيعات عمرانية" تعكس مراتب الأقوام السابقة:

·     النجوم اللامعة: هي غرف ومنازل الأنبياء والرسل؛ وكل نجم يمثل مقام النبي ومكانته بحجم إضاءته وموقعه من مركز المجرة، تحقيقاً لقوله تعالى: {لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (الزمر: 20).

·     الكواكب: هي غرف الأتقياء من تلك الأمم؛ فكل كوكب نراه ليس إلا مسكناً أُعدَّ لقومٍ مؤمنين، ويتحدد حجم الكوكب واتساعه بناءً على درجة تقواهم وجزائهم الإلهي.

الثقوب السوداء: عمارة الجحيم

وعلى النقيض من ضياء النجوم والكواكب، تأتي "الثقوب السوداء" كعنصر عقابي في هذا التصميم الكوني. إنها ليست مجرد ظواهر فلكية، بل هي "عالم الجحيم" الذي يبتلع المعذبين بنار جهنم؛ مكان يفقد فيه الكائن أثره ونوره، كما قال تعالى في وصف جهنم: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ} (الملك: 6). إنها البالوعات الكونية التي تطوي سجل الأشرار وتفنيهم في غياهب العدم.

تدوير الأرض وبداية الدورة الجديدة

عند نهاية كل جيل، تُطوى صفحات حياتهم، وتعود الأرض إلى "براءتها الأولى" كما خلقها الله أول مرة، لتستعد لاستقبال أمة أخرى. نحن البشر لسنا أول من وطأ هذا الثرى، وربما لن نكون الأخيرين؛ نحن مجرد حلقة في سلسلة من "الحيوات" التي تبدأ وتنتهي، لتتحول في الختام إما إلى "نجم أو كوكب" يُزين سماء من سيأتون بعدنا، أو إلى "ظلمة" تبتلعها الثقوب السوداء.

{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الروم: 27).

بناءً على هذا التصور، يصبح الكون بكامله وثيقة تاريخية ومعمارية كبرى، تُسجل قصة كل من سكن الأرض ورحل عنها إلى مستقره الأبدي في آفاق السماء.

"إنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ فَضَاءً صَامِتًا، بَلْ هِيَ 'الأَرْشِيفُ العُمْرَانِيُّ' لِلأَرْضِ؛ كُلُّ نَجْمٍ فِيهَا هُوَ هُوِيَّةٌ اسْتَكْمَلَتْ رِحْلَتَهَا، وَكُلُّ مَجَرَّةٍ هِيَ حَيُّ سَكَنِيٌّ لِأُمَمٍ سَبَقَتْنَا. نَحْنُ اليَوْمَ نَبْنِي بِأَفْعَالِنَا مَوَاقِعَنَا فِي ذَلِكَ السِّجِلِّ الكَوْنِيِّ، فَمَا الأَرْضُ إِلَّا وَرْشَةُ بِنَاءٍ، وَمَا السَّمَاءُ إِلَّا الوَطَنُ الذِي يَتَّسِعُ لِيَحْتَوِيَ أَمْجَادَ العَابِرِينَ."



أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...