أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الجمعة، يناير 09، 2026

تأمل في جذور الظواهر المعمارية - 2

  


جمال الهمالي اللافي

العمارة ليست مجرد بناء أو شكل هندسي، بل انعكاس لمعادلات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية. إنها مرآة تكشف عن أمراض المجتمع كما تكشف عن طموحاته، وتترجم علاقته بجذوره أو اغترابه عنها. لذلك فإن أي نقاش معماري جاد لا بد أن يتجاوز الأعراض الظاهرة إلى الأسباب الكامنة التي تُنتج الظواهر، ليصبح النقد فعلًا علاجيًا، يستأصل عوامل المرض.

فكما لا يكتفي الطبيب بوصف الحمى أو السعال، بل يبحث عن الجرثومة والعوامل التي سمحت لها بالانتشار، كذلك ينبغي للفكر النقدي أن يتجاوز سطح الظواهر إلى جذورها. في المعمار، لا يكفي أن نرفض شكلاً أو نحتفي بآخر، بل علينا أن نتساءل: ما الذي دفع إلى ظهوره؟ ما البيئة التي سمحت له بالنمو؟ وما السياقات التي جعلت حضوره ممكنًا؟ بهذا المعنى يصبح النقد فعلًا علاجيًا، لا مجرد إدانة أو ثناء.

ومن هنا، فإن النقاش الجاد لا بد أن يتناول الأسباب التي تُنتج الظواهر لا مجرد مظاهرها. ولعل أبرز الأسئلة التي تستحق الطرح:

  • كيف يؤثر تكوين المعماري المغترب في صياغة عمارة بعيدة عن جذورها، وما السبل لمواءمة هذه المؤثرات مع خصوصية المجتمع؟
  • كيف تؤثر التشريعات العمرانية، سواء تلك المستوردة من التجربة الفرنسية عبر مصر أو الناتجة عن التحولات السياسية المعاصرة، في توجيه ملامح البناء؟ وهل تُستخدم هذه التشريعات أحيانًا كأداة لإظهار السلطة أكثر من كونها استجابة لحاجات المجتمع؟
  • ما الدور الذي يلعبه الإعلام في ترسيخ التفاهة والسطحية، وكيف يمكن أن يتحوّل إلى أداة لرفع الوعي النقدي تجاه القضايا المصيرية؟
  • كيف يمكن للتربية الأسرية أن تغرس الانتماء للجذور والإحساس بالمسؤولية، بدلًا من أن تترك فراغًا يُملأ باللامبالاة والنرجسية؟
  • ما أثر السياسات الاقتصادية في تشكيل الذائقة المعمارية، وهل يُسهم منطق السوق والربح السريع في إنتاج عمارة بلا هوية؟
  • إلى أي مدى يمكن للضغوط الاجتماعية والاقتصادية أن تُعيد تشكيل أولويات المعماري، بين الالتزام بالقيم والبحث عن فرص البقاء في السوق؟

هذه الأسئلة لا تُقدّم أجوبة جاهزة، بل تفتح المجال أمام حوار معماري عميق، يستمد أهميته من خطورة تأثير هذه العوامل على المنتج المعماري. فالنقد الحقيقي لا يفرض أجندة، بل يثير تساؤلات تكشف البذور والتربة التي أنبتت الظواهر، ليعيد للعمارة صدقها مع ذاتها ومع الناس.

الخاتمة

هكذا يصبح النقاش المعماري بحثًا في الأسباب لا في النتائج، في البذور لا في الثمار، وفي التربة التي تُنبت الظواهر لا في أوراقها المتساقطة. إن النقد الذي يذهب إلى الجذور يفتح الطريق أمام علاجٍ أعمق، وبناءٍ أكثر صدقًا مع ذاته ومع المجتمع، ويحوّل الحوار من سطحية الأعراض إلى عمق العوامل المنتجة، ليجعل من العمارة فعلًا حيًا يعبّر عن واقع الناس وطموحاتهم.

الخميس، يناير 08، 2026

كيمياء المكان.. كيف نستنطقُ روحَ المدينة؟

 

جمال الهمالي اللافي

كيف لنا أن نستنطق كينونة المكان ونبثّها في نتاجٍ إبداعي، فنياً كان أو أدبياً، ليكون ترجمةً أمينة لجوهرها؟ يراودني سؤالٌ ملحّ: هل يكتسبُ المنجز المعماري هويته "الطرابلسية" بمجرد انتسابه الجغرافي لقطعة أرض في مدينة طرابلس؟ وهل تكفي المحاكاة البصرية لزقاقٍ قديم في لوحة تشكيلية لتنقل لنا ذلك الإحساس، ما لم يتقصَّ الفنان سرّ "الضوء" الخاص الذي يميز مدننا الليبية بحدته وصفائه الذي يختلف تماماً عن ضوء أوروبا؟ وهل يكفي أن يسرد العمل الأدبي أحداثاً في الصحراء، حتى نستشعر دفء المكان بمثل ما فعلت شمسه ورماله، ونستمع لارتداد الصوت الذي تُشكله البيئة وتنعكس آثاره على نبرة سكانها ومشاعرهم؟

إن استنكاه روح المكان لا يتحقق برسم القوس الطرابلسي أو وصف الرمال، بل بنقل الأثر النفسي الذي يتركه ذلك الفراغ. فالمعمار الحق هو من يدرك كيف يتعامل الإنسان مع "الخصوصية"، وكيف يتحرك الهواء بين الفناءات محاكياً فلسفة "الستر" والعلاقات الاجتماعية التي شكلت المدينة القديمة؛ فإذا لم يترجم المعمار هذه القيم في مبناه الحديث، سيبقى المبنى جسداً بلا روح. وفي الأدب، الصدق في التعبير يأتي من رصد التفاصيل غير المرئية من الذاكرة الحسية؛ فلا يكفي وصف "الرمل"، بل وصف علاقة الإنسان به كقوة قاهرة تشكل مصيره وتصيغ مزاجه. أما الفنان التشكيلي، فهو من "يستنكه" روح المكان حين يمزج لونه بتراب الأرض حرفياً ومعنوياً، فيجعل المتلقي يشعر بالانتماء للوحة قبل أن يقرأ اسم صاحبها.

إن روح المكان هي طاقة تُشم وتُلمس أيضاً، وهي انعكاس مباشر للواقع المعاش وليست مجرد قدر جغرافي. أتذكر في يونيو من عام 2007، حين عُدت من سفرٍ إلى المغرب؛ حيث كان الهواء هناك ينسابُ منعشاً، وبمجرد أن انفتح باب الطائرة في مطار طرابلس، لفحتني كتلة من الهواء الحار المشبع برائحة احتراقٍ غريبة (شياط)، أصابتني بصدمة شديدة. لقد كان هواء ليبيا قبل عام 69 منعشاً ومريحاً، لكن رائحة "الشياط" تلك - التي تنتج في لغتنا عن الغفلة عن الشيء فوق النار حتى يحترق - كانت تجسيداً للمناخ السياسي الخانق الذي كبّل البلاد. ورغم سوء الظروف الحالية، إلا أنني لاحظت بعد فبراير أن تلك الرائحة الثقيلة لم تعد موجودة بنفس الكثافة، وكأن هواء المدن يتنفسُ بآلامنا وآمالنا.

إن غياب هذه الروح في الأعمال المعاصرة جعلنا لا نستدل على هويتها إلا من خلال "توقيع" المبدع، لنعلم بالتقصي في اسمه لا بالإحساس بفعله أنه ليبي المولد والنشأة. فالمبدع الذي لا يشم "شياط" مدينته، ولا يلتقط ذبذبات الصوت في صحرائه، ولا يمزج ضوءه بخصوصية ضيائنا، سيظل عمله صامتاً، وسيبقى مغترباً عن تربته وإن وُجد فوقها.

الخلاصة

نستنكه روح المكان حينما نتوقف عن معاملته كـ "موقع بناء" أو "خلفية رسم"، ونبدأ بمعاملته كـ "شريك في الوجود". روح المكان هي "المسك" الذي يفوح من الجليس (العمل الإبداعي) دون أن يحتاج الجليس لقول "أنا أحمل المسك".

الأربعاء، يناير 07، 2026

مَنَازِلُ السَّمَاءِ: رُؤْيَةٌ فِي التَّعَاقُبِ العُمْرَانِيِّ وَتَدْوِيرِ الخَلْقِ

تُجسد هذه اللوحة التشكيلية فرضية "التوالي العمراني الكوني"، حيث تتحول الأجرام السماوية من مجرد مادة فيزيائية إلى سجلات تاريخية وعمرانية مأهولة.

جمال الهمالي اللافي

استهلال : إن ما يرد في هذا النص لا يشكل تفسيراً شرعياً أو فقهياً للآيات القرآنية الكريمة، ولا يخرج عن كونه تصوراً تخيلياً وخاطرة تأملية في كنه الكون وعمارته. هي قراءة فلسفية تحاول استنطاق المعطيات الكونية من منظور فني وعمراني، دون المساس بالثوابت التفسيرية المقرة.

ماذا لو تأملنا الكون لا كفضاء فيزيائي صامت، بل كخارطة عمرانية حية، تُبنى وتتسع وفقاً لرحلة الخلق؟ إنها فرضية تستقرئ المعطى القرآني لتقدم تصوراً تخيلياً عن كنه الوجود وعمارته الإلهية.

الأزلية وإعداد "موقع" الاستخلاف

إن الله عز وجل هو "الأول والآخر"، الذات التي لا يحدها زمان ولا يحويها مكان. في ستة أيام، خلق الله الأرض وهيأها، وجعل السماوات السبع بناءً محكماً لا يُفتح إلا بأمره. هذا الإتقان الإنشائي للأرض يشير إلى أنها صُممت لتكون مسرحاً لـ "تدوير" الحيوات؛ حيث يتم إعمارها من قِبل مخلوقات تمتلك إرادة الفعل والتفكير، كالإنس والجن.

وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة: 30)، نجد إشارة صريحة إلى وجود أمم سبقت خلق آدم، أقوام تعاقبوا على هذه الأرض، وانتهت رحلتهم الدنيوية ليحاسبوا على ما قدموا. إن الأرض بهذا المعنى ليست ملكاً لجيل واحد، بل هي "موقع عمراني" يُعاد تدويره وإعادته لسيرته الأولى بعد كل نهاية أمة، لتستقبل خلقاً جديداً.

فلسفة التوسع: بناء المنازل الأخروية

بينما يتساءل العلماء عن سر اتساع الكون، تأتي هذه الرؤية لتربط الاتساع بانتهاء مسيرة كل أمة على الأرض. يقول المولى عز وجل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47). إن هذا التوسع ليس مجرد تمدد للمادة، بل هو إنشاء مستمر للمساكن الروحية (الغرف) لكل أمة ينتهي حسابها؛ فالسماء تتسع لتستوعب العمران الجديد للأرواح التي غادرت الأرض.

الأجرام السماوية كـ "وحدات سكنية" علوية

في هذه الفرضية، تتحول النجوم والكواكب من أجرام صامتة إلى "توقيعات عمرانية" تعكس مراتب الأقوام السابقة:

·     النجوم اللامعة: هي غرف ومنازل الأنبياء والرسل؛ وكل نجم يمثل مقام النبي ومكانته بحجم إضاءته وموقعه من مركز المجرة، تحقيقاً لقوله تعالى: {لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (الزمر: 20).

·     الكواكب: هي غرف الأتقياء من تلك الأمم؛ فكل كوكب نراه ليس إلا مسكناً أُعدَّ لقومٍ مؤمنين، ويتحدد حجم الكوكب واتساعه بناءً على درجة تقواهم وجزائهم الإلهي.

الثقوب السوداء: عمارة الجحيم

وعلى النقيض من ضياء النجوم والكواكب، تأتي "الثقوب السوداء" كعنصر عقابي في هذا التصميم الكوني. إنها ليست مجرد ظواهر فلكية، بل هي "عالم الجحيم" الذي يبتلع المعذبين بنار جهنم؛ مكان يفقد فيه الكائن أثره ونوره، كما قال تعالى في وصف جهنم: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ} (الملك: 6). إنها البالوعات الكونية التي تطوي سجل الأشرار وتفنيهم في غياهب العدم.

تدوير الأرض وبداية الدورة الجديدة

عند نهاية كل جيل، تُطوى صفحات حياتهم، وتعود الأرض إلى "براءتها الأولى" كما خلقها الله أول مرة، لتستعد لاستقبال أمة أخرى. نحن البشر لسنا أول من وطأ هذا الثرى، وربما لن نكون الأخيرين؛ نحن مجرد حلقة في سلسلة من "الحيوات" التي تبدأ وتنتهي، لتتحول في الختام إما إلى "نجم أو كوكب" يُزين سماء من سيأتون بعدنا، أو إلى "ظلمة" تبتلعها الثقوب السوداء.

{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الروم: 27).

بناءً على هذا التصور، يصبح الكون بكامله وثيقة تاريخية ومعمارية كبرى، تُسجل قصة كل من سكن الأرض ورحل عنها إلى مستقره الأبدي في آفاق السماء.

"إنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ فَضَاءً صَامِتًا، بَلْ هِيَ 'الأَرْشِيفُ العُمْرَانِيُّ' لِلأَرْضِ؛ كُلُّ نَجْمٍ فِيهَا هُوَ هُوِيَّةٌ اسْتَكْمَلَتْ رِحْلَتَهَا، وَكُلُّ مَجَرَّةٍ هِيَ حَيُّ سَكَنِيٌّ لِأُمَمٍ سَبَقَتْنَا. نَحْنُ اليَوْمَ نَبْنِي بِأَفْعَالِنَا مَوَاقِعَنَا فِي ذَلِكَ السِّجِلِّ الكَوْنِيِّ، فَمَا الأَرْضُ إِلَّا وَرْشَةُ بِنَاءٍ، وَمَا السَّمَاءُ إِلَّا الوَطَنُ الذِي يَتَّسِعُ لِيَحْتَوِيَ أَمْجَادَ العَابِرِينَ."



الاثنين، يناير 05، 2026

مدير أعمال للمعماري: تحول صامت وميثاق مهني مقترح

 


جمال الهمالي اللافي

في منشور مرّ دون أن يثير ضجيجاً أو نقاشاً يُذكر في الوسط الهندسي في حينه، دعا أحد المعماريين الأفاضل عبر صفحته للتواصل مع "مدير أعماله" لتنسيق شؤونه المهنية. ورغم أن الموضوع تم التعامل معه كمسألة شخصية تخص صاحبها، إلا أنه في جوهره يطرح تساؤلاً لم نعتد عليه في واقعنا المعماري المحلي حول طبيعة ممارسة المهنة وتحولاتها.

من النجومية إلى الممارسة المعمارية

من المتعارف عليه أن وظيفة "مدير الأعمال" ترتبط عادةً بعوالم الرياضة والفن، حيث تتركز المهمة على استجلاب الصفقات والتفاوض على العقود. لكن فكرة أن يحذو المعماري صاحب الخبرة -لا سيما في بيئتنا الليبية- هذا الحذو، هي فكرة استوقفتني وأعجبتني من حيث المبدأ؛ فالمعماري يجد نفسه غالباً مشتتاً بين مطرقة "الإبداع" وسندان "الإدارة".

إن وجود شخص يمتلك موهبة الإدارة وسعة العلاقات قد يكون "فاتحة خير"، ليس فقط لتنظيم وقت المعماري، بل لفتح فرص عيش لآخرين، شريطة أن تُبنى هذه الصفقات على أسس من النزاهة والوضوح (بالحلال). لكن السؤال الجوهري يظل: ما هي المهمة المنوطة بهذا المدير؟ هل هو "جسر" لتطوير العمل، أم "حاجز" للترفع عن التواصل مع الناس وتصريفهم بوعود واهية؟ إن إحسان الظن فضيلة، لكن التقنين ضرورة.

ميثاق أخلاقي مقترح لإدارة الأعمال المعمارية

    لكي لا تتحول هذه الوظيفة إلى أداة للانفصال عن الواقع أو وسيلة لتسليع الموهبة، نقترح مجموعة من المبادئ الأخلاقية لتأطير هذا المسار الجديد:

·     الشفافية والنزاهة (مبدأ الحلال): أن يكون دور مدير الأعمال هو "التسويق القائم على الكفاءة"، لضمان صفقات واضحة الشروط بعيدة عن المحسوبية، تضمن حقوق المعماري والزبون معاً.

·     الحفاظ على إنسانية التواصل: مدير الأعمال هو "منسق" وليس "ساتراً". لا يجوز استخدام هذه الوظيفة للتعالي على طالبي الخدمة؛ فالمعماري يجب أن يظل متصلاً بنبض الشارع واحتياجاته لكي لا تفقد حواسه بوصلتها الجمالية والاجتماعية.

·     الصدق في إدارة التوقعات: الالتزام بالشفافية في المواعيد بناءً على القدرة الاستيعابية للمكتب، والابتعاد عن "التصريف" بوعود مستقبلية كاذبة احتراماً لوقت الناس ومصالحهم.

·     حماية الهوية المعمارية: ألا يكون البحث عن الربح والنسبة المئوية دافعاً لقبول مشاريع تجارية تساهم في "تطبيع القبح" أو تشويه المشهد البصري، بل يجب أن يمثل مدير الأعمال "قيم المعماري" قبل مصالحه المادية.

·         الوضوح المالي: أن تكون العمولات معلومة ولا تؤثر بأي حال من الأحوال على جودة التنفيذ أو تضع أعباءً إضافية غير مبررة على كاهل الزبون.

خاتمة

    إننا أمام مجال جديد في مهنة العمارة، وجب تقنينه ليكون إضافة حقيقية للجميع. فإذا كان مدير الأعمال سيعين المعماري على التفرغ للإتقان والسمو بإنتاجه، فمرحباً به كشريك في النجاح، وإلا.. فسنقول حينها بمرارة: "جابت الدنيا ما عندها!".

الجمعة، يناير 02، 2026

المعماري بين هيبة "الملك" وعزلة "المُهمش": جذور السقوط في فخ القبح



جمال الهمالي اللافي

مقدمة من ذاكرة الدهشة:

    في مطلع الثمانينيات، وفي مشهدٍ يختصر الفجوة الحضارية بين وعيين، استضافت أختي (بصفتها رئيسة قسم تعليم الأجانب اللغة العربية) مجموعة من طالباتها الغربيات من جنسيات مختلفة، ألمانيات وفنلنديات وغيرهن. كان لقاءً بروتوكوليّاً عادياً حتى اللحظة التي عُرّفتُ فيها كطالب في قسم العمارة؛ حينها، حدث ما لم يكن في الحسبان. لمعت أعينهن جميعاً، وصدرت عنهن حركة وقار موحدة وكأنني "شخص غير عادي" يقف أمامهن. وعند سؤالهن عن سر هذا الانبهار، أتى الجواب بصوت واحد: "مكانة المعماري في بلادنا بمثابة الملك".

    هذه اللمعة لم تكن مجرد تقدير لمهنة، بل كانت انعكاساً لوعي شعوب تدرك أن المعماري هو "حارس الجمال" ومنظم الوجود. لكن، وبكل أسى، نجد هذا "الملك" في واقعنا العربي قد أُسقط من عرشه ليحل محله نجوم الطرب والتمثيل.

واقع التهميش العربي:

    بينما يُتوج المعماري مَلِكاً في الغرب، نجد مقامَه في عالمنا العربي قد أُسقط في حضيض التهميش. وكما يشير المعماري المصري عبد الواحد الوكيل، فإن وزارة الثقافة عندهم لا تولي اهتماماً بغير عالم الطرب والتمثيل. وأضيف عليها أنا المؤسسة الإعلامية بمنظوماتها المتعددة؛ إن التغطيات، والمهرجانات، والجوائز التقديرية تُنحر تحت أقدام "الفن الاستهلاكي"، بينما يُحرم المعماريون والمصممون والمهندسون حتى من "طرف العين" المؤسسي.

المحاور التحليلية للأزمة:

1. المؤسسة الرسمية و"تطبيع القبح"

    هذا التحيز المؤسسي ليس مجرد خطأ إداري، بل هو المحرك الأساسي لما أسميناه سابقاً "تطبيع القبح". فعندما يُغيب المعماري عن المشهد، تفقد الحواس بوصلتها، ويصبح القبح العمراني هو "المألوف" الجديد، وتتحول مدننا من مشاريع حضارية إلى عشوائيات ومبانٍ من صفيح.

2. غياب "الجليس الصالح" للمدن

    بالإسقاط على الحديث الشريف: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير"، نجد أن المعماري في الغرب هو حامل المسك الذي يحظى بتقدير الملوك لأن أثره يفوح في كل شارع وزاوية. أما في مجتمعاتنا، فقد استُبدل هذا الجليس بصناع الترفيه العابر، فخسرنا "ريح الجمال" ووقعنا في "ريح التخلف" وبقايا تجارب الغرب المرفوضة، وهو ما يجسد تماماً أثر نافخ الكير الذي يحرق ثياب الهوية العمرانية.

3. المعماري والومضة الذهبية

    إن التفاوت الذي لمسته في عيون تلك السيدات يفسر أزمة "الومضة الذهبية" عندنا. الغرب يرى في العمارة صلة وصل بين الزمن والهوية، لذا يقدسون المعماري لأنه يمنحهم الاستمرار. أما نحن، فقد فصلنا بين "الزمن" و"الهوية"؛ فنحن نستهلك اللحظة في الطرب والتمثيل (الومضة العابرة)، ونهمش المعماري الذي يصنع "المكان" الدائم.

4. الانهيار الحضاري: من التخطيط إلى العشوائية

    هذا السقوط من "مقام الملوك" إلى "حضيض المهمشين" هو الذي يفسر لماذا تقف مدنهم كمخططات مدروسة، بينما تغرق مدننا في العشوائية. إنها أزمة قيم قبل أن تكون أزمة بناء:

·         في الغرب: المعماري يصنع مقومات الحضارة.

·         في الشرق: تهميش المعماري يرسخ مظاهر التخلف.

رسالة مفتوحة إلى "سدنة الثقافة" ومنظومات الإعلام: كفى تهميشاً لصنّاع الحضارة

    إن الفجوة التي تبدأ من "لمعة عين" سيدة غربية وتنتهي بـ "مباني الصفيح" في مدننا، ليست مجرد صدفة، بل هي نتاج سياسات إقصائية ممنهجة. لذا، نوجه هذه الرسالة إلى وزارة الثقافة والمؤسسة الإعلامية العربية:

1.   كفوا عن "تطبيع القبح" بمهرجانات الطرب: إن حصر مفهوم "الإبداع" في الحنجرة والتمثيل فقط هو قصر نظر حضاري. بينما تنفقون الميزانيات الضخمة على مهرجانات تنتهي بانتهاء التصفيق، تنهار مدننا بصرياً لأنكم غيبتم المعماري—"الجليس الصالح" للمدن—عن المنصات التقديرية.

2.   استعادة "مقام الملك" للمعماري: إن المعماري ليس تقنياً ينفذ الأوامر، بل هو "ملك" الفراغ وصاحب الرؤية السيادية على المكان. إن استمرار تجاهلكم لهذا الدور يحول مبدعينا إلى "مهمشين" يبحثون عن تقديرهم في الخارج، بينما تظل ساحاتنا العمرانية مرتعاً لعشوائية "نافخ الكير".

3.   العمارة هي "الومضة" التي لا تنطفئ: إذا كانت الفنون الأخرى تقدم متعة "اللحظة"، فإن العمارة هي الفن الذي يربط الزمن بالهوية. إنكم بتهميشكم للمعماري والمصمم، تكرسون حالة "الومضة الذهبية" المبتورة؛ حيث نعيش في زمن بلا هوية مكانية واضحة.

4.   نداء للتغيير قبل السقوط التام: إن المدن العشوائية التي تحيط بنا هي "شهادة إدانة" ضد كل مؤسسة أغمضت طرفها عن المعماري. المطلوب اليوم ثورة في الوعي المؤسسي تضع المعماري في مكانه الطبيعي؛ كقائد للتحضر ومصحح للمسار البصري.

خاتمة وخلاصة

    لقد أدركت تلك السيدات الغربيات في الثمانينيات ما لم تدركه مؤسساتنا حتى اليوم: أن هيبة المعماري من هيبة الوطن. إن تلك الحركة الموحدة التي صدرت عن السيدات الألمانيات والفنلنديات كانت اعترافاً صريحاً بالسيادة. وبدون استعادة هذه "السيادة" للمعماري العربي، وبدون أن تلتفت إليه المؤسسات الثقافية بتقدير حقيقي، سنبقى نعيش في "أخطاء التجربة" التي يرميها الغرب خلفه، ونظل نكرس القبح كواقع لا مفر منه، حتى نفقد آخر ما يربطنا بمفهوم الحضارة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...