ليست العمارة بيضاء أو سوداء بسبب أشكالها، بل بسبب المرجعية التي تمنح تلك الأشكال معناها.
جمال الهمالي اللافي
ما نقبله في عالم الفنون
التشكيلية من تعدد المدارس وتنوع الرؤى والأساليب لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها عندما
يتعلق الأمر بالعمارة. وليس مرد ذلك إلى أن العمارة أقل قدرة على استيعاب الاختلاف
أو أكثر ميلًا إلى الانغلاق، بل لأن أثرها يتجاوز حدود التعبير الفردي ليصبح جزءًا
من الواقع المادي الذي تتشكل داخله حياة المجتمع اليومية. فاللوحة الفنية قد تبقى
حبيسة المتحف أو قاعة العرض، أما العمارة فتتحول إلى بيئة معيشة دائمة، وإلى إطار
يحتضن السلوك الإنساني ويوجه أنماط العلاقات الاجتماعية ويؤثر في إدراك الإنسان
لنفسه ولمحيطه.
ومن هنا فإن الخطأ الأكثر
شيوعًا في الخطاب المعماري المعاصر يتمثل في اختزال النقاش إلى مستوى الأشكال
والطرز والأساليب البصرية، وكأن الخلاف بين الاتجاهات المعمارية لا يعدو كونه
اختلافًا في الذائقة الجمالية أو تفضيلًا بين مجموعة من المفردات الشكلية.
والحقيقة أن ما نراه بأعيننا ليس سوى الطبقة السطحية لواقع أكثر عمقًا وتعقيدًا.
فالأشكال لا تولد من فراغ، ولا تنشأ مستقلة عن المرجعيات التي أنتجتها، بل هي
التعبير المادي الأخير عن أفكار وقيم وتصورات سبقتها بوقت طويل.
"إن كل عمارة، شاء من صممها أم أبى، بعلمه أو بجهله، هي نتاج
المنظومة الفكرية التي أوجدتها." فهي تحمل في داخلها تصورًا معينًا للإنسان،
وللعلاقة بين الفرد والمجتمع، ولحدود الخاص والعام، ولموقع الدين من الحياة،
ولمفهوم الحرية، ولمعنى الجمال، بل ولمعنى الوجود نفسه. ولهذا فإن المباني لا
تُشيَّد بالخرسانة والحجر والفولاذ فقط، وإنما تُشيَّد كذلك بالأفكار التي تمنح
تلك المواد معناها وتحدد الغايات التي وُظفت من أجلها.
وعندما نتحدث عن العمارة
الإسلامية أو الغربية أو الحداثية أو غيرها من التصنيفات الشائعة، فإننا في كثير
من الأحيان نخطئ حين نتصورها مجرد أنماط شكلية متمايزة. فالعمارة الإسلامية لم تكن
قبابًا وأقواسًا وزخارف هندسية بقدر ما كانت ترجمة عمرانية لرؤية كونية متكاملة،
نشأت من عقيدة محددة وصاغت فهمًا خاصًا للإنسان والمجتمع والعمران. وكذلك الحال
بالنسبة إلى العمارة الحديثة؛ فهي لم تظهر بوصفها اقتراحًا جماليًا جديدًا فحسب،
وإنما جاءت تعبيرًا عن تحولات فلسفية وفكرية عميقة أعادت تعريف الإنسان وموقعه في
الكون وعلاقته بالتاريخ والتراث والسلطة والدين.
لهذا فإن النظر إلى الحداثة
المعمارية باعتبارها مجرد لغة تصميمية جديدة هو تبسيط شديد لموضوع بالغ التعقيد.
فالحداثة وما تلاها من تيارات واتجاهات ليست في جوهرها أشكالًا هندسية مختلفة،
وإنما تمثل منظومات قيم كاملة، تحمل تصورات أخلاقية وفلسفية محددة، وتسعى بصورة
مباشرة أو غير مباشرة إلى إعادة تشكيل البيئة الإنسانية وفق تلك التصورات. ومن هنا
فإن تأثيرها الحقيقي لا يُقاس بما أحدثته من تحولات في هيئة المباني، بل بما
أحدثته من تحولات في الوعي الذي أنتج تلك المباني أو تأثر بها.
وقد تبدو هذه الفكرة غريبة
للبعض، لأن الناس اعتادوا النظر إلى العمارة باعتبارها نشاطًا تقنيًا محايدًا. غير
أن التاريخ الإنساني بأسره يكشف عكس ذلك. فالعمران لم يكن يومًا محايدًا، ولم تكن
المدن مجرد تجمعات مادية للسكان. لقد كانت دائمًا تجسيدًا ملموسًا للقيم الحاكمة
للمجتمع. وما أن تتغير المرجعيات الفكرية حتى يبدأ العمران نفسه في التحول، ليس
فقط في أشكاله، وإنما في منطق تنظيمه وأهدافه وأولوياته والعلاقات التي ينسجها بين
أفراده.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي
يجعل استيراد النماذج المعمارية مسألة تتجاوز حدود التقليد الشكلي. فالمشكلة لا
تكمن في استخدام تقنية جديدة أو مادة بناء حديثة أو أسلوب إنشائي متطور، فهذه كلها
أدوات يمكن لأي حضارة أن توظفها ضمن رؤيتها الخاصة. المشكلة تبدأ عندما تُستورد
المنظومات الفكرية الكامنة خلف تلك النماذج من دون وعي بطبيعتها أو بمآلاتها.
عندها لا يكون المستورد مجرد مبنى، بل رؤية كاملة للحياة تتسلل إلى المجتمع عبر
العمران الذي يحتضنه كل يوم.
ولهذا فإن الحديث عن الهوية
المعمارية ينبغي أن يتحرر من أسره التقليدي داخل دائرة الشكل والمظهر. فالهوية
ليست لون واجهة، ولا نوع نافذة، ولا شكل سقف، ولا حجم قوس. هذه كلها نتائج يمكن أن
تتغير من عصر إلى آخر ومن مكان إلى آخر. أما الهوية بمعناها العميق فهي المنظومة
العقائدية والقيمية التي تمنح العمارة معناها وتوجه غاياتها وتحدد علاقتها
بالإنسان والمجتمع. وعندما تضطرب هذه المنظومة أو تُستبدل بأخرى، فإن التغيير
الحقيقي لا يقع في شكل المباني فحسب، بل في طبيعة الإنسان الذي تتولى تلك المباني
احتضان حياته وصياغة وعيه.
إن السؤال الجوهري في العمارة
ليس: أي طراز نختار؟ ولا: أي لغة بصرية نعتمد؟ بل: أي منظومة قيم نريد أن تتجسد في
عمراننا؟ وأي تصور للإنسان نريد لمدننا ومؤسساتنا ومساكننا أن تعبّر عنه؟
فالأشكال ليست سوى الظلال
المرئية لأفكار أعمق منها. أما المعركة الحقيقية فتدور في منطقة أخرى، أبعد من
الواجهات وأعمق من الزخارف وأخطر من التفاصيل التصميمية. إنها تدور في مستوى
المرجعيات التي تصوغ رؤيتنا للعالم، لأن العمارة، في نهاية المطاف، ليست فنًا
بريئًا، بل واحدة من أكثر أدوات الحضارات تأثيرًا في تشكيل الإنسان وإعادة إنتاج
قيمه جيلاً بعد جيل.
وفي نهاية المطاف، لا يبقى
أمامنا سوى سؤال واحد تتفرع عنه سائر الأسئلة الأخرى: هل العمارة منتج مادي محايد،
أم أنها وعاءٌ تتجسد فيه رؤية الإنسان للوجود والحياة والمجتمع؟ إن الإجابة عن هذا
السؤال ليست خاتمةً لهذا المقال فحسب، بل مفتاحًا لفهم العمارة ذاتها. فمن يعتقد
بحيادها سيرى في المباني أشكالًا ومواد وتقنيات، أما من يدرك أنها تجسيد مادي
لمنظومة قيم، فسيفهم أن كل حجر فيها يخبرنا بشيء عن الإنسان الذي وضعه، وعن العالم
الذي أراد أن يبنيه من خلاله.
ومن ينجح في الإجابة عن هذا السؤال، ستتضح له تلقائيًا كثير من القضايا التي تبدو متفرقة في الخطاب المعماري المعاصر؛ لأن الخلاف الحقيقي في العمارة لا يبدأ من الشكل، بل من الفكرة التي أنتجت الشكل، ولا من المادة، بل من المرجعية التي منحت المادة معناها.





