أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الجمعة، أكتوبر 31، 2008

حرفة وحرفي... الحرفي والحرفة




أ. علي سعيد قانة



أتسائل دائما عن السبب الذي حذا بي ـ ومازال إلى اليوم ـ إلى التوقف لفترات ليست بالقصيرة أمام حرفي منهمك في عمله ، لم أهتم بالبحث عن السرد وكشف الدواعي لذلك ، تاركا الأمر يأخد مجراه في هذه العلاقة الفطرية البدائية التي جعلت إنسان ما قبل التاريخ يقف مبهورا مشدودا أمام براعة رسام ونحات الكهوف ، ويعزي مقدرته هذه إلى استعادة مشاهداته وتجربته البصرية وتسجيلها إلى قوة غير طبيعية يمتلكها وتنصبه ساحرا وتوكل إليه تحقيق أحلامه في الصيد الوفير وإبعاد خطر منتظر .

التوقف أمام محترفات تجهيز وصناعة السروج في رواق الكرامة بباب الحرية وحرفيي تشكيل الفضة في سوق الصياغة وتطريز "التلاليك" بسوق الترك ، كان من الطقوس التي تتكرر يوميا أثناء عودتي وأنا تلميذ بمدرسة المدينة القديمة الإبتدائية إلى منزلنا بباب البحر ، أحيانا أعرج على سوق النجارة مكررا السلوك ذاته أمام محترفات الحدادة لأسرة دريرة بمواجهة سيدي الشنشان ، وأفرادها منهمكون في حوارهم الملتهب مع الحديد والنار ، بينما أثناء العطلات الأسبوعية كثيرا ما كنت أهرع إلى منطقة سوق الثلاثاء القديم خلف جامع أبورقيبة حيث معامل صهر وسباكة الحديد الزهر لأقف في خشوع مراقبا فنيي تجهيز القوالب والمعدن الملتهب السائل يتدفق كالدم مثيرا في نفسي مشاعر الخوف والإعجاب في آن .

لم أجابه طول هذه المدة بأي سلوك أو موقف أستشف منه ضيق أو تبرم أولئك الحرفيين ، بل ما لمسته نوعا من التسامح واللين تجاه فضولي لعله كان نتيجة لما يرتسم على وجهي من علامات الإنبهار والإهتمام والإعجاب الصامت ... تطورت العلاقة مع الحرفيين في ما بعد إلى حوار حول الحرفة بمودة واحترام .

ذكر الحرفة يستدعي بالضرورة إمتدادها في ما مضى من عمر الإنسانية ، حضورا فاعلا ومحركا ليومها ومتطلعا مشاركا في مستقبلها منذ تحطيم الصوان لصناعته أسنة الرماح وأنصال السكاكين واقتلاع المسلات ونقشها وبناء الصروح والقلاع إلى تنفيذه هياكل المركبات وصناعة الحواسيب وأجهزة الإتصالات . المصمم حرفي خلاق ولكل مجاله ومداه . نرى هنا أن هنالك أسبابا ودواعي تؤكد حاجة الإنسان إلى الحرفة منها/
المعنوية : كربط الحس وإيصاله إلى الأجيال القادمة ، ونقل التفاعل بين المجتمعات ، ووضوح الخيار في الإنتقاء ، ومواجهة التأثيرات المقبلة والتغيرات المفاجئة ، والمحافظة على طابع المنتوج المميز .
أما الحاجة العملية
: فالحرفة تتضمن إندماج وتسلسل تقنيات وأساليب المعالجة عبر فترات وأجيال ، كما أنها تمد الحرفي بمقدرة عملية على المواجهة والتعامل مع الخامات الجديدة والآليات والعدد الحديثة ، وتضمن كفاءة الإستجابة لمتطلبات الحياة متفاعلة ومبادرة ، في حين تحقق الأشكال والوحدات مخزونا للطرح المبدئي في مبادرة الحرفي . وهي بذلك ناموس للقيم ، منها ما له علاقة بالإنتاج أو الجانب العملي التنفيذي أو التقني ، وآخر له علاقة بالمعاملات أو "أخلاقيات الحرفة " وما نسبغه واتسم به الحرفي .يتمثل الجانب العملي في إجادة التنفيذ والذي بدوره يتطلب :

1) الخبرة العملية : وهي ممارسة العمل لفترة من الزمن واكتساب مقدرة على استعمال اليدين إستجابة لخفقات ووفق ما تمليه إنطلاقات المخيلة وحدس للتصور الجمالي العملي أو الرؤية الإبداعية للجمال الحرفي .
2) ملكة على النقد والفرز : رعتها وطورتها خبرة الممارسة الملتزمة ، تتمثل في رد الفعل التلقائي العنيف تجاه ما يعبث بالمنتوج والمبادرة بمعالجته لتعود للمنتوج إشراقته وبهجته .


إن الحرف جميعها وعلى اختلافها تسم مزاوليها بسمتي الصبر والمثابرة ؛ فالصبر يتأتى من الإرتباط بالخامة وتتبع خطوات تنفيذ العمل والإجادة في إيجاد الحلول بغية التمكن من تحقيق التميز ، مثابرا في شوق وحمية لكشف المجهول ، وتجاوز المعتاد والمألوف . إنه كالرائد تنطلق نظراته باحثة في الأفق البعيد ، يجتاز الوهاد والفيافي غير مكترث بما يواجهه أو ما يستغرقه من زمن في سبيل الوصول إلى هدفه .

يصف البعض الحرفي المتميز بأن " ودنه طويلة " ذلك أن مفهوم الزمن وعلاقته بإجادة العمل أمر يختلف عنده عما هو عند عامة الناس ، كما أن علاقة الحرفي بحرفته علاقة تفاعل مثمرة على الصعيد الإنساني ، فهي تفرض عليه التحلي بسلوك واتباع مبادئ تجاه مواطنيه ؛ فالحداد يعمل على تحاشي النهايات الحادة وما قد يكون سببا في إلحاق الأذى بالمستعمل ، خصوصا صغار السن . ويرد حرفي آخر عند تساؤل المقتني عن جودة الإنتاج إذا كان من المستعملات : "خوذ جرب وكان ماعجبكش رده" دليل ثقة بمستوى تنفيذ إنتاجه . هذا العرض سيكون بلا شك سببا لبعث الثقة لدى المقتني ، والدفء في الأفئدة ، وتوثيق للعلاقات في المجتمع .

يقال أحيانا إن الحرفي في حديثه إنطوائي على نفسه ، وحقيقة الأمر أنه يحبذ رفقة عمله ومتعة حوار الأنامل مع الخامة والأداة ، يد تجيد التصرف وتوصل إلى النتائج . ومن صفاته ، كذلك إحترام حرفته عند تنفيذ الإنتاج " حسب أصول الصنعة " وما هو متعارف عليه لدى أرباب المهنة الواحدة في التعامل يمتد هذا ليشمل الحرص على تعليمها ونقل الخبرة وأسرارها " لمن هو أهلا لها " أي أن هناك مطالب وشروطا يجب أن تتوفر في المرشح للتلمذة الحرفية : تكوين شخصيته ، سلوكه وإستقامته ، إلتزامه . عموما من أقوالهم : " لا تعلم الصنعة لمن لا يقدرها ويحترمها " أو يشرفها . الطاعة التامة واحترام الأسطى المعلم وخدمته طوال فترة التكوين التي يحرص فيها الأسطى المعلم على رعاية طالب المعرفة بتتبع تكوينه مقدما له النصح والإرشاد في الوقت والفترة المناسبة وبالكيفية التي تلائم شخصية المريد وإمكانياته ناقلا له الخبرة " بجرعات " إلى أن يكتمل تكوينه ويطمئن إلى سلامة توجيهه وتحليه بآداب وسلوك الحرفي .

الأعمال والمنتجات الحرفية هي تعبير إنساني مباشر ، لهذا فهي أقرب إلى إمكانية الإرتقاء مباشرة إلى مستوى التميز والتفرد " عمل فني " كما أن لها خاصية طرحها بمظاهر وهيئات مختلفة ومتنوعة في المنتوج الواحد مستجيبة لمبادرات حرفيين مختلفي التكوين الثقافي والإجتماعي .
يختلف الإنتاج الحرفي بشدة عن الإنتاج الصناعي الذي تجتره الآلة بالصفات والمواصفات نفسها إلى ما لانهاية للمنتوج الواحد ، أي أنه نسخة مكررة غير متفردة ولا تعكس حالات إنفعالية أو تفاعلا ، بل هي كلمة أو جملة قيلت واستمر ترددها برتابة ، وبدون شاعرية ، محدودة التأثير ، مثال ذلك مرقوم بني وليد الصناعي الجيد الخامة والتنفيذ والمرقوم اليدوي الشعبي . الأول يقتفي صوت إيقاع الآلة الرتيب ؛ والثاني يصاحب خلجات إنسانية .

يقتني البعض أعمالا تشكيلية أو إنتاج الحرف الفنية لحاجة إليها ، كامنة مستترة ظاهرها جمالها وطرافتها للزينة وتجميل الحيز ، أو الحوار وتواصل بينه وبين العمل أو للمباهاة ، جميعها يضفي ويسبغ على المكان بهجة ومتعة للنظر وراحة للنفس . والجمال كما نعرف هو إتزان وتوافق مجموعة من العناصر في تكوين أو وحدة عمل ما . هذا الإتزان هو غاية مقتني الأعمال ةالتي تحققت بفضل المهارات الحرفية التي يمتلكها كل حرفي ممتميز وفنان مبدع ، ولولا هذه الكفاءة لما ظهر للوجود أعمال فنية وحرفية بهذا الحضور الذي يعمل على إغناء حياتنا اليومية .

يشير الكاتب إلى أن هذه المقالة قد تبلور مضمونها بلقاء عدد من الحرفيين والحوار معهم ، وأن عددا من المعاني والتعبيرات التي وردت في المقالة هي بالأساس لهم ونذكر منهم هنا الحاج صالح برقيق (أسطى بناء تقليدي ، نالوت) والأسطى مختار بركه ( أسطى نجار خريج مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية ) ، وكامل القاضي ( صائغ خطاط حفر بقلم الفولاذ على المعادن ) ، وجرجس ( فني صناعة آلات موسيقية وترية بقسم النشاط العام ـ جامعة الفاتح في السبعينيات ) ، وفوزي النعاس ( نقاش على النحاس وطرق الفضة ) ، وعبدالسلام الزنتاني ( صائغ نقش على الفضة والذهب ) ، الحاج سعد شنقب ( حداد شعبي ) ، وسانتو شانز نحات مكسيكي وفني سباكة ).

تعريف بالكاتب على الرابط التالي:

الجمعة، أكتوبر 24، 2008

بين الملاءمة الوظيفية والمتانة الإتشائية




د. رمضان أبو القاسم

من ضمن الأسس المعمارية المستخدمة في تقييم العمل المعماري مبدأ المتانة الإنشائية، الملائمة الوظيفية، والتعبير الجمالي. Firmitas, Utilitas, Venustas .
في تطبيقات العمارة المحلية خاصة منها المعاصرة يلاحظ تقصيرا واضحا في استيفاء العمل المعماري لهذه الشروط. يظهر هذا التقصير في عدم توافر هذه الشروط مجتمعة أو غياب بعض منها وفي حالات احترامها تبدو مراعاة هذه الشروط برؤى محدودة.
كثيرون يرون شرط المتانة الإنشائية متوقفا على المبالغة- لحد الإسفاف- في استخدام قطاعات الحديد الكبيرة وكميات هائلة من الأمتار المكعبة من الخرسانة وعدد مهول من القواعد وسمك كبير للحوائط والأسقف لدرجة أن المسكن البسيط قد يكون درعا ضد آخر صيحات الدمار. قد يكون المبنى متينا دون استخدام اكبر مقطع من حديد التسليح. ويكون المبنى متينا دون صنع قاعدة خرسانية عند كل زاوية في المبنى كما يكون المبنى متينا بالاستخدام الاقتصادي لمكوناته الإنشائية وخضوع تلك المكونات للمقاييس والاعتبارات الحرفية الهندسية.

الوظيفة، عادة ما تفهم في إطار الاستعمال الطبيعي للمبنى ( مستشفى ، مسكن ، متجر) أو تكون على حساب الاعتبارات الجمالية . هذا التوجه غير صحيح تماما والدليل على ذلك إمكانية استغلال المباني المصممة لوظائف محددة في وظائف أخرى . لعل قصة المسرح الروماني في مدينة أرل في جنوب فرنسا الذي تحول في العصور الوسطى لمجمع سكني خير دليل على أن الرؤية الوظيفية الضيقة للعمارة يمكن تجاوزها الجانب الوظيفي للمبنى يمكن فهمه ليس في الوظيفة المصمم من أجلها المبنى بل في التأثير و الفرص المختلفة التي يوفرها المبنى لمستخدميه بحيث يرون في هذه الفرص إمكانية استغلال المبنى وتطويعه لأداء مهام مختلفة إبراز شرط الملائمة أو علاقة المبنى ووظيفته بالمحيط تزيد من فرص نجاح المبنى على صعيد الوظيفة.

الاعتبارات الجمالية، لا ترتبط بالخضوع لما يوجد في السوق نتيجة ما وفره الحذاق من تجار مواد البناء أو بمحاكاة ما ظهر أخيرا في الشارع وما جاء به الحرفي رجل البناء" الأسطى" الوافد، من قيم ذوقية غريبة.

جمال المعمار متعلق بما يوفره المبنى من متعة من خلال توافق عناصر جمالية تتعدى الجانب البصري إلى العوامل الحسية ليشمل الراحة، الصوت، الملمس.


قد تبدو الجوانب الثلاثة المستعرضة آنفا- الجانب الإنشائي، الوظيفي، الجمالي في العمارة- منفصلة بسبب رؤية المصمم لما يجب أن يكون عليه التصميم أو بسبب التطور العمراني الذي تميز بالزيادة الملحوظة في نشاط حركة البناء. ساعد هذا التطور في سيطرة الجانب الوظيفي أو الإنشائي على الجوانب الأخرى رغم أن الدوافع في البداية قد تكون جمالية. هدف صاحب المشروع أو " المصمم" قد تنطلق من فكرة بناء مبنى جميل لكن ينتهي به الأمر إلى تكوين- بنائي، وظيفي مجرد أو هيكل إنشائي. هذا عكس حقيقة العلاقة المرنة المتصلة بين " الوظيفة"، " المتانة" و" الجمال" بفكرة الملائمة.

المتانة ليست بالضرورة مقتصرة على الجانب الإنشائي، بل تشمل الاختيار الأمثل لمواد البناء وتطويع هذه المواد للعناصر الإنشائية لتكون مصدر إثارة جمالية للمبنى كذلك الحال بالنسبة للجوانب الوظيفية. ملائمة الجانب الوظيفي تتحقق بترتيب مكونات المبنى الموجودة به تلك الفراغات. حجرات الكشف بالمستشفيات أو المباني الخاصة بمواقف السيارات أو فضاءات الأمتعة بالمطارات يمكن أن تكون وظيفية متينة إنشائيا وجميلة بإيجاد المساحة الملائمة لها وبتطويع عناصر مثل الإضاءة، الألوان في إثراء أبعاد تلك الفراغات الوظيفية والإنشائية.
الجانب الجمالي قد يكون مرتبطا بإطلالة المبنى على المحيط، لكن في حقيقته هو متعة مصدرها ملائمة الذوق الداخل في تكوين أجزاء المبنى حسب علاقة توافقية مستندة على نظام النسب وخاصية مادة البناء.

بين الوظيفة والإنشاء والجمال في العمارة علاقة مستمرة ظاهرة في كثير من الإنجازات الحضارية المعمرة حتى يومنا هذا. هذه العلاقة وجدت بالمحافظة على الاتزان بين استعمالات المبنى وجوانبه الإنشائية وقيمه الجمالية. استمرارية العلاقة والاتزان الموجود فيها يجنب حدوث خلل في مهمة العمل المعماري باستيفاء أغراضه.

تعريف بالكاتب على هذا الرابط/
http://mirathlibya.blogspot.com/2008/10/blog-post_17.html

المدن والقرى التاريخية بالجبل الغربي



م. وجيه عبد السلام باش إمام
م. عادل عبد الرحمن بعره





تمهيد : تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على جزء هام وأساسي من التراث العمراني الذي يزخر به وطننا ، ألا وهو الكم الهائل والعدد الكبير من المدن والقرى التاريخية المنتشرة فوق ربوع الجبل الغربي الأشم ، التي تعرضت إلى التدهور والانهيار خلال النصف الثاني من القرن الماضي بسبب هجرة السكان عنها ، وما تلا ذلك من أعمال تخريب وتدمير طالت جميع هذه المدن والقرى .

تشير الورقة في البداية إلى الموقع الجغرافي للجبل الغربي ، وكذلك التكوينات الجيولوجية المنتشرة به ، ومن ثم التجمعات السكانية الرئيسة مثل جادو ويفرن ونالوت ، وما يتبع كلا منها من مدن وقرى .
تستعرض الورقة أهم العناصر المكونة لهذه المدن والقرى واستعمالاتها الوظيفية ، وتتمثل هذه العناصر في المساجد والقصور والقصبات ، وكذلك بيوت الحفر والدواميس وغيرها .ثم تتناول الورقة أهم المواد المتسخدمة في بناء هذه العناصر ، كالأحجار وجذوع الأشجار ومن ثم الطرق والأساليب المتبعة في تشييد الأساسات والحوائط والأسقف بأنواعها وبنائها .
تقدم الورقة في النهاية عرضاً لبعض المبادرات والتجارب الأهلية التي يقوم بها بعض السكان من أجل حماية ماتبقي من هذه المدن والقرى والحفاظ عليه ، حيث تتنوع هذه المبادرات بين تلك التي يقوم بها الأفراد والأسر وبين تلك التي ترعاها الجمعيات والمجموعات الأهلية المهتمة بهذا النشاط . وتشير إلى الدور المهم الذي من الممكن أن تلعبه المنطقة في إحياء النشاط السيـــاحي في الجماهيرية ، وذلك لما تزخر به من تراث عمراني ، وإرث ثقافي وفنى ، غني ومتنوع .

1.الموقع الجغرافي للجبل الغربي :يقع الجبل الغربي شمال غرب ليبيا كما يظهر الشكل رقم (1) ، وهو عبارة عن سلسلة من جبال متوسطة الارتفاع تمتد في اتجاه من الشرق إلى الغرب ، علي مسافة طولها حوالي 400 كلم ، وتقع أعلي قمة فيه جنوب مدينة غريان ، وارتفاعها حوالي 981 متراً فوق سطح البحر وسفوحه الشمالية ذات جروف حادة ، وتنحدر تدريجياً في اتجاه الحمادة الحمراء جنوباً . ويقل ارتفاع هذه الجبال كلما اتجهنا شرق غريان حتى تلتقي بالبحر ناحية الخمس .

2. التجمعات السكانية الرئيسة بالجبل الغربي :تاريخياً ، فإن التجمعات السكانية الهامة تتواجد علي الجروف الشمالية ، ابتداء من غريان شرقاً وحتى وازن قرب الحدود التونسية غرباً ، وهذه المنطقة هي موضوع دراستنا . ولأسباب دفاعية بالدرجة الأولي فإن أغلب هذه المدن والقرى – إن لم تكن جميعها – تتجمع علي الحواف الشمالية لتلك الجبال . ويعتمد الاقتصاد المحلي للمنطقة علي زراعة الحبوب والرعي ، خصوصاً في الفترات التاريخية السابقة ، وذلك لوقوعها بين سهل الجفارة شمالاً والظاهر جنوباً ، وهو المنطقة الزراعية الخصبة الواقعة في بداية الحمادة الحمراء.
وأهم المدن التاريخية بالجبل الغربي : غريان ويفرن وجادو والزنتان وكاباو ونالوت ، ويتشابه الطراز المعماري في هذه المناطق نتيجة لتشابه البيئة والسكان ونمط البناء .

ولاتزال المدن التاريخية ظاهرة للعيان في يفرن وجادو والرحيبات والحرابة ونالوت ... إلخ ولكن مع وجود تفاوت في نسبة تعرضها للإهمال ولأعمال الهدم والتخريب ، حيث تتباين حالتها بين المنهارة وبين المهدمة بدرجة كبيرة إلى المتوسط وقد تعرضت هذه المدن إلى الانهيار والهدم نتيجة لهجرة سكانها منها ، هذه الهجرة التي بدأت منذ نهاية ستينيات القرن الماضي ، وحتى هجرتهم منها تماماً في أوائل الثمانينيات منه . وبالرغم من ذلك ، فإن بعض هذه المدن والقرى لاتزال محتفظة بنسيجها وطابعها المعماري المميز ، خصوصاً في مدينة القلعة الواقعة جنوب شرق يفرن ، وكذلك قرية مسوفين الموجودة جنوب غريان ، حيث يمكن القول إن هذين الموقعين لايزالان يحتفظان بالوضع نفسه والنسيج المعماري الأصلي لهما .
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه بالرغم من أن غريان هي أكبر مدن الجبل الغربي ، إلا أن المباني القديمة تقل فيها بشكل ملحوظ عن مثيلاتها في باقي أجزائه ، ويرجع ذلك لاتباع الأهالي لنظام بيوت الحفر في تجهيز مساكنهم وإعدادها ، وكذلك أماكن ممارستهم لأنشطتهم اليومية .
ويمكن الرجوع إلى الشكل رقم (1) لتحديد معظم المواقع التي ذكرت أعلاه .

3. مواد البناء المستخدمة في الجبل الغربي :معظم المواد المستخدمة في البناء هي مواد محلية متوفرة في المنطقة نفسها ، ويمكن إجمالها في الأنواع التالية :
3/1 – الأحجار الكلسية :هي أحجار رسوبية استعملت بأشكالها غير المنتظمة – في أغلب الأحيان – في تشييد المباني حيث استعملت في بناء الأساسات والحوائط ومعظم العناصر الإنشائية الأخرى المكونة للمباني ، وذلك حسب الاحتياجات والوضعية . كما دخلت خامات في تصنيع الجبس المحلي .
3/2 التربة الطينية :استعملت في بناء الأسقف وبعض الديكورات الخاصة بالأسقف الداخلية .
3/3 المونة الجبسية :تجهز بواسطة الجبس المحلي الذي يصنع بحرق الأحجار الكلسية المختلطة بالشوائب ، وعند خلط المونة الجديدة وإعدادها ، تضاف إليها بعض حبيبات وقطع من مونة سابقة الإعداد والاستعمال .وتستخدم المونة الجبسية كمونة للبناء ولياسة الحوائط وبناء الأقواس والأقبية .
4 /3 الأخشاب :وهي إما أن تكون عبارة عن جذوع النخيل القصير أو جذوع أشجار الزيتون وأغصانه وتستخدم في بناء الأسقف المستوية ، وفي صناعة الأبواب وحتى الأقفال .

4. أساليب تنفيذ العناصر الإنشائية لمباني الجبل الغربي (2)
اتبعت الأساليب التالية في تشييد معظم العناصر الإنشائية المكونة للمباني المنتشرة في الجبل الغربي وبنائها .
4/ 1 الأساساتتحفر الأساسات بعمق يتراوح بين ( 70 – 80 ) سم وبعرض في حدود ( 50 – 70 ) سم وتملأ بالحجارة المدكوكة التي تتدرج من الأكبر إلى الأصغر حتى الوصول إلى سطح الأرض ثم تبنى فوقها الحوائط ، ويبين الشكل رقم (2) قطاعاً أفقيا في أحد الأساسات .
4/ 2 الحوائط :يكون عرضها أقل قليلا من عرض الأساسات أي أنها تتراوح بين ( 50 – 70 ) سم . وتبني بالحجارة التي تلصق مع بعضها بالمونة الجبسية ، وتتكون الحوائط من جزءين داخلي وخارجي ، حيث يهذب الأول من ناحية المبني والثاني من ناحية الخارج . ويملأ الفراغ الناشئ عن عدم تلاقي الجزءين بالأحجار الصغيرة أو الكسار كما يبين الشكل رقم (3) ، وعند الوصول إلى منسوب الباب يبني سقف الباب . ثم يكمل بناء الحوائط حتى الوصول إلى سقف الغرفة ، مع وضع عتبة علوية من الخشب في نهاية الباب ، كما يظهر الشكل رقم (4)
أما العتبة السفلية للباب فتتم لياستها بالجبس لحمايتها من البري ، ويوضع بين العتبتين مفصل لتثبيت الباب ولقد لوحظ استخدام الحوائط الجانبية الداعمة في الحوائط ذات الارتفاع الكبير نسبيا . وذلك مبين بالشكل رقم (5) .
4/3 الأسقف :تبني الأسقف باستخدام أغصان الزيتون التي توضع متقاربة مع بعضها بأقصي قدر ممكن ثم تفرش فوقها حجارة صغيرة لملء الفراغات ، وبالتالي منع التربة الطينية من السقوط إلى داخل الغرف ، ثم توضع طبقة من التربة الطينية الرطبة التي تضرب بمضارب خاصة لتثبيتها والتي ترش بالماء في حالة جفافها وتسمي هذه العملية التسبيط . وتوفر هذه الطبقة ميولاً مناسبة لتصريف مياه الأمطار ، ويوضح الشكل رقم (6) قطاعاً في سقف بني بهذه الطريقة أما في حال استخدام جذوع النخيل ، فتتبع الطريقة نفسها مع عدم الحاجة إلى استخدام كميات كبيرة من الحجارة الصغيرة لأن جذوع النخيل تقسم طولياً ثم توضع بحيث يكون الوجه المستوى لها من ناحية الغرفة . وبعد ذلك توزع التربة الطينية بالطريقة نفسها لتوفير ميولٍ مناسبةٍ لتصريف مياه الأمطار . ويبين الشكل رقم (7) قطاعاً لسقف من جذوع النخيل . وتجدر الإشارة إلى أنه تم استخدام أغصان الزيتون وجذوع النخيل بشكل مشترك في بعض الأسقف .
4/4 القباب :شيدت القباب من الحجارة الصغيرة ، وذلك ببنائها دائرة تلو أخرى ، والارتفاع بجوانبها إلى الأعلى إلى أن تغلق الفتحة بالكامل ، ثم تليس من الخارج بمونة الجبس ، يلاحظ الشكـــل رقم (8) . وفي المساجد قد تليس القباب من الداخل أيضا .
4 / 5 الأقبية :تبني بطريقة بناء القباب نفسها ولكن بصورة طولية علي شكل أنصاف دوائر ، ثم تليس هي الأخرى بمونة الجبس ، ويظهر الشكل رقم (9) قطاعاً في أحد الأقبية .

5. أنواع المباني في الجبل الغربي
5/1 البيوت (2)تتميز بالخصوصية والبساطة ، وذلك نظراً لوعورة المنطقة وصعوبة تضاريسها وأيضا محدودية أنواع مواد البناء المتوفرة . وتتبع في معظمها نظام البيت ذي الفناء المفتوح الذي ليس من الضروري أن يكون ذا شكل منتظم ، أو أن تكون مناسيب غرفة في مستوي واحد وذلك بالنظر لطبيعة المنطقة .
وقد يتكون البيت من غرفة أو اثنتين أو أكثر حسب الحاجة والإمكانيات . وبالنسبة للمداخل الرئيسة فقد تفتح مباشرة علي الفناء ، أو قد تكون ذات نظام المدخل المنكسر ، حيث توجد المربوعة في أحد جوانب السقيفة ( وهي الممر المؤدي إلى الفناء ) ، وفي الجانب الآخر يكون مدخل الفناء . وتصنع هذه المداخل من أخشاب الزيتون أو النخيل وكذلك الأمر بالنسبة لأقفالها .
ولايتعدي عرض الغرف ( 1.5 – 1.8 ) متراً وطولها يتراوح بين ( 3 – 4 ) أمتار ، وارتفاع أسقفها لا يزيد علي ( 2 – 2.5 ) متراً ، ولكل منها باب يمتد إلى ساحة الفناء ، ولايزيد ارتفاع الباب علي 1.5 متراً ، وعرض أبواب الغرف يتراوح بين ( 0.8 – 0.9 ) متراً ويصنع من قطع الأخشاب إن توفرت أو اغصان الزيتون وجذوع النخيل . أما النوافذ فهي عبارة عن فتحات للتهوية مساحتها ( 10 × 20 ) سم ، وبحد أقصى لايتجاوز ( 20 × 20 ) سم وهم ما يمكن ملاحظته في الشكل رقم (10) ، وفي الشتاء والبرد يتم إغلاقها بقطع من القماش . أما الأسقف فمعظمها عبارة عن أسقف مستوية لها طبقة ميول لتسهيل عملية صرف مياه الأمطار .
وهناك ما يعرف بالمخزن ، وهو عبارة عن بناء صغير من جزئين ، علوي وسفلي ، ويوجد في أركان إحدى غرف البيت . ويستخدم الجزء العلوي منه في تخزين الحبوب وما شابهها ، وله باب يصعد إليه بدرج ، وسطحه العلوي عبارة عن قبة أو قبو . أما جزؤه السفلي فيستخدم لتخزين الزيتون وما شابه ، وتخفض أرضيته لتوفير ارتفاع مناسب للحركة ، وله باب أيضا .
ويبين الشكل رقم (11) قطاعاً في أحد هذه المخازن .

5/2 المساجد (2)وقد لوحظ أن المساجد عبارة عن قاعات كبيرة ، بها أعمدة من الأحجار ، المسافة بين كل عمود وآخر في حدود ( 1.5 – 1.8 ) متراً ، كما يظهر في الشكل رقم (12) ، وتبني هذه الأعمدة بطريقة مماثلة لطريقة بناء الحوائط ، التي سيأتي ذكرها . وللمساجد غرف جانبية للتخزين وبعض المرافق الأخرى الخاصة ، وذلك نظراً لاستقلاليتها . ومعظم أسقفها تكون علي شكل قباب أو أقبية ، وتليس هذه القباب والأقبية من الخارج بالجبس وقد تليس من الداخل بالجبس أيضا ، يرجع للشكل رقم (13) وتستخدم أغصان الزيتون أو جذوع النخيل في بناء أسقف بعض المساجد .
وبالنسبة للمحراب فهو عبارة عن تجويف بسيط داخل حائط القبلة ، أما المنبر فهو خشبي في معظم الأحيان ، ولاتتعدى درجاته الثلاث .

5/ 3 الدواميس (2)الداموس كلمة لاتينية تعني الســرداب ، وهو عبارة عن حفرة في الأرض بعمق يتراوح بين ( 1.5 –2 ) متراً ، وبطول ( 3-4 ) أمتار ، ينزل إليها بدرجات وتستخدم للإقامة ، وذلك لدفئها في الشتاء وبرودتها في الصيف ، ويظهر الشكل رقم (14) أحد تلك الدواميس التي كانت تستخدم للسكن . هذا وقد استخدمت بعض هذه الدواميس للتخزين . كما لوحظ أنها استغلت في كثير من الأحيان كمعاصر لزيت الزيتون .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مدينة غريان وما حولها من مناطق ، كانت قد أعتمدت علي الدواميس ( بيوت الحفر ) بشكل كبير في السابق وقد كانت حتى عهد قريب النظام الأكثر شيوعاً وانتشاراً في البناء لتلك المنطقة . ولكن مع ملاحظة أن الدواميس الموجودة في منطقة غريان تعتبر بيوتا قائمة بذاتها ، وفيها كل متطلبات المعيشة ، حيث يتكون البيت من مجموعة دواميس تتم فيها ممارسة الأنشطة الحياتيه كافة للسكان .
وقد تعددت أنماط وأشكال بيوت الحفر واشكالها في تلك المنطقة لسببين ، اولهما طوبوغرافية الموقع ومكونات التربة ، وثانيهما التغيرات الاجتماعية والاقتصادية للأسرة والمجتمع . وتتقسم بيوت الحفر وأشكالها في تلك المنطقة إلى ثلاث أنماط هي بيت أبو سقيفة ، وبيت الفصيل والبيت المعلق .
ويعتبر النمطان الأول والثاني الأكثر شيوعا وانتشار في المنطقة ، نظراً لملاءمتهما لطوبوغرافيتها ، وذلك علي عكس النمط الثالث الذي يتطلب تنفيذه شروطاً خاصة . ونتعرض هنا للنمطين الأول والثاني بشيء من التفصيل .
والبداية ستكون مع بيت أبو سقيفة المبين بالشكل رقم (15) الذي يتكون من :
المدخل الرئيس / يكون عادة في المنسوب المنخفض للأرض المنحدرة ، مع تساوي منسوبه مع منسوب الفناء الداخلي .
السقيفة / وهي تمثل الفراغ الذي يربط المدخل بالفناء الداخلي ، وتأخذ شكل مسار منحن ، لضمان العزل البصري الخارجي ، ولمنع دخول التيارات الهوائية إلى الفناء الداخلي .
وتكون السقيفة بعرض 3.0 أمتار ، وارتفاع 2.80 متراً . وتوجد بالسقيفة مصاطب جانبية للجلوس والتخزين وأماكن لربط الماشية . وفي المواقع ذات الأرض شبه المنبسطة تبني السقيفة بحوائط من الحجر تظهر فوق سطح الأرض بميل يعتمد على عمق الفناء الداخلي ويبني سقفها باستعمال جذوع أشجار الزيتون التي تعلوها أغصان الأشجار والتبن وتغطي بطبقة من التراب .
الفناء الداخلي / وهو فراغ مركزي تتوزع حوله مجموعة من الدواميس ويشكل 50 % من المساحة الإجمالية للبيت ، وعمقه يتراوح بين ( 6- 8 ) أمتار . و أما إذا كان دائرياً فإن قطره يتراوح بين ( 8- 10 ) أمتار . أما إذا كان مستطيلا فإن عرضه يكون بين ( 6- 8 ) أمتار ، وطوله بين ( 8 – 10 ) أمتار .
الدواميس / هي فراغات تتم فيها ممارسة النشاطات الأسرية . ويتكون البيت الواحد من عدة دواميس يعتمد عددها على عدد أفراد الأسرة وحالتها الاقتصادية . ويلاحظ عدم تقيدها بانتظام الشكل الهندسي ، مع كونها أقرب إلى الشكل المستطيل مع وجود انحناءات وتوسعات جانبية في الحوائط الطولية والعرضية . وفي العادة تنخفض أرضية الداموس عن أرضية الفناء الداخلي بمقدار ( 30 –60 ) سم . وكذلك توجد بها كوات ( الكوة عبارة عن تجويف داخل الحائط ) تستخدم للتخزين ، وعمق هذه الكوات 50 سم وطولها يتراوح بين ( 1.50 – 2.0 ) متر .
وينقسم الداموس إلى قسمين ، القسم الأول أمامي ويستغل لممارسة الأنشطة اليومية . أما الثاني فينقسم إلى فراغين علوي وسفلي ، يستغل العلوي للنوم ، أما السفلي فيستخدم للتخزين .
المطبخ / وهو فراغ مشترك – في حالة وجود أكثر من أسرة داخل البيت – وعادة يوجد بالقرب من السقيفة ، ويكون صغير الحجم ، حيث تتراوح أبعاده ما بين ( 2.5 – 2.0 ) متراً طولاً و ( 2.0 – 3.0 ) أمتار عرضاً ، وبارتفاع لا يزيد علي 2.6 متراً.
المخزن / يوجد هذا الـــفراغ أعلى من منسوب سقف الـــدواميس بمســـافة في حدود ( 1.0 – 2.0 ) متراً . وتشكل دورا منفصلاً يمكن الوصول إليه بواسطة سلالم مبنية بالحجارة أو منحوتة في التربة أو عن طريق أوتاد خشبية مثبتة في الحائط . ويتم حفر فراغ المخزن في التربة بعمق يتراوح ما بين ( 3-4 ) أمتار ، و بعرض ( 2.0 – 2.5 ) متراً ويقسم إلى مجمــــوعة فراغات . أما حوائط المخزن فتبيض بمونة الجبس وتعالج بالجير لقتل الحشرات.
والعناصر السابقة يمكن التعرف عليها من خلال الشكل رقم (16) ، في حين يبين الشكل رقم (17 ) قطاعاً رأسياً في بيت أبو سقيفة في أرض منبسطة .
أما بالنسبة لبيت الفصيل ، فيوضح الشكل رقم (18 ) ، أنه بيت حفرٍ في أرض صخـــرية ( رسوبية أو متحولة أو رملية ) . ويتم اختيار مواقع إنشائه في المناطق الصخرية المنحدرة كضفاف الأودية والشعاب ، وذلك للحفاظ على الأراضي الصالحة للزراعة .
ولقد جاء هذا النمط من بيوت الحفر تطويرا لبيت أبو سقيفة ، حيث يلاحظ في هذا النمط قربه من الشكل الهندسي المنتظم ، وذلك لكون الفناء الداخلي ذا شكل مستطيل .
وقد وجد هذا النمط في أغلب الأحياء في الأرض التي بها طبقة صخرية ( القرو ) على أعماق مناسبة تتراوح بين ( 2.0 – 4.0 ) أمتار . أما دواميس هذا النمط فإن مقاسها أكبر قليلاً من تلك المــــوجودة في النمط الأول ، كما أن عددها يكون أقل من عددها في النمط السابق.
في حين أن البيوت المعلقة يتم حفرها على ضفاف الأودية الجبلية ذات الطبيعة الصخرية ، وهي نادرة الانتشار وتوجد في مناطق منعزلة عن التجمعات السكنية ، ويطل مدخل البيوت على الوادي مباشرة ويرتفع عن مستوي الأرض بمسافة ثلاثة أمتار فأكثر وذلك كما في الشكل رقم (19) .
هذا وتجدر الاشارة إلى أنه تم الاعتماد في هذا الجزء من الورقة على البحث الذي قدمه كل من المهندس مفتاح البكوش والمهندس علي امحمد الذويب ، المنشور في العدد (38) من مجلة الهندسي .

5/4 القصور :يطلق اسم القصر في العادة على أي بناء عال ومهيب ، ومن هنا أطلق اسم القصر علي بقايا الحصون الرومانية ، مثل قصر ذويب و قصر وامس . كما أطلق اسم القصر على مقر الإدارة المحلية في العهد العثماني ، ومن هذه التسمية ظهر قصر القره بوللي وقصر بن غشير وقصر العجيلات ... إلخ ، واختفت عبارة القصر فيما بعد وأصبحت التسمية القره بوللي وبن غشير والعجيلات ... إلخ إلا أن القصور موضوع ورقتنا هذه ، هي تلك المباني الضخمة المشيدة على حواف الجبل الغربي ( منطقة الدراسة ) ابتداءً من ككلة شرقاً ، حتى وازن غرباً . وهذه القصور متفاوتة في أحجامها وضخامتها ، وقد استعملت لغرضين أساسيين ، أولهما تخزين الحبوب والمواد الغدائية ، كالشعير والتين المجفف والتمر وغيرها والثاني للأغراض الدفاعية ، حيث يتحصن الأهالي فيها عند تعرضهم لغارات القبائل الأخرى .
والقصور في معظمها بناء دائري به فناء ، وتتوزع غرف التخزين على جوانبها حسب الامكانيات المادية لكل عائلة ، وأبرز مثال على هذا النوذج الشائع قصر الحاج وقصر كاباو . ويظهر الشكل رقم ( 19 ) منظراً عاماً لقصر الحاج من الداخل .
وهناك نموذج القصر عديم الفناء ، وأبرز مثال له قصر نالوت ، ولعله أضخم قصور هذا النموذج ، وهو يقع على حافة جرف جبلي ويحتوي على حوالي 400 غرفة تخزين ولا يوجد به فناء وربما تم بناء الفناء فيما بعد نتيجه تزايد عدد السكان واحتياجهم لمزيد من الغرف . ويظهر الشكل رقم (20) قصر نالوت في صورة تبين موقعه على حافة الجرف الجبلي .
كما يعتبر قصر فرسطة أحد أمثلة النموذج الأخير ، إلا أنه غير منتظم الشكل . كما أنه يقع أيضا علي حافة جرف جبلي .
وقد قام الجيش العثماني بتدمير قصور الجبل الغربي وإزالتها إثر ثورة غومة المحمودي أواسط القرن التاسع عشر ، وذلك نتيجة لتحصن المقاومين بها .
وقد أزيلت هذه القصور في يفزن وجادو والرجبان ، وصولاً إلى كاباو التي نجا قصرها من التدمير ، كذلك القصور التي تقع غربها . ويستثني من ذلك قصر الحاج الذي نجا من التدمير على الرغم من كونه يقع شرق جادو .



5/5 القصبات :تمثل القصبات نموذجاً معمارياً مميزاً وفريداً في شمال أفريقيا ، ويعتقد أنه منحدر من المآذن المغربية مربعة الشكل ، التي انتشرت في المغرب العربي ، ومن أمثلتها مئذنة جامع القيروان ومئذنة جامع الزيتونة .
أما بالنسبة للقصبات المنتشرة في الجبل الغربي فقد استغلت لغرضين أساسيين ، أولهما أنها كانت تعتبر نقاط تجميع مؤقتة للحبوب والمحاصيل المزروعة في سهل الجفارة ، أم الثاني فهو استعمالها مراكز للحراسة والتحذير من غارات الأعداء ، عبر نظام اتصالات بين القصبات في السهل ، والقرية في الجبل ويظهر هذا النظام الدفاعي بصورة واضحة في جادو حيث تظهر سلسلة من القصبات موجودة في السهل ، ومن الممكن مشاهدتها من القصبة الرئيسة بمدينة جادو القديمة .
والقصبة عبارة عن مبني من الحجر مربع الشكل ، يشبه البرج الدفاعي . وهي ترتفع حوالي 6 أمتار . وعادة تكون بها غرفة داخلية تستعمل لأغراض التخزين . وبها فتحة يمكن الخروج عبرها إلى السطح ، الذي يستعمل للمراقبة والدفاع . ويظهر الشكل رقم (20) إحدي القصبات التي استخدمت لأغراض التخزين في مدينة نالوت .


جمعية المهندسين العلمية
المجموعة الوطنية لحماية المباني التاريخية

الجمعة، أكتوبر 17، 2008

كتابة الفن التشكيلي الليبي المعاصر... المحاولة أم المخاطرة!





د. مصطفى المزوغي *





عندما يتسأل المرء عن حاجتنا الى الكتابة عن العمل الفني التشكيلي بما فى ذلك من ضرورة لأن نتجاوز متعة المشاهد العفوية، فانه لن يجد سوى الميل الفكري لسد الفراغ بين الكلمة والمشاهدة كإجابة موضوعية. فمع المحاولة المرتقبة لكتابة الجزء الخاص بالفنون التشكيلية الليبية المعاصرة، تلوح لنا خطورة المحاولة فى أن نجهض وليدا لطالما ترقبناه وما طرح جملة التساؤلات هنا الا لغرض تبين جوانب المحاولة وتحديد آفاقها والتمعن فى فلسفة طرحها . فسيرتكز النقاش فى هذه القراءة على ثلاث تساؤلات رئيسة ، يرتبط أولها بمدخل تدوين التجربة الفنية التشكيلية فى ليبيا ومدى توفيق المنهجية البحثية العلمية كمدخل لموضوع الدراسة. فى حين يقوم التساؤل الثانى على خلفية وعمق التجربة الفنية ذاتها ومدى أهليتها للكتابة عنها.

وفى ظل الفرضية- إن لم نجزم بقناعتنا- بثراء المخزون التشكيلي، يختم النقاش بكيفية البحث فى مركبات التجربة التشكيلية من رؤية فنية وآلية ترجمة تعبيرية و...مشاهد ! بدت لى الكتابة عن الفن التشكيلي الليبي المعاصر وكأنها محاولة إدراكية تحليلية عندما ترتبط بهدف تصنيفى ونقدى.

وهذه المحاولة ضرورية لحركة تشكيلية آخذة فى التبلور إلا أن ما يدفعنا إلى أخذ الحيطة هنا هو العارض الطارىء الذى قد يطرأ كحالة تضاد بين الكتابة النقدية والموضوع . فالإختلاف يكمن فى الادراك التحليلى يتطلب تجزئة العمل التشكيلي إلى عناصر والتعامل معها بشكل منفصل وتفصيلى فى حين يتطلب الادراك الجمالى تكامل العمل الفني لاتجزئته والمساحة الذهبية البشرية لن تفسح المجال إلى تواجد الحالتين الادراكيتين فى آن واحد معا!
من هنا يبرز التساؤل عن القيمة الحقيقية لهذا المشروع فهل ذلك يمكن فى محاولة تاريخ الحركة التشكيلية ؟ أم هى فى الكتابة ذاتها ؟
أم هى فى كلتيهما ؟! وبتسليط الضوء على إشكالية الكتابة ذاتها وحتى تتوافق وحركة وتنوع الموضوع يفترض أن تتجاوز الأسلوب التصنيفى الناقد إلى البحث عن رؤية أدبية جديدة بدلالاتها الفنية والزمنية، رؤية تكون معها الصيغة الطموحة للمسيرة التشكيلية، وبشكل تنتفى معها حالة التضاد بين إدراكنا الجمالى والنقدى التحليلى، وبالتالى يغيب الفارق فى الرؤية للعمل الفني" كمعاناة تجربة" أو" كقامة مصنفة من العناصر" فالمنهجية البحثية والمتعددة أشكالها من تاريخية أو وصفية أتحليلية أو تجريبية وأساليب النقد المتباينة فى بحث مكامن الابداع والضعف بالعمل الفني التشكيلي قد لاتشكل بداية موضوعية إن لم يتم تبصر القيمة الحقيقية لمثل هذه "الكتابة" فالمادة الفنية ذات العلاقة على درجات من التفاوت الفني والزمنى فضلا عن كونها بحالة بحث مستمر.

فكل هذا إن لم يتم استقرار بتروي فقد يتمرد الموضوع على المدخل المنهجى المتقن، لسلبية "المنهجية التقنية " التى كثيرا ماتملى النتائج بدلا من أن تكون أداة بحث عنها.

إن هذا يعني وجوب إلمام قلم الكتابة بشروط المنهجيات البحثية مع رفض أى منهجية بحثية محددة سلفا بل أن تتحدد أساسا بطبيعة المعلومات التى يتم تجميعها.

فى حالة الكتابة عنه انطلاقة لها من المرونة الكافية التى تفسح المجال لقراءة ومعايشة كل من خاض التجربة التشكيلية فى بلادنا وقاسى همومها. فبذلك نرسم فلسفة الطرح للفن التشكيلي الليبى المعاصر كصيغة تواصل بين أجيال التشكيليين خلال قرن من الزمان وبذلك يتسنى لنا تسليط الضوء على المحطات الرئيسية فى مسيرة الرواد الإبداعية وتحديد الانعطافات الخلاقة بها. إن كل ذلك سيتم بكيفية موضوعية لا مجال فيها إلى خلط الاسماء بل البحث فى العمل الفني الحدث للفنان ويكون سياق منهجية البحث معها متعمد بشكل أساسى على خصائص العمل لادوافعه، فالأعمال التشكيلية الحدث قد يكون تلك التى ألهمها الزخم الثقافى الموروث والمستمدة جمالياتها من الصفار الصحراوى الحار والزرقة المتوسطية الدافئة.

إذن فالقالب النجى الصرف قالب متقنن لن يلبس العملية الإبداعية ثوبا متكلفا فحسب بل سيفقدنا فرصة الجديد فى كتابة تاريخنا التشكيلي! أما النقاش المتعلق بحقيقة التجربة التشكيلية الليبية يتمحور تساؤله عن خلفية التجربة؟ وهل هى بالعمق الكافى للكتابة عنها؟. فالمراقب للحركة التشكيلية الليبية تحديداً يجد أنها اعتمدت كثيرا على الصقل الذاتى! وإذا ما تتبعنا مكانة التعبير التشكيلي فى مختلف مؤسساتنا التعليمية لن يفوته غيابها إن لم يكن" تغييبها ". فهى لم تدخل فى أى مرحلة من المراحل التعليمية الأساسية مجموع التقييم التعليمى العام، بل تقف خجولة بجوار التربية البدنية والسلوك" كتربية فنية"! وقد يكون مرد ذلك قناعة القائمين على العملية التعليمية بعدم جدوى الحاجة التعبيرية للنشء! علما بأن أول أساليب التعبيرية البشرية تبدأ دائما من التشكيل.

فبعد غياب "التربية الفنية" عند مشارف التعليم الثانوى نلحظ عودتها وبقوة ضمن مؤسسات التعليم العالى التى قامت بتخريج (لا تأهيل) أعداد غفيرة تجعلنا نتسأل عن حاجتنا للمزيد من التشكيليين أو حتى لمثل هذه المؤسسات! وعلى الرغم من ذلك لم يفوتنا بزوغ عدد من الأســـــماء (لا الأعمال) بل ومقارنتها بشكل عقيم مع جيل رائد من التشكيليين.

هنا تزداد الحاجة إلحاحا إلى التحقيق من الأعمال التشكيلية "الحدث" على كافة المستويات من هواة أو محترفين، رواد أو ناشئين قبل الشروع فى عملية الكتابة أو حتى تبنى منهجية ما. وأن تكون البداية بإثارة النقاش على أكبر مقياس ممكن، فمن خلال استفزاز ذاكرة أجيال الحركة الفنية التشكيلية خصوصا الرواد منهم وتعصيف أدمغتها للبحث عن المحطات الخلاقة وتحديد القيم الجمالية والفكرية لها دون النظرإلى الخلفية البيئية أو الزمنية لها . بهذا المحطات الانتقائية تتشكل الركائز لجديد الطرح الذى من خلاله تكون الكتابة ذاتها عملا رائدا ويتحقق معها الأساس المتين لحركة تاريخية طموحة.

إن المسح العلمى المجرد للأعمال الشكلية والمنطق من أن قيمة العمل الفنية تكمن فى حقيقتها الشكلية ، يقودنا إلى استعراض ركائز هذا المسح من كيفية تشكيل العمل الفني وكيفية استقباله من قبل المشاهد . فالكيفية التشكيلية للعمل الفني هى الأخرى تعتمد على تكامل كلا من الرؤية الفنية من جهة وآلية ترجمتها إلى تشكيل مرئى جهة أخرى .والرؤية الفنية تضل المادة الخام الأساسية للعملية
التشكيلية وهى وليدة أخرى حالتين إدراكيتين حسية أو فكرية ،فالرؤية الحسية هي بمثابة إعادة صياغة الواقع من خلال وجدان التشكيلي فى حين تستمد الرؤية الفنية الفكرية ملامحها من المخزون المعلوماتي بذاكرة التشكيلي.

وما يثرى الأعمال الفنية التشكيلية هو تنوع الرؤى الفنية، فقد يختلف تعامل تشكيليين مع موضوع واحد ومنجده في الشكل(1) و(2)
إلا مثال جيد لذلك كان قد عرضه (م.أ. بفلن) فلقد قاما الفانان التشكيليان (جون مارين)John Marin 1913 و(جوزف ستيللا)1922 Joseph Stella على التوالى بتقديم رؤيتين متباينتين لذات الموضوع. فلقد أظهر (مارين) مبنى "الوول وورث" بمدينة نيويورك ضمن رؤية مناخية حساسة فهو قد أنجزمعضم أعماله مع بداية القرن بالقرب من شاطىء البحر الضبابى، الأمر الذى يقترح فى عمل الحفر شكل (1) تأجح المبنى الناطح للحساب وكأن الإنشاء الإنسانى لن يصمد ضد قوى الطبيعة. فى حين نجد رؤية (ستيللا) تبدو مغايرة، فهو يضيع ذات المبنى ضمن مجموعة... مجموعة الناطحات مؤكدة (تشكيليا) على الدقة الهندسية والخطوط الصلبة الحادة، وكأنها لن تنحنى أبدا للرياح. إن الرؤية المستقلة لكل تشكيلى تبدو مختلفة رغم وحدة الموضوع.

كما أن معالجة الرؤية تشكيلياً من خلال ترجمتها مرئياً، عملية تتطلب مساراً فكرياً تكون انطلاقته فى البحث عن" فكرة" إلى انتقاء المادة التشكيلية مرورا بالتقنية التشكيلية. كما يضع التشكيلي ضمن هذا المسار التنفيذى رصيده من أسس العلاقات التشكيلية وأسرارها. وكثيرا ما تكون الحاجة التعبيرية هى المحدد لإختيار المادة التشكيلية المناسبة، وأحيانا أخرى يكون الشكل الرئى هو المحدد الأساسى لإختيار المادة التشكيلية. فالتباين هنا صفة ملازمة للطبيعة التشكيلية الفنية بل قد تتباين آلية الترجمة المرئية لدى التشكيلي الواحد فى مجموع أعماله. فاستثمار الخواص التعبيرية والجمالية لمادة مافى تشكيل مرئى تظل أولوية هامة ضمن الآلية التنفيذية فعلى سبيل المثال نجد فى العمل التشكيلي"الأم والطفل " شكل (3) (لأستر ورثايمر) 1985 Esther Wertheimer تم توظيف البرونز اللامع والناعم لتوفير خواص يتحقق معها الشعور بالاستمرارية ضمن رمزية قوية من القوة والارتباط الأمر الذى دفع بتكوين حلقة غير مكتملة تجنبا للتعبيرية المباشرة فى دائرة مغلقة التى قد تحدث تأثيرا أضعف فى مضامين العمل.

من هنا نخلص إلى حقيقة تشكيلية وهى أن نجاح العمل الفني مرتبط بصدق "الشعور" لدى التشكيلي تجاه المواد وخواصها التعبيرية، فالخواص المرنة للمادة الطينية الرطبة تختلف عن تلك التى يحققها الأزميل والمطرقة على الرخام وإن استشعرالفنان التشكيلي غياب فرصة النجاح للعمل بصدد تنفيذه، كثيرا مايشرع فى بداية جديدة . وهنا نصل إلى معايير نجاح العمل الفني التشكيلي والتى لا أجد حرجاً فى تلخيصها كمتعة عفوية نجد صداها فى نفس المشاهد . فمتعة المشاهد العفوية تتولد من تكامل العمل الفني التشكيلي لتستقبله ذاكرتنا الجماعية وترسم له محطة ضمن المسيرة الفنية التشكيلية الليبية المعاصرة . من هنا هل لنا جميعا بمراجعة ذاكرتنا والبحث عن هذه المحطات ولتكن هى بداية الكتابة؟


* معماري واستاذ مشارك بقسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة الفاتح.


تساؤل مطروح حول" مفهوم الأصالة والمعاصرة" *




علي عمر ارميص**


اغلب الظن أن هذا الموضوع الذي أود التحدث عنه بمثابة المحيط الذي لا قرار له. ذي الأمواج العاتية الهائلة والأفاق الشاسعة النائية. وكما يصعب الإبحار كذلك يصعب الإرساء عند شاطئ محدد أو خليج آمن. حيث أن الآراء تتعدد إلى درجة أن يصبح لكل شخص رأيان على الأقل رأى يوافق عليه حسب ضرورة الواقع و رأى يأمل أن يكون عليه الحال وكمثال على ما أقول فأنى دخلت هذه المتاهة. وما أشرت إلى موضوعها وما حددت لها عنوانا.
و السؤال: ماذا تعني الاصالة و المعاصرة ؟ التي أتخذ منها الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب تفسير للشعار الموضوع على جبينه، والتي وضعت في الشعار على شكل زخرفة أسلامية وقد قطعت منها قطعة علي هيئة المثلث. لتوضع مكانه دائرة حمراء؟.
والتفسير، الذي سمعته لذلك من القائمين على الاتحاد أن الزخرفة المشطورة تعنى الاصالة والدائرة الحمراء المحشورة بين فكيها تعني المعاصرة. يا تري ما هي الاصالة التي قصدت من ذلك ؟ وما هي المعاصرة ؟ ومن خلال الإطلاع على بعض المعارض العربية وقراءة شيء من الفصول المكتوبة في عدد من المجلات المتخصصة وغير المتخصصة. والحديث مع نفر من الفنانين التشكيليين العرب تبيّن لي أن الاصالة المقصودة في الفنون التشكيلية العربية الحديثة في واقع العرب المعاصرين أنما هي تجميع نماذج زخرفية وقوالب معملية. كانت يوماً نماذج متطورة فنية ذات صيغة صناعية أو حرفية أو تأملية واكتشافات ذهنية لمعادلات جمالية.

إلاّ أن أغلب نماذج الفنون التشكيلية إبان الحضارة العربية الإسلامية كانت تطويراً صناعياً لأدوات حياتية في الصناعات الكبرى أو الصغرى، كل ذلك لفائدة الإنسان المباشرة في ملبسة ومسكنة ومأكله ومتأملّه. وكل ذلك كان يجلب الفائدتين المتلازمتين وهما الفائدة المادية البحتة والتي هي اللبس أو ذلك السكن أو غيره. ولذا كان التطور (المطرد) يتم دائماً بتقديم الأجود و الأجمل والأرفع ولم تكن تلك النماذج ترسم على لوحات زيتية أو مائية. ولا كان ينظر إليها كعمل منفصل ولا توضع في إطارات وتعرض على نظام عرض رواقي بالمعني أو الأسلوب الذي نعرفه الآن ولا حتى قريباً منه. أما أن يقول بعض نحن فنانون عرب بالأ صالة على وزن بالوراثة. ويكون عملهم الصادق هذه النماذج والقوالب التي ذكرت أو بعضها تفي لوحاتهم ويفسرون ذلك بأنهم فنانون أصليون من حيث أنهم يتعاملون مع العناصر الأصيلة في الفنون العربية الإسلامية. تميزاً عن الذين ينقصهم ذلك من الفنانين التشكيليين أو الذين يدعون المعاصرة.

وأرجو أن يتجمل الذي لا يسرهم هذا القول بشيء من الحلم وسعة الصدر وأنه ليلزمنا جميعاً حسن التدبر والقياس العدل عندما ننظر في مثل هذه المسألة. و أنه ليظهر لي ذلك من جهة وكأنه تجمع للقواقع البحرية من شواطئ المحيطات. وليس هو اكتشاف لمعطيات جديدة عن طريق أدراك لا حساسات مخضرمة بين القديم والحديث وليس من الغريب أن يستعمل الفنان بعض من هذه النماذج والقوالب أحياناً في لوحاته إذا تأتي من ذلك عمل جميل. ولكن الغريب أن يأمل من وراء ذلك حل حضاري لمعضلة الفنون التشكيلية العربية الراهنة وأني كثيراً ما أرى أنه من الضروري أن يتناول الفنانون العرب بعض من النماذج الجيدة المختارة من الفنون العربية الإسلامية المتوارثة على أساس أنها بداية للتطوير... وكبذور تلقى الرعاية والعناية لتصبح أشجار باسقة في حقول شاسعة تنتج ثمراً طيباً وزهورا عبقة. وشتان مابين الأمرين فأنك عندما تزرع بذورا ... لا تريد أن تجني نفس مقدار البذور التي زرعت ولا أن تبقى تلك البذور في نفس الطور. تريد أشجار كثيرة وأطواراً من الأشجار" مختلفة". لأنك تريد كل ما ينتج من وعن ذلك تريد التطوير للأحسن والاكثر والأعمق سواء من الناحية التأملية أو من الناحية المنهجية التقنية.

ولكني في المقابل عندما أتأمل الكثير من لوحات الفنانين العرب سواء علي مشهد من اللوحة نفسها أو علي سطح مجلة مصورة أو كتاب، أرى أن اغلب تلك النماذج تؤخذ وكأنها قطعة تذكارية وضعت في زاوية. إذ هي في النهاية ليست من صميم لحمة العمل الفني وانما شأنها شأن أعقاب سيجارة في منفضة تدلك على أن مدخنا قد قضى منها وطره ... وليس هذا بالطبع حل حضاري لموضوع الأصالة بأسلوب المعاصرة. ولعل لمستدرك أن يقول أن الأصالة في الفنون التشكيلية هي أن يصل الإنسان إلي أن يتأمل الكون والمخلوقات بإدراك بصري حريص فيتعرف الإنسان على العلاقات الجمالية التي تربط الأشياء ببعضها. وتفاصيل الجمال في كل شيء مباح قادر على إدراكه بالنظر الحسي أو ألتأملي. ومابعد هذا التآلف اللوني. وهذا التناسق الشكلي. وفي كل ما يحيط بالإنسان من جوانب الكون من سماء وأرض ومخلوقات كالإنسان والحيوان والنبات والجماد وما يمكن أن يكون من عناصر أخرى. ثم يترك الإنسان هذه الصور الجميلة المتآلفة المتناسقة تصنع من حسه مثالا يقضاً لكل ما يطرأ على عقله أو متفقداً بكل ما هو قادر على أن يجمعه ببصره أو ببصيرته. بشرط أن لا يكون هدفه هو التقليد لهذه الصور والأشكالمن عمله الفني إنمل ذلك التعبير عن هذا الإدراك، لأن التقليد الأعمى أنما هو في النهاية نوع من العبث وإضاعة عمر. فتقليد شيء خلقه الله العلى العظيم فأحسن خلقه وأضفى عليه من فضله التناسق والتكامل في كل شؤونه والاستعداد لاستيعاب ما قد خلق له.

إنما التعبير الذي هو أقرب إلي الفطرة أن ينطلق الإنسان من هذا الجوهر ومجمل هذا الإحساس الفطري أن يصنع الإنسان لنفسه وبنى جنسه ما يرى أو يأمل أن يزيد من تحسين مداركهم ويؤكد استيعابهم لهذه الحقيقة الكلية أو يزيد من اكتشافهم لمدى التناسق المحكم والجمال الرفيع حتى في الجزيئات فضلا عن الكليات ولعل في ذلك ما يقربنا لفهم أسباب تحريم الإسلام منذ عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام للتشخيص فضلا عن عبادة الأشخاص والشخوص. وكل ما فيه تقليد للإنسان بصورة خاصة. وأقول بصورة خاصة لأن الإنسان يتمثل فيه العنصر الغيبي أكثر مما يتمثل في غيره وهو الروح أو حيث أن الروح لا يمكن أن تشخص بأي شكل من الإشكال المعروفة. وغالبا ما يتم تشويه العمل فيخرج عن صورته الإلهية التي خلقها الله عليها إلي شبح قميء ومشوه على قماش أو ورق أو غيرها من المواد صورة عاجزة عن الاستنكار لما هي عليه وهي غير قادرة على الفرار من الإطار الذي وضعت فيه. وينطبق ذلك علي الرسوم والصور التي ليست لها أطر أيضا والنحوت التي لها قواعد. ذلك أن التقليد الذي درج عليه الإنسان في رسومه وصوره وجميع فنونه التشكيلية أتى من عجزه على أن يؤلف لتصوراته نظاما معتدلا متناسقا من المقاييس الجمالية. فلجأ الى تقليد المخلوقات والتي بالطبع بها أفضل المقاييس الجمالية. وعند ذلك وقع في التشويه الكريه. ولهذا السبب وغيره يظهر جليا أن التحريم الإسلامي لذلك لم يكن فقط كما يقول البعض لقرب المسلمون الأوائل من الوثنية الجاهلية. وقد بعدت عنا الآن فبطل التحريم. وفضلا أن الجاهلية والوثنية لم تبعد عنا في هذا العصر وإنما هو أيضا لأسباب خالدة لا تتأثر بالزمان ولا بالمكان ومنها إضاعة العمر سدى في تقليد شيء قد أحسن الله خلقه وفطرته كما قلت وهذا يعتبر من العبث. والإنسان العاقل في غنى عن ذلك. ومنها للتشويه القبيح الذي يحدث من تأخر في تطوير عقل الإنسان من اكتشاف النماذج الكاملة والجزئية التي اشرنا إلى بعضها فهو إذن خسارة إنسانية على مستوى عمر البشرية وعلى مستوى التقدم المادي والروحي.

ورجوعاً إلى موضوعنا الأصلي فان الفنون العربية الإسلامية أخذت تسعى من البداية لعمل قواعد روحية وعملية لاكتشاف إمكانيات حديثة في كل يوم جديد تفيد في تطوير الحياة ومرافقها والتحسين من ظروفها في نطاق الحق. ومن تحسين الأرواح والعقول ومدركها في المجالات التي طرقها الإنسان الذي كان يسمى ضمن نطاقها ... أو تمكن من الإطلاع على مآثرها. وكمثال على ذلك فان أغلب الأمثلة الحضارية التي قامت عليها الصناعات المختلفة من كل موقع كان للفنون العربية الإسلامية اليد الطولي في وضع قواعدها واكتشاف دروبها وتسهيل صعابها وإزالة عوائق الوثنية وعبادة الذات من أمامها.

ومعلوم لدى الكثير أن الحضارة الإسلامية دفعت بالفنون والحرف والصناعات المختلفة إلى الأمام وصنعت لنفسها من ذلك نهجاً شهيراً. حتى إذا ضعف حال العرب والمسلمين لأسباب تعرفونها وتلقف الغرب زمام الحضارة المعاصرة. وجد الطرق ممهدة ووسائل العمل مشروحة. ومحاذيرها منعوتة ولنا في الوثائق الموجودة في اغلب متاحف العالم ومكتباته خير دليل فضلاً عن الآثار الباقية في بلاد الحضارة العربية والإسلامية. وقد وجد أن عصب الحياة الاقتصادي والذي تكون فيه الفنون التشكيلية عنصرا خطيرا. وبادر الغرب إلي صنع نماذج فنية. تحمل سماته علي النسق الذي يفهمه ويريده. ومثال ذلك" مرحلة النهضة" وقلد من ذلك اليونان والرومان في وثنيتهم. ولكن بعد هذه الطفرة العاطفية وبعد أن أدرك أن هذه الطريق لا يؤدي إلي غير المتاهة أصبح يتفقد تراث الشعوب الأخرى وتراث الحضارات القديمة. فابتدأوا بالفراعنة وحضارات ما بين النهرين وكذلك الهندية والصينية والأفريقية وأخيرا وبعد أحجام وعناد ومكابرة وجد أنه لا مفر من الاعتراف بأن الحضارة العربية الإسلامية هي المثل الروحي والمادي الذي إن تعرف عليه الإنسان استغنى به عن غيره وإن جهله لم يستغن بغيره عنه وأصبح الغرب والحضارة المعاصرة تستهلك من هذا المستودع الهائل الغني بالأفكار والأعمال كثيرة ومن النشاطات الأروبية التي تخص ذلك على سبيل المثال مهرجان العالم الإسلامي بلندن من 72 /1976 م.

وعندما أقول أن الحضارة المعاصرة تستهلك من مستودع الحضارة الإسلامية الملئ بشتى صنوف الجمال والأفكار فإني لا أعني أن تأخذ الأشياء بالضرورة كما هي بل هي تأخذها لتنسج على منوالها أو أن تقيس المدارك ... وتجرب الأحاسيس وتستفيد من التجارب وتتعظ من المحاذير. وتدخل كل ذلك ضمن أسلوب معاصر. وتلبسه مواد جديدة وبذلك نشط الجانب العلمي من الفنون التشكيلية، في الحضارة المعاصرة لأن العاملين عليها إستفادوا أيما استفادة من تراثنا العملي، أما الجانب الروحي و الذي غالباً ما يكون له علاقة الديني فالخلاف قائم نظراً للحالة التي عليها المسلمون والتي يظهرون فيها وهم في شغف لتقليد الغرب وتنكر لحضارتهم، الأمر الذي لا يشجع الطرف المقابل أن يترك مكانه المتبوع ويشغل مكانه التابع.

ومن بعد هذا يتبين بالقياس أن النماذج التي يتعامل معها أغلب الفنانين العرب على أنها نماذج الأصالة وبالروح التي يتلبسونها ليست إلاّ من قبيل تجميع الحفريات مادام الاتجاه الذهني مخالفاً لروح الأصالة الإسلامية. وأن المعاصرة والتي تعني أن يستعمل الأساليب والوسائل العصرية في معالجة العمل لا تعني فعلاً المعاصرة النافعة مادامت تقتصر على نقل تصورات عما تم منذ سنوات في عواصم الحضارة المعاصرة.

إنما المعاصرة أن تسبق الحضارة لا أن تتبعها، أن تسبقها بالقدوة والاكتشاف والريادة .والاصالة أن تفعل كل ذلك بالمنهج الحضاري العربي الإسلامي وأن تدفع بهذا المنهج الحضاري العربي الإسلامي الأصيل ليشق طريقه المميزة عن سائر الطرق والذي يجمع بين الفطرة السليمة والمنهج الإسلامي في الاعتقاد مع تأكيد مبدأ تحسين المدارك الحسية وتطوير العوامل المساعدة على الرفع من مستوى الدوق والحياة وذلك ما ينفع الناس ...
وذلك كان التساؤل عن مفهوم الاصالة والمعاصرة شعار اتحاد الفنانين التشكيلين العرب ولازال السؤال قائماً .

وكما قلت في البداية، فأن الموضوع أقرب على أن يكون مثل المحيط الذي لا قرار له. ذي الأمواج العاتية والأفاق الشاسعة وكما صعب عليّ الإبحار يصعب عليّ الإرساء عند شاطئ محدد أو خليج أمن، وكان لزاماً على من كانت في البحر حياته أن يتعلم العوم.
والله اعلم ...والحمد لله أولاً وأخيراً .
طرابلس 10/12/1979 ف


* مشاركة الكاتب في المؤتمر الثالث لإتحاد الفنانين التشكيليين العرب
** فنان تشكيلي ليبي

الناقد المعماري/ د. رمضان الطاهر أبو القاسم


الدرجة العلمية ومكان العمل: أستاذ،
قسم العمارة، جامعة الفاتح

المؤهلات العلمية: بكالوريوس عمارة جامعة الفاتح
طرابلس، الجماهيرية العظمى 1987

ماجستير هندسة عمارة جامعة واشنطن
سانت لويس، ميزوري، الولايات المتحدة الأمريكية 1982

دكتوراة هندسة عمارة جامعة بنسلفانيا
فيلادلفيا، بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية 1978

الاهتمامات البحثية:عمارة المدينة. تخطيط و تصميم و استخدام الفراغ في المباني التقليدية.
التعبير المعماري و التكوين الفراغي. النسيج العمراني و تطوره عبر التاريخ.
المدينة المستدامة.

شارك في عدد من المؤتمرات العلمية المحلية و الدولية.
نشر عدد من الأبحاث في مجلة الهندسي و أثار العرب
نشر عدد من المقالات العلمية في جريدة الشط اليومية.

استشاري برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،
مشروع إعادة تأهيل مدينة غدامس القديمة، 1999-2002

رئيس مكتب البحوث و الاستشارات الهندسية
جامعة الفاتح.1993-1994.

الأحد، أكتوبر 12، 2008

أخبار



المعرض التركي العائم






في ظل النشاطات الاقتصادية الذي تشهدها ليبيا ندعوكم للتواصل مع:


المعرض التركي العائم (BLUEXPO)الذي يزور ميناء طرابلس البحري (سيدي الشعاب) بدعم من السفارة التركية في ليبيا وبالتعاون مع نمور أفريقيا لتنظيم المعارض ، حيث سيرسوا المعرض على رصيف الميناء على متن سفينة للنشاطات الصناعية وأخرى للنشاطات الإنشائية




وذلك في يومي 18 – 19 /10/2008 صحبة أكثر من 150 شركة تركية متخصصة


حضوركم مرحب به وسعداء دائما بالتواصل معكم وتفضلوا بقبول جزيل الشكر والإحترام.
للاستفسار الاتصال على الأرقام التالية :
هاتف : +218 21 334 2193
فاكس : +218 21 333 8926
للمزبد من المعلومات: http://www.atex.com.ly/pdf/BLUEXPO_MAIL_ARABIC.pdf

السبت، أكتوبر 11، 2008

لغة العمارة




جمال الهمالي اللافي


     تمثل لغة العمارة في سياقها العام دلالات ورموز ثقافية منبعها العادات والتقاليد والقيم الثقافية والروحية والمؤثرات البيئية، والتي لا يمنع الاستمرار في توارثها أو استحداث دلالات ورموز جديدة تنسجم مع التطور الحاصل في ثقافة المجتمع ووسائل التقنية.
     ولفهم مركبات العمارة وآلية تشكلها، يجب علينا أن نتعامل مع العمارة على أساس أنها كائن حي يتفاعل معنا ونتفاعل معه من خلال لغة خاصة بها، تم الاصطلاح على تسميتها لغة العمارة. الأمر الذي يدفعنا إلى ضرورة استيعاب مفرداتها وعناصرها وتراكيبها التي تعطيها معنى واضح ومفهوم. يشكل للعمارة بنيتها وشخصيتها الواضحة المعالم والتي تمكننا من نسبتها إلى أمة معينة أو مجموعة ثقافية أو مرحلة زمنية.

     ومثلما الحال عندما نريد تكوين علاقة ما مع أي أمة تختلف معنا في لغتها وثقافتها، فإن أول خطوة نبادر إليها هي تعلم لغة تلك الأمة حتى يسهل التفاهم ومن تمّ التعايش معها إذا اقتضى الأمر ذلك، وبالتالي فإن أول ما نتعلمه هو مفردات تلك اللغة وطريقة رسمها أو شكلها وبعد ذلك نحاول أن نكون من هذه المفردات كلمات ومن الكلمات جملا مفيدة وكلما أبحرنا في محيط هذه اللغة وحفظنا الكثير من الكلمات وتركيبها في جمل مفيدة وجدنا أنفسنا ننساق طواعية إلى أهمية الإلمام بقواعد هذه اللغة حتى تأتي الجمل مكتملة المعنى واضحة المغزى. وكلما زادت ثقافتنا في هذه اللغة كلما استطعنا أن نكون من تلك الجمل مواضيع تطول أو تقصر بقدر قدرتنا اللغوية أولا والتعبيرية ثانيا، حتى نصل إلى المرحلة التي نتمكن فيها من صياغة مجموعة من المواضيع في شكل أدبيات خالدة، تشكل بدورها منهجا في التعبير وتتحول مع مرور الزمن إلى إرث ثقافي يعبر عن هوية وشخصية تلك الأمة.

     وبالتالي فإن فهمنا للعمارة في عمومها يستدعي بطبيعة الحال الإلمام بمفرداتها وعناصرها الأولية( باب، نافذة، ضواية، مشربية، قبة، قبو... الخ) ومن هذه المفردات تتشكل فراغات محدودة( حجرة، مطبخ، حمام... الخ) ومن مجموعة هذه الفراغات تتكون المباني( بيت، مسجد، مدرسة، متجر، مستشفى، مصنع... الخ) ومن مجموعة هذه المباني يتشكل الحي والقرية والمدينة.

     ويبقى التفاوت في القدرة على تشكيل العمارة بين معماري وآخر، فكلما اجتهد المعماري في الإلمام بالمفردات المعمارية وقواعد تشكيلها والظروف التي تحيط بها والثقافة التي تصنعها، كلما جاء عمله أكثر إبداعا. أي أن فهمنا لدلالة كلمة باب من الناحية المعمارية وما تفضي إليه هذه الدلالة من وظيفة لهذا العنصر أو المفردة المعمارية، يقودنا إلى الخوض في جانب آخر ينبثق أيضا من اختلاف استعمالات هذه المفردة باختلاف موقعها من الفراغ المعماري، وهي الشكل والحجم الذي يأخذه هذا الباب باختلاف الوظيفة أولا وباختلاف الثقافة ثانيا.

     فلو سلّمنا بأن الحرف العربي جزء مهم كشكل للتعبير عن انتمائه إلى اللغة العربية، ورفضنا التسليم بفكرة الفصل بين شكل الحرف والمعنى المراد إيصاله للقارئ أو السامع، أي أننا لم نقبل أن تكتب الكلمات العربية بأحرف لاتينية ونقول أن المعنى قد وصل وبالتالي لسنا بحاجة إلى الحروف العربية لتكون أداة وحيدة لتوصيل المعنى. فأولى بنا وعلى نفس المنوال أن ننتهج نفس الطريق في تعاملنا مع العمارة ومفرداتها، فالعمارة العربية تقابل اللغة العربية وأحرف الهجاء العربية يفترض أن تقابلها مفردات العمارة العربية.

     وللتوضيح أكثر لنأخذ حركة تطور الكتابة العربية من الجانب الفني والمتمثل في تطور الخط العربي فقد كتبت أول مرة بالرسم الكوفي القاسي وبدون تنقيط الحروف ثم تطور الرسم وبدأ الرسم يتنوع مع تطور الخط العربي فظهر الكوفي اللين والمزدهر والثلث والفارسي" خط التعليق" والرقعة والنسخ والديواني والحجازي والمغربي وغيرهم من الخطوط الحديثة، ولكن ظلت الباء هي الباء والألف هي الألف والباء هي الباء في كلمة باب، تنوع الخط وبقى الروح والجوهر واحد.

     وعندما رفض الخطاط العربي أن يكرر نفسه أبدع خطا جديدا لم يخرج عن هذا الجوهر وهذه الروح وهذا الرسم التي لازم جميعها الحرف العربي.... نرى اليوم خطاطون وفنانون تشكيليون يبدعون تشكيلات من المعاني بأنواع مختلفة من الخطوط العربية، لم نتهمهم بالتقليد ولم نخرجهم من دائرة الإبداع، ولم نرفض اقتناء أعمالهم بزعم أنهم لم يأتوا بالجديد. وذلك لأننا نعي جيدا أن هذه هي قواعد الخط العربي وهذه هي خطوطه تنوعت في أشكالها وتوحدت في جوهرها ورسمها العام.... فإذا كان هذا حكمنا على الخطاط العربي وحكمنا على لوحاته بالإبداع في دائرة التراث فلماذا لا نحكم للمعماري بالإبداع الذي لم يخرج به عن دائرة التراث... لماذا نصرخ بأعلى صوت مطالبين منه التجديد والحداثة ونصمه بالجمود والتقليد.
     ومثلما نرفض الكّتاب العرب الذين يستعملون اللغة العربية للتعبير عن قيم تخالف منهجنا فلا أقل أن نرفض المعماري الذي يستخدم عمارة تخالف بيئتنا ومنهجنا أيضا، مهما كانت المسميات، التحديث التطوير مجارة العصر أو الإبحار في ركب الحداثة أو التفتيت أو العولمة، ومثلما نحاكم كاتبا أو مفكرا عربيا استخدم أدوات اللغة العربية فيما يخل، فلماذا لا نحاكم مفكرا معماريا استخدم أدوات العمارة فيما يخل.
وخلاصة القول/

     إن القدرة على الإتيان بعمارة جديدة ومتميزة وخالدة يقتضي الإلمام بقواعد تشكيل مفرداتها وعناصرها المعمارية وهو بدوره يقودنا إلى تفهم القواعد التي تحكم عمارة الشعوب بمختلف ثقافاتها والمنطلقات والمعايير التي شكلت الاختلاف في العمارة والتنوع والطرز والتفاصيل. الأمر الذي سيقودنا إلى الإتيان بعمارة ذات معنى وتحمل دلالات ثقافية راسخة الجذور من خلال فهمنا الواضح للغة العمارة.

الجمعة، أكتوبر 03، 2008

أخبار

ندوة حول البناء العشوائي

تنظم مصلحة التخطيط العمراني ندوة علمية عن البناء العشوائي. وذلك يومي الأثنين والثلاثاء بتاريخ 7- 8 شوال 1429 هـ . الموافق 6- 7 من شهر الحرث ( أكتوبر) 2008 م. بمبنى ذات العماد بقاعة المؤتمرات، الساعة 9.30 صباحا.


لأهمية الندوة فإن مصلحة التخطيط العمراني تأمل من الجميع المشاركة وخصوصا ذوي التخصصات العمرانية والتخطيطية.