أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، مايو 09، 2022

لقاء السقيفة الليبية

 


جمال اللافي: ”المشهد المعماري في ليبيا متأزم. ويعاني
…“

 

السقيفة الليبية: لكل بلد ومدينة طابع معماري خاص، يسعى المسؤولين في هذا البلد أو ذاك، لإبرازه والاهتمام به، وكذلك أهل هذا البلد، وخاصة إن كانت مدن أثرية تحمل التاريخ على أسوارها، وتحفظ أصالتها لتهدي العابرين جمال النظر، ومغامرة رحلة لأزمنة بعيدة، عبر نوافذها وأبوابها وأقواسها وقلاعها، هي ثقافة مكانية زمانية تنتقل من جيل إلى جيل. وسط تغول الحداثة، واختلاف الأذواق والاحتياجات، اختفى هذا الطابع الجميل ولم نعد نراه كثيراً في ليبيا، لكن هناك دوماً الباحث عن مكامن الجمال في الموروث المعماري الليبي.

 

ماذا سيحدث لو فكرنا بطريقة مختلفة عندما نتعاطى كمستثمرين عقاريين مع مجموعة من الوحدات السكنية؟

 

سؤال يطرحه باحث ومصمم معماري، مهتم بدراسة العمارة الإسلامية المحلية في ليبيا، وعبر مدونته "الميراث" يطرح رؤية معمارية إسلامية معاصرة، تعتمد على إعادة إحياء روح التكامل بين المعماري والحرفي لإنتاج عمارة تتفـاعل مع حاجات المجتمع المعاصر المادية والروحية وتطويع التقنيات الحديثة واستخداماتها لصياغة رؤية مشتركة لعمارة بيئية، تراعي الخصوصية الثقافية والظروف المناخية والاقتصادية لمختلف المناطق والبيئات المحلية.

 

جمال اللافي يسعى لتصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

 

وللتعريف بمدونة "الميراث" أكثر يقول مؤسسها الباحث والمصمم المعماري جمال اللافي، استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

 

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي "المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

 

السقيفة الليبية تواصلت مع الأستاذ جمال اللافي وكان لها معه هذا الحوار:

 

 - أين درس جمال اللافي وبمن تأثر؟

 

·   درست العمارة بقسم العمارة والتخطيط العمرانية بكلية الهندسة جامعة طرابلس 1980. ولم اتأثر بأي أحد خلال دراستي بقسم العمارة ولا بعدها. وذلك لأنني التحقت بقسم العمارة منطلقا من رغبتي في الإسهام في الارتقاء بعمارتنا الليبية المحلية وكان دافعي الأول إعادة الاعتبار لحوش العائلة كنظام إسكاني يضم في رحابه الأجيال الثلاثة (الجدين والأبوين والأحفاد). وقد واجهت تصادما مع توجهات قسم العمارة في تلك الفترة، حيث كان يغلب على أعضاء هيئة التدريس التوجه الحداثي الذي يرفض كل أنماط العمارة التقليدية والقيم التي تنطلق منها. أحدهم يخبرني بأن توجهي هذا لم يعد له وجود إلاّ في المقابر (أي بمعنى أنه مات وعفى عنه الزمن).

 

-  هل لجمال اللافي أي إنتاج فكري أو نشاطات ثقافية أو فنية اخري؟

 

·   بالتأكيد وكما أشرت في ردي على السؤالين السابقين فمسألة أن يحمل المعماري رؤية ولا يعمل على التعريف بها هو بمثابة وأد لها في مهدها. وحلم لا يقابله فعل على أرض الواقع، لهذا بدأ نشاطي العلمي، الذي يستهدف استنكاه مكامن التميز والخصوصية في موروثتا الثقافي إلى جانب التعريف به والدعوة إلى إعادة إحيائه في النتاج المعاصر، منذ مرحلة الدراسة بقسم العمارة والتخطيط العمراني، من خلال سلسلة من المعارض التي تعرف بهذا الموروث داخل قسم العمارة وخارجه. إضافة إلى القيام بمجموعة من الرحلات العلمية إلى المدن الليبية القديمة بمبادرة ذاتية صحبة أربعة من زملاء الدراسة. ستجدون على هذا الرابط المرفق سيرة ذاتية تحتوي على مختلف الأنشطة العلمية والثقافية التي ساهمت فيها استكمالا للرسالة التي أحملها ودعما لها.

 

-  حدثنا عن مدونة ”الميراث

 

·    اهتماماتي بإعادة إحياء العمارة المحلية برؤية معاصرة واجهت الصد، كما أشرت في السؤال الثاني ليس فقط من أساتذة قسم العمارة ولكن أيضا من زملاء الدراسة ومن بعدهم المعماريون الممارسون للمهنة وكذلك من المستثمرين العقاريين الذين كان يتردد بعضهم على مكتبنا الهندسي في بدايات الألفية الجديدة. لهذا رايت من الواجب التركيز على جانب الإعلام كأهم وسيلة للتعريف بقيم عمارتنا المحلية وجمالياتها (التي تفتقر إليها عمارة الحداثة بطبيعة الحال)، لهذا توزع نشاطي المعماري بين التصميم والنشاط الإعلامي التثقيفي منذ مرحلة الدراسة مرورا بفترة عملي بقسم الديكور بالإذاعة المرئية في الفترة من 1988-1990 ومن بعدها عملي بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس بعد التحاقي به في العام 1990، عبر إدارة تحرير مجلة آثار العرب. ومن بعدها المشاركة في تأسيس مجلة مربعات وعضوية تحريرها، إلى أن انتشر الإنترنت وأصبح متاحا للجميع فكانت هذه بمثابة إنطلاقة أخرى للتعريف بموروثنا الثقافي، ترتب عنها تأسيس هذه المدونة الشخصية في شهر يوليو من العام 2008 م. وذلك للتعريف بالعمارة المحلية من خلال نشر مقالاتي وكل ما توفر لدي من معلومات وبحوث ومقالات ودراسات لكتّاب آخرين ليبيين ترتبط موضوعاتهم بأهداف المدونة وهي مستمرة بفضل الله في أداء المهمة على أكمل وجه.

 

-  كيف يري جمال المشهد المعماري الليبي؟ مما يعاني؟ ومن هم أهم رموز العمارة في ليبيا؟

 

·    المشهد المعماري في ليبيا متأزم. وهو يعاني - رغم وجود حركة بناء واسعة ومتسارعة - من حالة فصام عن موروثه الثقافي وتخبط في تحديد توجهات معاصرة للعمارة الليبية يمكن التعويل عليها واحترامها، هكذا أراه. بالنسبة لرموز العمارة في ليبيا، لو تعلق الأمر بمن يصمم أفضل من الآخر، فهناك مجموعة لا بأس بها من المعماريين الليبيين المتميزين على الساحة الليبية. أما إذا تكلمنا من حيث وجود توجه معماري ورؤية يمكن تلمس ملامحها الفكرية وانعكاساتها المعمارية على أرض الواقع، فحتما نحن نتكلم عن الأستاذ والمعماري أحمد إمبيص. كذلك نتحدث عن الفنان التشكيلي الأستاذ علي قانة، الذي كانت له إسهامات في أكثر من مشروع معماري مع الأستاذ أحمد إمبيص بالإضافة لكونه يحمل رؤية فكرية وبعد نظر لقيم العمارة المحلية ومجالات الفنون التشكيلية الأخرى من منظور ثقافي محلي، وله في هذا إسهامات كبيرة أيضا. وفيما يتعلق بما يمكننا أن نطلق عليه عمارة الحداثة اصطلاحا، فجميع المعماريين الليبيين يتخبطون في هذا الاتجاه على رمال هذا الشاطئ في حالة عمه.

 

-  ماهي المعالم المعمارية الليبية التي لحقها الإهمال؟ أو التي تخشي أن يلحقها الضرر بسبب الاهمال والتسيب؟

 

·    جميع المدن الليبية التاريحية تم تخريبها بالكامل ولم يبق من بعضها إلاّ الأطلال التي تنعى ماضيها. باستثناء مدينة غدامس القديمة. وهي التي أخشى عليها أن يلحقها الضرر والتشويه من طرف بعض من سكانها ممن بدأ يطنب في زخرفة جدران شوارعها الأمر الذي لم يكن متعارفا عليه إلاّ في البيوت الغدامسية. وفنون الزخرفة في مدينة غدامس يعتبر نشاطا تستقل به المرأة الغدامسية عن الرجل الغدامسي، في حين أن شوارع غدامس كانت حكرا على رجالها دون نسائها. وكانت تمتاز بلونها الأبيض وبعض النقوش البيضاء التي تختلف اختلافا ملموسا عن النقوش التي تنتشر في البيوت الغدامسية. وهذا التشويه يلقى قبولا عند الكثيرين منهم. وما لم يوضع له حدا فسيتمادى أولئك المفسدون بدعوى التنشيط السياحي. وبالنسبة لمدينة طرابلس، فالخراب عمها من طرف سكانها. وتجار العملة. والمحسوبون على المؤسسة التي أنشئت منذ العام 1985 بهدف الحفاظ عليها وترميم معالمها التاريخية وإعادة إحياء صناعاتها الحرفية التقليدية وأسواقها التجارية التراثية.

 

-  من هو معلمك المعماري المفضل في ليبيا؟

 

·    فيما يتعلق بمعلمي فهي عمارة وتخطيط مدينة طرابلس القديمة بالدرجة الأولى، ثم باقي المدن الليبية التاريخية. فهي كانت ملهمي منذ انطلاقي في مجال العمارة، حيث شح التوجيه وافتقرت مكتباتنا إلى المراجع التي يمكن التعويل عليها… ولكن يبقى الأستاذ علي قانة (رحمه الله) الأقرب إلى نفسي بما يحمله من روح الانتماء لكل ما هو مرتبط بالموروث الثقافي الليبي وعلى رأسه العمارة المحلية. لم يكن له تأثير على مسيرتي من الناحية الفكرية أو التوجيهية لأنه كان يدرسنا مادة الرسم الحر، وحوارتي معه خلال فترة الدراسة لم ترتق إلى مستوى التبادل الفكري، بقدر ما اقتصرت على مجموعة من الأنشطة الطلابية. وتواصلي الحقيقي معه بدأ عندما قررت أن أوثق سيرته الذاتية من خلال شريط وثائقي للمخرج محمد المسماري في العام 2004 بعد تقاعده عن التدريس وعندها اكتشفت ثراء حصيلته المعرفية في جميع مجالات الفنون الجميلة والتطبيقية.

 

-  من هو معلمك المعماري المفضل خارج ليبيا؟

 

·    ليس لدي أي معلم خارج ليبيا، لأن الفترة التي تلقيت فيها تعليمي خلال فترة الثمانينات، لم تكن لدينا اي مصادر معمارية يمكن الاستلهام منها. كما أن توجهي المعماري هو توجه محلي بالدرجة الأولى ورؤيتي لا يمكن استلهام مصادرها من خارج ليبيا. ولكن في منتصف الثمانينات منحت جائزة الآغاخان للمعماري المصري حسن فتحي ثم تلاها منح هذه الجائزة لمجموعة أخرى من المعماريين العرب في فترة التسعينيات وعلى رأسهم المعماريين العراقيين رفعة الجادرجي ومحمد صالح مكية والمعماري الأردني راسم بدران. وهذا الأمر جعلني انتبه لوجود معماريين عرب يشاركونني هم عمارتهم المحلية ولكن بمنظور يتفاوت من معماري إلى آخر. وما اسعى إليه يبتعد كثيرا عن توجهاتهم الفكرية من حيث الطرح والتصميم المعماري لمشاريعهم. أتابع أخبارهم دون أن أشعر أنهم اضافوا جديدا لتجربتي المعمارية.

 

-  أنت مهتم ومتابع للمشهد التشكيلي الليبي أيضا… كيف جاء هذا الاهتمام؟ وما هي ملاحظاتك علي هذا المشهد؟

 

·    لست رساما ولكني ولدت في بيئة أسرية تزخر بالمواهب في مجال الرسم الحر والخط العربي ولهذا كان هناك العديد من الأعمال التشكيلية التي يتحفنا بها كل يوم أحد الأخوة خلال فترة طفولتي المبكرة، سواء تعلقت بالرسم الحر أو التشكيل بالطين أو الخط العربي. بالإضافة إلى علاقة القرابة التي تربطنا بالفنان التشكيلي علي العباني ورسمته الشهيرة للشرشارة على أحد جدارن مربوعة جدي بمدينة ترهونة، وما دار حولها من تعليقات الإعجاب والثناء من الأقارب يجعل لعلاقتي بالفن التشكيلي قصة أخرى. ولكن الاتصال الحقيقي مع اللوحة التشكيلية وما ترتب عنها من متانة العلاقة بهذا الفن بدأت بعلاقتي مع أستاذنا الفاضل الفنان التشكيلي علي قانة (رحمه الله) استاذ مادة الرسم الحر بقسم العمارة. ودراسة تقنيات الرسم الحر في ذاته يجعل التواصل مع الفن التشكيلي أمر طبيعي. ومن خلاله تم خلال فترة الدراسة التواصل مع الفنان التشكيلي الطاهر المغربي رحمه الله وزيارته في بيته وإجراء حوار مطول معه. وزيارة أخرى للفنان التشكيلي بلقاسم الزنتاني (الفروج) إضافة لزيارة للفنان التشكيلي علي العباني في بيته والاطلاع على أعمالهم وتجربتهم الشخصية. وفي العام 1991 بدأت علاقة أخرى مع سلسلة من المعارض التشكيلية بدءا بمعرض المستنسخات الذي افتتحت به الدار الليبية للفنون باكورة معارضها التشكيلية بالبرج رقم 3 بدات العماد وتلتها سلسلة من المعارض التشكيلية في قاعات عرض أخرى خلال السنوات التالية لهذا المعرض. والأهم من كل ذلك إطلاعي على هذا المجال ومدارسه عبر مجلة الحياة التشكيلية السورية ومجموعة من الكتب التي اقتنيتها من معارض الكتاب. إلى جانب صداقتي المتينة بمجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين الليبيين والخطاطين المبدعين…. وبالنسبة للمشهد التشكيلي في ليبيا فهو حي ومتدفق العطاء ويعج بالقامات الطويلة في هذا المجال بدءا برواد الفن التشكيلي الليبي في القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وإن كان لدي أي ملاحظة حول هذا المشهد فقد عبرت عنها من خلال مقالتي المنشورة بمدونة الميراث على هذا الرابط: http://mirathlibya.blogspot.com/2011/11/17.html

 

 - كيف يتعامل جمال مع مواقع التواصل الاجتماعي؟

 

·    انظر إلى منصات التواصل الاجتماعي على أنها فرصة لي للتعريف بموروثنا الثقافي المعماري والدعوة إلى إعادة إحيائه في مشاريعنا المعاصرة. هي مجال لحملة توعية بين أوساط المجتمع الليبي، وليست مجالا لتمضية أوقات فراغ، فهذه الأوقات ليست موجودة عندي، فأنا بطبيعتي دائم الانشغال بشي ما، يتراوح ما بين التصميم المعماري. والكتابة التخصصية. والرحلات العلمية إلى مدننا القديمة أو المواقع والجهات التي يمكنني من خلالها إضافة شئ جديد لمشاريعي المعمارية. أو المشاركة في بعض الأنشطة العلمية المرتبطة بمجال اختصاصي. أو التجهيز لمحاضرة جديدة.

 

 - ماهي الرسائل التي يريد جمال ايصالها للمعماريين الليبيين وإلي المسؤولين؟

 

·    الرسائل الشفوية المعتمدة على الحوارات الطويلة والمتكررة في كل لقاء بيننا والرسائل المكتوبة عبر الدوريات ومواقع التواصل الاجتماعي لم تجد نفعا. اليوم أخاطبهم عبر نجاحي في إقناع العديد من المواطنين والمستثمرين بأهلية عمارتنا المحلية للتواصل مع هذا العصر ونجاحها في تلبية احتياجات المواطن الليبي العاطفية والمادية، في مقابل هزيمة عمارة التغريب. وانحسار بريقها حتى في البيئات التي ولدت فيها.

 

أشكركم على حسن الاستضافة، مع تمنياتي لصفحة السقيفة الليبية بالتوفيق والسداد في توصيل رسالتها الثقافية.

 

المصدر: صفحة السقيفة الليبية على موقع الفيسبوك:

https://www.facebook.com/Assaqeefa2/posts/624295547919684?comment_id=624612384554667&notif_id=1522952100740309&notif_t=mentions_comment&ref=notif

 

 

العمارة... عقيدة دينية وليست توجه فكري


 جمال اللافي

         العمارة في حقيقتها وتوجهاتها تنطلق من عقيدة دينية وليست مجرد توجه فكري قابل للحوار الودي المعتمد على الإقناع وليس فرض الرأي بقوة السلطة وأدوات التأثير الإعلامي والمعرفي، التي يمتلكها أحد طرفي الحوار.

حيث تخضع الأعمال والمشاريع المعمارية في عمومها لعقيدة معمارية تنطلق من عقيدة دينية يعتنقها المعماري ويؤمن بها في قناعاته الراسخة في وجدانه وليس تلك التي يدعيها أو يتظاهر بها أو يعتقدها في نفسه من خلال التوارث أباً عن جد أو من خلال ممارسة طقوسها الدينية.

كونها في حقيقتها عقيدة وليست مجرد رؤية أو توجه فكري، فمسألة التصادم مع المخالف تأخذ عدة أوجه ومناحي تظهر جلياً في مرحلة دراسة طالب العمارة لها أو خلال ممارسة المهنة عبر المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص التي يلتحق بها المعماري.

فالطالب المخالف لتوجه أستاذه المعماري يتعرض للرفض والعقاب عبر تهميش مشروعاته الدراسية التي ينجزها في مراحل دراسته من خلال منحه أدنى الدرجات التقييمية. مثلما تناله سخرية مخالفيه من زملاء الدراسة أو العمل ووصمه بالتخلف والتقوقع عند دائرة الماضي أو المحيط الضيق وقصور الأفق والعجز عن الإبداع والانحسار في دائرة التقليد.

عند الإمعان في تاريخ العمارة عبر العصور الماضية نجد ارتباطها الوثيق بالعقيدة التي تدين بها الحضارات القديمة في منطلقاتها ومنجزاتها سواء كان منبعها سماوي أو وثني. أو كانت عقيدة إلحادية لا ترى للعقيدة الدينية مجال في العمارة وتعلي من شأن العقل الإنساني المتحرر من الارتباط بالدين وفكرة وجود الإله وشرائعه في أي صورة من الصور المادية أو المفترضة والمُتخيلة.

يمكننا القول: أننا اليوم نعيش العقيدة الإلحادية ونمارسها من خلال المشاريع المعمارية التي ينجزها الغالبية العظمى من المعماريين في جميع أنحاء العالم تحت مسميات الحداثة وما بعدها... وآخرها- لو صح التعبير- عمارة التفكيك، التي تعتمد الهدم العقائدي قبل الهدم المعماري لما درجت عليه الأعراف والقواعد والضوابط الأخلاقية قبل المعمارية.

الأحد، يوليو 25، 2021

أدوات المعماري بين الفاعلية والقصور

جمال اللافي

    في مرحلة زمنية ما، قد تبدو سيئاً جداً في نظر الكثيرين، حينما لا تتوفر لديك الأدوات المناسبة للتعبير عن أفكارك المعمارية. وتوفر هذه الأدوات هو الذي يشكل فارقاً كبيراً في مرحلة الدراسة وفي الحياة المهنية.

خلال مرحلة الدراسية بقسم العمارة والتخطيط العمراني، كنت غالباً ما أبدو مقصراً في اجتهادي، وذلك يعود لحرصي الشديد على الوصول إلى المرحلة المثالية في إنجاز المشروع الدراسي. وهذا في حقيقته فسره بعض المنصفين بُطأً في إنجاز العمل. والبعض الآخر رأه استهتاراً بالمادة الدراسية. أما أنا فكنت أشعر بالعجز عن نقل افكاري المتسارعة بالأدوات المناسبة في ذلك الوقت.

فمادة المنظور التي درسناها لنستطيع من خلالها تحويل أفكارنا إلى مجموعة من المجسمات المعمارية الثابتة، لم تكن مناسبة لي على الإطلاق، لأن الجهد المبذول في رسم زاوية منظورية لواجهة واحدة من المشروع تأخذ من الوقت ما يجعل الأفكار تتلاشى الواحدة تلو الأخرى بفعل اجتهاد العقل في إنجاز ذلك المنظور، ثم تكون النتيجة الحصول على زاوية منظورية لا تسمح بالنظر إلى باقي واجهات وزوايا المشروع إلاّ بعد القيام برسمها هي أيضا الواحدة تلو الأخرى بأدق تفاصيلها مع التكرار الممل لكل عنصر من عناصر المشروع، حيث يجب رسم كل الأبواب وكل النوافذ وكل ما يخطر على البال من تفاصيل.

وهذا الأمر بقدر ما يأخذ وقتا طويلاً في رسم هذه المناظير ووقتاً آخر في مراجعة الفكرة وتحديد أوجه القصور فيها، ومن تمّ التفكير في إعادة رسم مناظير جديدة للفكرة المعدّلة. فهو يصرف العقل عن الاتجاه إلى طرح أفكار أكثر عمقاً. والاكتفاء بأول الحلول التي تتبادر إلى الذهن وأقصرها وقتا في الإنجاز. وذلك لنيل الرضى والفوز بأعلى الدرجات مع السمعة الطيبة. فأنت في نظر الجميع ستصبح الطالب المجتهد.

مع ظهور برامج الرسم المعماري المتنوعة وعلى رأسها البرنامج الذي اشتغل عليه ((SketchUp تغير الحال بدرجة كبيرة جداً. ليس لأن هذه البرامج جعلت إمكانية رسم المناظير أمر سهلا وميسوراً مع إمكانية تدوير هذه المجسمات والنظر إليها من جميع الواجهات في نفس اللحظة. بل أن طبيعة هذه البرامج في سهولة وسرعة تنفيذ الأفكار التي تدور في الخاطر جعلت ممارسة حالة الرسم متوافقة إلى حد بعيد مع استرسال العقل في طرح الأفكار. ليس هذا فقط، بل سهلت الاحتفاظ بهذه التصاميم والعناصر المعمارية المرتبطة بها وإعادة استثمارها في أفكار جديدة لمشاريع جديدة ومتنوعة.

ستكون دائماً محظوظاً حين تتوفر لديك الأدوات المناسبة للتعبير عن أفكارك بأيسر الطرق وأقصر زمن. والزمن في عرف العمارة يمثل الحد الفاصل بين النجاح والفشل.

الصور المعروضة مع هذا المنشور، هي تصاميم لوحدات سكنية لمشروع سكني سابق (تم عرضه في منشور مستقل)، فكرت اليوم أن أعيد توزيعها بطريقة مختلفة على شكل شارع طولي. وفكرة أخرى على شكل مجمع لست وحدات سكنية. وفي الحالتين هي محاولة تجميع وليست تصور نهائي لمشروع سكني. سيعقبها بعون الله إعادة نظر في تصميم كل وحدة سكنية وتعديلها بما يتناسب وتوزيع الوحدات مجتمعة.

 

الأحد، أبريل 11، 2021

هل في العمارة وجهة نظر؟

 


جمال اللافي

ليس هناك وجهة نظر في العمارة والتصميم الداخلي. 

هناك سياق تحكمه الظروف البيئية والاقتصادية وتقنيات الإنشاء والتكييف ومصادر المياه والطاقة وتصريف المخلفات وتوفر مواد التشطيب وعناصر الثأثيث من جهة. ومن جهة أخرى ثوابت العقيدة والقيم والموروث الثقافي. 

·        مساحة الحركة تتحدد في ثلاثة مسارات:

·        الحفاظ على الصالح.

·        تعديل القصور.

·        إلغاء الخلل. 

تعلمنا أن يكون لنا وجهات نظر متضاربة في أقسام العمارة. أما أسطوات البناء التقليديين فقد كانت لهم محددات يقفون عندها ووفقها يبدعون.


بساطة العيش

 


جمال اللافي

البساطة في العيش، في البناء، في التصميم الداخلي للبيت وفي عناصر تأثيثه، في اختيار مواد التشطيب وألوانه، في تحضير مائدة الطعام من مواد أغلبها مغروسة في الحديقة الخلفية، في انتقاء الملابس الأنيقة التي تستر الجسد، وانسجامها جميعها تحت إطار الهوية، لا يعني شظف العيش. بقدر ما يعني اختيار العيش على أكف راحة البال والتوافق النفسي مع البيئة المحيطة. 

التعقيد والإسراف لا يحقق السعادة. بل يقود إلى طلب المزيد دون بلوغ الغاية المنشودة.


الخميس، فبراير 18، 2021

العمارة

 


جمال اللافي


العمارةُ،

فن، لعنايتها بالجمال ونسبه وأبعاده وإيقاعاته المعتمدة على مبدأ الاتزان.

 

وعلمٌ، لاعتمادها على دقة الحسابات التي تجعل صرح المباني يقف شامخا دون أن ينهار.

 

وأدبٌ، لأنها تخاطب في الإنسان أحاسيسه ومشاعره وتروي له قصة الحضارة التي أسس أركانها الأجداد وتدفع به إلى ترسيخ بنيانها وإضافة لبنة أخرى في لبناتها.

الثلاثاء، فبراير 09، 2021

المدن التاريخية 2

 


جمال اللافي

نرتكب خطأً فادحاً حينما نردّ عشق المدن التاريخية إلى الحنين للآباء والأجداد. عشق المدن التاريخية عند المعماري حالة عقلية تحليلية تقييمية. وليست حالة وجدانية.

 ليس كل المدن التاريخية مرتبطة بالحنين، فبعضها يكون في مناطق ومدن أخرى لم يسبق له زيارتها ولم يرها إلاّ في الصور  ولا تربطه بها عاطفة الحنين. وقد لا تشبه مدن أجداده في شيء. ولكنها تشده إليها شدّاً بثراء عمرانها وجمال تفاصيلها.


المدن التاريخية

 



جمال اللافي

اعتقد أن المصطلح الصحيح لمدننا المحلية هو المدن التاريخية، لقدرتها على التواصل مع المتغيرات وكل ما يستجد في احتياجات سكانها عبر التاريخ، منذ نشأتها إلى الوقت الحاضر.

 وليس المدن القديمة، فالإنسان بطبعه يحب التجديد وينفر من كل قديم. وهو ما يجعلها في وضع تشكيك ومقارنة مع كل جديد وإن كان غير صالح ولا يرتقي لها في الجودة والكفاءة.


القيمة الفعلية للعمارة

 


جمال اللافي

القيمة الفعلية للعمارة لا تقدّر بتكلفتها المادية، بل بمقدار الراحة النفسية الذي تحققها عند النظر إليها أو العيش فيها.


الثقافة المعمارية

 


جمال اللافي

أن تنتشر الثقافة المعمارية في أوساط المجتمع شيء جميل وأمر مهم جداً في تشكيل وعي المجتمع بمحيطه العمراني.

 ولكن أن تنتشر الثقافة المعمارية الخاطئة فهنا تكمن مصيبة كل المجتمعات التي تلقت معارف خاطئة وفهماً مغلوطاً لماهية العمارة التي يفترض بهم الانسياق وراءها وقبولها كخيار وحيد للعيش فيها والتماهي معها.


قوة العقل الجمعي في العمارة

 


جمال اللافي

دائما العقل الواحد مهما أبدع فإنه يغفل عن أشياء كثيرة، لا يُكملها إلاّ العقل الجمعي لمختلف التخصصات والخبرات.


الجمعة، يناير 29، 2021

التصميم الداخلي... بين الإنجاز والتقصير


جمال اللافي 

عندما يصمم المعماري مسكناً لأحد قاصديه، ثم لا يكون لديه تصور كامل للتصميم الداخلي (سواء تكفل به أو تشاركه مع مصمم داخلي يتفق معه تماماً في الرؤية والتوجه)، كذلك تصور كامل لعناصر التأثيث (سواء قام بتصميمها ويمتلك القدرة على تنفيذها من خلال الورش الفنية المتاحة أو من خلال محال الأثاث الموجودة في السوق).

 

فهذا يعني أن هذا المعماري يفتقر لكل مقومات المصمم العارف بأدواره وما تستوجبه عليه من التزامات أخلاقية مع قاصد خدماته.


الجمعة، ديسمبر 11، 2020

حيرة المعماري بين الحداثة والاصالة!

 

حوش القره مانللي- مدينة طرابلس التاريخية

جمال اللافي

    عندما يُطرح هذا العنوان على مائدة الحوار كإشكالية معاصرة تواجه المعماري المسلم (ليس كل العرب بالضرورة مسلمين، وبالتالي طرحي هذا لا يعنيهم). 

هنا نقف حائرين فعلاً كمعماريين مسلمين أمام غرابة هذا العنوان ومستدعيات طرحه كإشكالية تستدعي النقاش أو الحوار وربما الجدل حوله. ولا نجد بُداً من طرح علامات التعجب الكبيرة على شكل تساؤلات مستهجنة ومستنكرة أن يقف هذا المعماري ولو للحظة وجيزة حائراً في اتخاذ موقف واضح من مسألة الحداثة الغربية: 

·        ما هي مُستدعيات الحيرة عند المعماري المسلم والعربي؟

·        أليست الأمور واضحة عنده!

·        أليس لديه مرجعية يقيس بها ما يعترضه من إشكاليات ويتخذ منها موقفا واضحا وصارما بلا أدنى تردد!

·   ما الذي يجعل المعماري المسلم والعربي يقف حائرا أمام الحداثة كفكر والأصالة كانتماء عقائدي قبل أن تكون انتماءً حضارياً له جذور ممتدة في عمق وجدان المسلم راسخة البنيان في عقله وتفكيره وتوجهه؟

·   هل المسألة مرتبطة بالأصالة في حد ذاتها - التي تعني بالضرورة منظومة القيم التي نؤمن بها ونعتنقها- كونها تقف عائقاً في مواجهة متطلبات العصر؟

·        وهل الحداثة تعني بالضرورة المعاصرة وكل ما يرتبط بها من متطلبات مستجدة وتقنيات متطورة؟ 

في حالة كان المقصود بالحداثة هو المنهج الفكري الذي ظهر في أوروبا، فهو بالتأكيد يتصادم مع قيمنا الإسلامية قبل أن يتصادم مع أصالة معمارنا وتميزه. وبالتالي قرارنا هنا واضح وهو الرفض المطلق لكل ما يطرحه هذا الفكر، دون أن تنتابنا الحيرة بين الرفض والقبول به. 

وفي حالة كان المقصود بالحداثة تطور التقنيات وتجدد الاحتياجات، فهذا لا يستدعي أبداً الحيرة، بقدر ما يستدعي من المعماري المسلم والعربي أن يتفاعل معها. لأن هذا هو ما حصل بالضرورة في كل زمان ومكان، حيث تتجدد احتياجات الناس ومتطلباتهم وتستجد التقنيات، فيتفاعل معها المعماري. وهكذا هي سُنّة التطور في الحياة.

المفهوم الخاطيء لعصر الحريم والعودة إلى الماضي.


حوش العائلة - بين الأصالة والتجديد


 
جمال اللافي 

     بعد إلقائي لمحاضرة بعنوان(نحو رؤية جديدة ومعاصرة لمفهوم المسكن الاقتصادي) وذلك في العام 1993 بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس. وكان خلاصتها الدعوة للعودة إلى مسكن العائلة الذي يضم في رحابه الأجيال الثلاثة الأب والأبناء والأحفاد، كطرح بديل عن البيوت الاقتصادية المتعارف عليها في المشاريع الإسكانية والمعتمد على تكرار النموذج السكني والارتفاع الرأسي في البناء. بعد انتهاء المحاضرة وخروجي من القاعة، خاطبتني زميلة معمارية مُبدية تحفظها على هذا الطرح، قائلة بلهجة منفعلة: شن بتردنا لعصر الحريم! 
لم أجبها في تلك اللحظة حتى لا أفتح باباً للجدل العقيم. 

    خلال السنوات التي أعقبتها تم ملاحظة أن الحديث عن الهوية المعمارية بصفة عامة والهوية بمفهومها الشامل، المتعلقة بمعاملاتنا وتعاملاتنا وما يرتبط بها من تطبيقات في كافة المجالات العلمية والفنية والأدبية، تُقابل من عامة أفراد المجتمع بتحفظ شديد هو أقرب للرفض المطلق مصحوباً أيضا بالقول: شن بتردنا للماضي! 

     الخلاصة: عصر الحريم لم يوجد في الثقافة الإسلامية يوماً في أي دولة إسلامية قامت، منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مروراً بعهد الخلفاء الراشدين وانتهاءً بالخلافة العثمانية. والمقصود في تلك الأزمان بالحريم هم فقط نساء البيت أو القصر من الجدات والأمهات والعمات والخالات والبنات اللاتي حرم عليهم الشرع مخالطة الرجال الغرباء. والجواري تُطلق على البنات الصغيرات في السن. وليس كما صورتها رسومات المستشرقين وأفلام هوليوود وربيبتها في تشويه صورة الإسلام السينما المصرية ومن بعدها السينمات العربية. وكل امرأة متحجبة اليوم هي في حقيقتها تخبرنا بأنها حريمٌ عليها أن تنكشف على الغريب الأجنبي. 

     أما العودة إلى الماضي، فهي بلا شك العودة للزمن المُشرّف من تاريخنا الإسلامي، عصر الحضارة والمنجزات العلمية والفنية والأدبية. والهوية تعني بالضرورة التواصل مع منجزات هذه الحضارة، بتبني قيمها ومنطلقاتها والتفاعل مع معطيات الحاضر بمتطلباته وتقنياته وأدواته. ولا تعني التقوقع أو الانسلاخ عن الجذور.

نظرة خاطفة على المعمار الإسلامي في ليبيا

 

مدينة غدامس


جمال اللافي


أحدهم يتساءل: أين هي العمارة الإسلامية في ليبيا؟     

    الاعتقاد أن صروح العمارة الإسلامية في ليبيا تشبه في وضعها القائم صروح العمارة الإغريقية والرومانية في ليبيا، حيث يمكن حصرها وتحديد مواقعها في منطقتين أو ثلاث، فقد جانبه الصواب في تفكيره. لأننا عندما نتكلم عن العمارة الإسلامية في عمومها فيقصد بها العمارة التي أنشأها المسلمون في بلدانهم استناداً إلى توجيهات نبوية انطلقت أولاً من إعادة تخطيط الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة، حيث بنى مسجده في مركزها وقسّم المدينة إلى قطائع اختطّها لكل قبيلة( مناطق حضرية)، التي بدورها تم تخطيطها أيضا وفق مبدأ "لا ضرر ولا ضرار"، الذي سنّه عليه الصلاة والسلام، كمبدأ عام في التخطيط العمراني والمعماري للمدن الإسلامية، وما تمخّض عنها من أحكام للبُنيان استنبطها علماء المسلمين من آيات القرأن الحكيم وسُنّته الشريفة. 

    هذا الأمر هو ما أسّس لإعادة تخطيط النسيج العمراني والمعماري أولاً لمدينة طرابلس القديمة، عندما فتحها المسلمون. ومن بعدها في وضع أُسس بناء جميع المدن التاريخية الإسلامية المنطلق المنتشرة في جميع أنحاء المدن الليبية، قبل أن يهجرها سكانها إلى المناطق الحديثة، فتعرض بعضها للإزالة الكاملة وبعضها الآخر لا تزال أطلالها باقية وقلة قليلة احتفظت بكامل عمرانها ومعمارها الإسلامي المنطلق المحلي الهوية والخصوصية العمرانية والمعمارية.

 

 


الخميس، ديسمبر 10، 2020

القاتل الصامت

 

 

الحوش السماوي بمدينة طرابلس التاريخية

جمال اللافي

ما هو الشيء الذي يستحق أكثر من غيره لقب القاتل الصامت؟ 

يستحق البيت الذي تغيب عنه صفة السكينة لقب القاتل الصامت، لأنه يُساء تصميم فراغاته واختيار مواد تشطيبه وعناصر تأثيثه، وهو ذلك البيت الذي:

·        لا تتم دراسة توزيع فراغاته ومساحتها وارتفاع سقفها بالصورة التي توفر الراحة للساكن.

·        لا تدخله الكمية المناسبة من أشعة الشمس المباشرة ولا يمكن تهويته بصورة جيدة.

·        لا يتم توزيع عناصر الإضاءة فيه بالصورة التي تحقق الراحة والهدوء في الليل.

·   يتم طلاء جدرانه بكثرة الألوان في الفراغ الواحد، التي في ظاهرها شيء جميل وفي حقيقتها تسبب التوتر والانفعال والقلق والكآبة.

·        يُساء تشطيبه بمواد غالية أو رخيصة ولكنها متنافرة في شكلها وألوانها وحجمها.

·        يُساء فيه اختيار عناصر تأثيثه وعددها وحجمها مع النمط المعماري للبيت وحجم فراغاته.

·        يُكثر أصحابه من استخدام ديكورات الجبس بأشكال لا تنسجم مع بعضها البعض وبأحجام ضخمة جدا.

·        تُسمع فيه الأصوات بشكل مزعج بين الحجرات من جهة وضجيج الشارع من جهة أخرى.

·   الفاقد لهويته المعمارية المرتبطة بجذور المجتمع. ويعتمد نمطه على تقليد أنماط تنتمي لشعوب وثقافات أخرى، فيعزز لدى ساكنه شعوراً داخليا لا واعيا بمسبباته بالنقص والولاء لتلك الشعوب، ويفقد معه روح الانتماء لمجتمعه وثقافته الأصيلة. 

فيؤدي بذلك إلى غياب السكينة عنه وتوتر العلاقات بين سكانه، حتى يصل الأمر في الكثير من الأحيان إلى حدوث المشاحنات والهروب الدائم من التواجد فيه، بسبب الشعور بالضيق والتوتر وعدم الراحة. 

بيوت تؤدي بأشكالها وموادها وسوء توجيه فراغاتها وواجهاتها وقلة تهويتها إلى انتشار الأمراض العضوية والنفسية والعقلية، التي قد تُنسب لأسباب طبية،لا علاقة لها بالحقيقة.

مصدر الصورة:

تصوير: كميلة الأسطى- صفحة زوايا طرابلسية، موقع فيسبوك

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...