أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الاثنين، يناير 11، 2010

لمحات من آداب تصميم البيوت



المشربية الخشبية لأحد البيوت القديمة بشارع ميزران- مفردة معمارية نفتقدها في بيوتنا المعاصرة، وهي تكاد تندثر

الأستاذ/ أسعد الهمالي اللافي

من خلال قراءتي لمقالة" نحو رؤية جديدة ومعاصرة لمفهوم البيت الاقتصادي" وغيرها من المقالات المنشورة بالمدونة التي تبحث في طرح رؤية لنموذج المسكن الإسلامي المعاصر أردت أن أضيف بعضا من نصوص الكتاب والسنة مما قد يتعلق بهذا الموضوع، يمكن بالنظر فيها استخراج الآداب الإسلامية التي تدخل في تصميم البيوت بحيث يقوم البيت بوظيفته من تحقيق السكينة والخصوصية والمحافظة على أسرار البيت وعوراته.
وقد عمرت كتب الأدب بالمصنفات الإسلامية قديما وحديثا بكثير من النصوص التي يمكن الرجوع إليها في هذا الباب.
وكما تفضل الكاتب بالبيان أن حوش العيلة بطريقته التقليدية المعروفة لم يكن تصميمه خبط عشواء ولكنه كان منسجما مع تقاليد المجتمع وعاداته التي ينبثق الكثير منها من تعاليم الإسلام الذي يدين به الليبيون। فقكرته غير منفصلة عن تعاليمه। فنظام حوش العيلة المعروف حيث تسكن الاسرة من الجد حتى الأحفاد في البيت الواحد يجسد معاني التكافل الإجتماعي ويقوي روابط الأسرة الواحدة الذي يؤدي بالتالي الى ترابط المجتمع ككل بالإضافة الى ما تمّ ذكره من تجنيب الدولة النفقات الزائدة على دور العجزة والمسنين الغريبة عن مجتمعنا وقيم ديننا الحنيف ولا نحتاج في هذا المجال أن نسوق الأيات والأحاديث في بيان اهتمام الإسلام بالأسرة فهي أشهر وأكثر من ذلك ولكن نذكر منها مايحتاجه المقام فمن ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ)[1] فذكر الله في مقام الإمتنان على الإنسان الأجيال الثلاثة التي غالبا ما تجتمع في البيت الواحد ونجد أيضا في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ)[2] إشارة إلى مبدأ التكافل الاجتماعي والمحافظة على كيان الأسرة الذي يهيؤه حوش العيلة والذي يضمن عدم شذوذ أحد من أفراد الأسرة وانحرافه عن القيم والتقاليد وإذا نظرنا إلى تصميم حوش العيلة إجمالا وجدناه يراعي آداب الشرع في المحافظة على عورات البيوت فلا تجد لحوش العيلة نوافذ على الشارع وإنما نوافذه غالبا ما تطل على وسط البيت المفتوح للشمس والهواء وفي هذا من الفائدة مالا تجده في التصميمات الحديثة التي يعاني سكانها من أمراض الصدر والرئة وضيق " الخلق" لضيق البيوت, وقد يدور بالخلد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتكلم في شأن البيوت بل صح عنه أنه قال: " ثلاثة من السعادة ، وثلاثة من الشقاء ، فمن السعادة : المرأة الصالحة ؛ تراها فتعجبك ، وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالك ، والدابة تكون وطيئة ؛ فتلحقك بأصحابك ، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق . ومن الشقاء : المرأة تراها فتسوؤك ، وتحمل لسانها عليك ، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك ، والدابة تكون قطوفا ، فإن ضربتها أتعبتك ، وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك ، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق"[3] فانظر كيف جعل السعادة في البيت الواسع كثير المرافق أي ما يرتفق به الساكن من غرف وحمامات وغيرها.
وفي الحقيقة لما ضاقت أخلاقنا ضاقت بيوتنا أو لما قلّدنا غيرنا في تصميم البيوت الضيقة ضاقت أخلاقنا فالبيت مثل الثوب الذي يلبسه الانسان يؤثر في سلوكه سلبا وإيجابا فإذا أردنا الرجوع الى حوش العيلة فلابد أن نرجع إلى أخلاق بيت العيلة فإننا الآن في عصر الإنشطار بداية من الذرة وحتى العلاقات الإنسانية فصار الأب يضيق بإبنه والإبن يضيق بأبيه وأمه والأخ يضيق بأخيه وأخته- والله المستعان- وماهذا في رأيي إلا للتفريط في حوش العيلة بما يحمله من معاني وتصورات إسلامية.
وإذا أردنا أن ندخل في تفاصيل تصميم حوش العيلة نجد أن صيانة البيت عن نظر الأجانب مرعية فيه فتجد أن مدخل البيت مصمم على شكل زاوية قائمة بحيث لا يرى الواقف على الباب صحن البيت مما يتيح حرية الحركة للنساء فيه بعيدا عن نظرالأجانب وكشفهم لما لا يحب أهله أن ينكشف وقد شرع الإسلام من أجل ذلك الاستئذان، وقال صلى الله عليه وسلم:" إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"[4]، فكل ما من شأنه أن يحفظ هذا الأدب في تصميم البيت كان مطلوبا شرعا أيضا. كما أن تخصيص غرفة للضيف يمكن أن يراعى في التصميم فقد أشار الرسول صلى الله علية وسلم إلى ذلك بقوله في آداب الضيافة: " فراش لك وفراش لضيفك والثالث (يعني الزائد) للشيطان."[5] وتكون مجلسا لأفراد العائلة بعيدا عن ضجيج النساء والأطفال. كما ينبغي ان يراعي حوش العيلة الآداب الشرعية في تستر المرأة عن الأجانب يعني من ليسوا بمحرم لها حيث أن حوش العيلة قد يضم أكثر من عائلة فيكون تصميمه بحيث يوفر مداخل متعددة إلى البيت لأن الإسلام يحرم دخول الرجال على النساء كما قال صلى الله عليه وسلم:" إياكم والدخول على النساء ." ولو كان الرجال من أقارب الزوج.
أما النواحي الجمالية فالإسلام يبيح للإنسان أن يتمتع من هذه الدنيا بما شاء في حدود ما أحلّ الله، والحديث المشهور عند الناس وهو صحيح: " إن الله جميل يحب الجمال ." قاله صلى الله عليه وسلم جوابا لمن ساله: أحب أن يكون نعلي جميلا وثوبي جميلا أذلك من الكبر؟ فقال: " لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس."[6] فللمصمم ان يتفنن في ذلك بما شاء مراعيا حدود الشرع في تجنب تصوير ذوات الأرواح أو الاستعانة بالتماثيل .
وهذا قليل مما قد يضيف إلى الموضوع أحببنا أن نشارك به.... سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علمتنا إنك أنت علاّم الغيوب.



[1] - سورة النحل الآية 72
[2] - سورة البقرة الآية 83
[3] - الراوي: سعد بن أبي وقاص المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 3056
خلاصة حكم المحدث: حسن
[4] - أن رجلا اطلع على رسول الله صلى الله عليه و سلم من جحر في حجرة النبي صلى الله عليه و سلم ومع النبي صلى الله عليه و سلم مدراة يحك بها رأسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تنظر لطعنت بها في عينك . إنما جعل الاستئذان من أجل البصر
الراوي: سهل بن سعد الساعدي المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 2709
خلاصة حكم المحدث: صحيح
[5] - الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2084
خلاصة حكم المحدث: صحيح
[6] - لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة . قال : إن الله جميل يحبالجمال . الكبر بطر الحق وغمط الناس
الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: مسلم- المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 91خلاصة حكم المحدث: صحيح

المشربية الخشبية: تصوير أسامة محمد الفرجاني ( أحد أبناء مؤسس مكتبات الفرجاني)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق