أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

) فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) سورة الرعد، آية 17

الجمعة، أكتوبر 10، 2014

بين عباد القبور وعباد مصالحهم اتفاق






جمال اللافي


إلى المتباكين على هدم الأضرحة وإزالة القبور المنتشرة في مساجدنا التاريخية وغير التاريخية، أقول:

هناك أعمال هدم كثيرة وكبيرة لمساجد ومعالم ومدن تاريخية بأكملها، تمت في عهد المقبور. ولم تجد من يعترض عليها، ولو بكلمة- على  المستويين الشعبي والنخبوي- في ذلك الوقت، إلاّ من بعض حالات استثنائية ضعيفة، تم إخراسها من زبانية ذلك المقبور، منها على سبيل المثال لا الحصر، جامع الكتاني (أبوهريده)، جامع الشعاب القديم، جامع سيدي حموده، جامع سياله، جامع مولاي محمد، جامع باقي، مدرسة جامع ميزران، وآخرها هدم مبنى ما كان يسمى بمقر اللجنة الشعبية العامة (بنك روما سابقا). كذلك مدن سوكنة وهون وقلعة بني وليد وتحويل غالب المدن التاريخية إلى أطلال نتيجة الإهمال. كذلك لا ننسى سرقات الآثار من مدن لبدة وصبراته وشحات وغيرها.


بل الكثير من الوقائع والشواهد تقول، أن هناك من كانت له أدوار تخريبية داخل مدينة طرابلس القديمة وعرقلة لجهود الحفاظ عليها من موقع مسؤوليته الإدارية بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة بطرابلس في تلك الفترة وفي جهاز إدارة المدن التاريخية في هذه الفترة.

ومع ذلك نرى اليوم تحشيد شعبي ونخبوي، غير مسبوق، على ما يحصل  من أعمال إزالة لمقابر داخل بعض المساجد التاريخية أو أعمال تدمير طالت الأضرحة التاريخية المنتشرة داخل هذه المساجد أو داخل مقابر المسلمين في جميع المدن الليبية. التي قامت بها جماعة- لا أعرف حقيقتها ولا دوافعها ولا مدى صدق نواياها- بعد ثورة 17 فبراير تحديدا.


والمعنى، الذي أريد أن استخلصه من هذا السرد، أن مسألة هدم الأضرحة ونقل رفات القبور من مساجد إلى مقابر المسلمين- وفق الأصول الشرعية وبهدوء ودون ضجيج- وما يترتب عنها من إضرار بالمعالم التاريخية (هذا إن تحققت مثل هذه الأضرار فعلا، ولم تقتصر العملية على إزالة القبور فقط). هي في حقيقتها لا تعني أحداً بالمرة. وليست هي المستهدفة من كل هذا العويل والصراخ والتباكي والنواح. ولكن المستهدف هو جعلها قضية رأي عام داخلي وخارجي. واستثمارها كفرصة سانحة لهم للتنفيس عن مشاعر مكبوتة تجاه من ينافحون عن عقيدتهم الصحيحة. أو للطعن في جهات أو أشخاص بعينهم أو إثارة الرأي العام بقضايا تستهدف النيل من وضع قائم، لا يرضون عنه، أو للتعتيم على جرائم اقتصادية أو سياسية تحاك لهذا البلد. فوجدوا في مثل هذه الأعمال العشوائية فرصتهم السانحة.


وربما تكون واحدة من مستهدفات هذه الحملة، سعى هؤلاء لربط هذه الأعمال بأعمال الهدم التي طالت معالم مدينة طرابلس القديمة منذ عقود وغيرها من المدن والمعالم التاريخية الأخرى. وقد نقرأ مستقبلا دراسات تاريخية تخلط الحابل بالنابل وتنسب كل ما تعرضت له معالمنا التاريخية في جميع المدن الليبية من هدم وتشويه ونسبتها إلى هذه المرحلة التاريخية وإلى هذه الجماعة. فليس هناك أسهل من تزييف التاريخ وتشويه الحقائق في زمننا هذا. 

لست أدري، فقد يكون ظني بهم خاطئاً. وتكون نواياهم كلها سليمة.

لهذا أقول، للجمع المتباكي على الموروث الثقافي الضائع، في حالة أحسنّا بهم الظن:

كم تمنيت أن تتكاثف الحملات لمنع مزيد من أعمال الهدم التي ما زالت تتم داخل مدينة طرابلس القديمة لمساكنها ومعالمها التاريخية، بهدف إقامة فنادق ومحلات وبيوت تفتقر لأبسط القيم الجمالية والفنية في العمارة.

ولا يسعني هنا إلاّ التنويه إلى أن العاملين بجهاز إدارة المدن التاريخية قد انقطعوا عن ممارسة أعمالهم بسبب مضايقات وتهديدات هؤلاء العابثين بموروثنا الثقافي.

ولا يسعني أيضا إلا التنويه أكثر إلى أن من يقومون بهذه الأعمال التخريبية، هم من العائلات الطرابلسية المحسوبة على المدينة القديمة. وقد اتطرق مستقبلا لذكرهم، فقط حتى يتبين لكم أن أغلب المتباكين اليوم هم أنفسهم من يمارسون أعمال التخريب المتعمد لمعالمنا التاريخية والتعدى عليها.


وأخيراً أقول:
أما آن الأوان، لأن نجمع صدق المشاعر مع صدق النوايا مع العمل الجاد، للحفاظ على ما تبقى من هذا الموروث الثقافي. من خلال سلسلة من البرامج العلمية والمنهجية والمشاريع الجادة، التي تستهدف هذا الموروث بالحماية الحقيقية، لإنقاذ ما يمكن انقاذه.

بل وللعمل على رد الاعتبار لهذا الموروث المعماري والعمراني، من خلال إعادة توظيفه في ذاته لتكون كل هذه المعالم أماكن للعديد من الأنشطة العلمية والثقافية. وأيضا الاستلهام منها في مشاريعنا المعاصرة، كخطوة أخرى للحفاظ على هوية عمارتنا ومدننا المعاصرة. بدلا من هذا الخليط النشاز من أعمال معمارية ومشاريع عمرانية، لا يمكننا حسبتها لا على موروثنا الثقافي ولا على منجزات الحداثة الغربية. وكأن واقعنا يشبه حالة الغراب الذي أعجب بمشية الحمام، فأراد أن يقلدها. فلا هو اتقنها ولا هو استطاع العودة إلى مشيته الطبيعية. فبقي يعرج ويورث أجياله من بعده مشيته العرجاء هذه.

وهذه الخطوات ليست مستحيلة ولا صعبة، لمن أراد أن يمسح عنه دموع التماسيح. ويعمل بالحكمة الصينية التي تقول، مع بعض التصرف:

"اشعل شمعة، بدلاً من أن تنزوي في زاويتك المظلمة تلعن الظلام، أو تحيك الدسائس".




جميع الصور من أرشيف الأستاذ سعيد حامد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق