الإنسان عدو ما يجهله


مسجد عبدالوهاب القيسي بمدينة طرابلس القديمة
بعد التعديلات التي أجراها عليه السطى الليبي علي ابوزيان في النصف الول من القرة 20


الإنسان عدو ما يجهله، جملة سمعتها لأول مرة في محاضرة للأستاذ علي قانه، رحمه الله وغفر له، عن تنسيق الحديقة الليبية في بداية الثمانينات، ضمن مادة تنسيق الحدائق التي يقوم بتدريسها لنا الدكتور مصطفى المزوغي، ولا زالت هذه الجملة تفرض نفسها على خاطري وتفكيري في كل مرة أسمع أو أقرأ تعليقا لأحدهم حول العمارة الليبية بصفة عامة والطرابلسية بصفة خاصة، بغض النظر عن صفته الاعتبارية (مثقف، معماري، جاهل)، يردد فيها وعن قناعة لا تستند على أي مرجعية، بأنه لا يوجد شيئاً اسمه عمارة ليبية محلية. وأن ما هو متواجد في مدينة طرابلس ليس إلاّ أنماطا معمارية لمراحل استعمارية متعددة بدءا بالفترة العثمانية ووصولا إلى الاحتلال الإيطالي ومرورا بالتأثيرات الأندلسية والتونسية والمتوسطية والشرقية والغربية وربما حتى تأثيرات من كواكب أخرى مرت على المدينة. المهم عندهم هو إنكار وجود حالة إبداع محلي ومن وحي البيئة وبعقول ليبية.

بالنسبة لي وفي إطار استجلاء الحقائق، شددت رحالي إلى المدن التركية في صيف 1983 م. وإلى مدن تونس في صيف 1988 وتكرر الأمر بعدها في السنوات القريبة الماضية. وإلى مصر في العام 1993 م. وإلى مدن المملكة المغربية بطولها وعرضها مع بداية صيف 2004 وتكررت الزيارات على مدار اربع سنوات متعاقبة. ناهية عن مراجعة المصادر المصورة التي تتحدث عن العمارة اليونانية والإيطالية والمتوسطية. زيادة على ما اتاحته لنا شبكة الانترنت من معلومات لا حصر لها عن عمارة جميع الحضارات القائمة على رقعة الكرة الأرضية بكل أنماطها التاريخية والمعاصرة. بحثا عن التفاصيل. وبين ثنايا التفاصيل دائما تكمن حقيقة الأشياء وفرادتها.

وطبعا لا أنسى أن اعرج بكم على بيت القصيد، عن علاقتي "بمدينة طرابلس القديمة"، التي بدأت "بصورة واعية ومدركة" خلال المرحلة الإعدادية، عندما تعودت على المسير إليها من مقر سكن العائلة في مدينة الحدائق، لأشق شوارع ميزران تارة أو الاستقلال و24 ديسمبر تارة أخرى، بصورة شبه يومية. مبتدئاً دخولي إليها من باب المدينة عبر ميدان الشهداء. متجولا بين أسواقها ومحجما عن التعمق في دواخلها، لعدم درايتي بخفايا شوارعها وإلى أين ستفضي بي. واستمر هذا الحال، حتى مرحلة التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني في بداية الثمانينات. وتحديدا مع أول بحث أكلف به مع مجموعة من الطلبة والطالبات للقيام بدراسة وتحليل وأعمال رفع لأحد بيوتات هذه المدينة وهو حوش محمود بي الملاصقة لمبنى القنصلية الفرنسية (دار حسن الفقيه حسن للفنون حاليا)، بزنقة الفرنسيس- بمنطقة باب البحر. ومن هناك بدأت حكايتي مع المدينة القديمة كطالب ثم كباحث معماري بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة في 21 أبريل من العام 1990م. وحتى يومنا هذا.

لن أقف هنا مدافعا عن أصالة وفرادة العمارة الليبية في خصوصيتها وتمايزها عن عمائر البلدان الأخرى، لأن في ذلك امتهان لقيمة هذه العمارة، أمام المشككين عن جهالة أو (سفالة، مردها تحسسهم من كل شئ ينتمي إلى ليبيا). ولكن أود التأكيد على نقطة مهمة وهي أنه يمكننا ملاحظة وجود اختلاف كبير أو تباين واضح بين جميع العمائر في العالم. بعضها قابل للقياس لوضوح الاختلاف بينها. وبعضها الآخر يحتاج لدراسة معمقة لتلمس ملامح التباين بينها. ومثال على ذلك، التباين بين العمارة الأندلسية والعمارة المغربية. وبين العمارة في بعض المدن التونسية والعمارة الطرابلسية. وبين العمارة الفارسية والعمارة في العراق والشام. وبين العمارة اليمنية والعمارة الصحراوية في جزيرة العرب والصحراء الكبرى وعلى رأسها العمارة الغدامسية. وبين عمارة تطاوين التونسية وعمارة بيوت الحفر في مدينة غريان الجبلية. وبين كل مدينة ومدينة أخرى على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

سنجد من خلال التمعن في هذه العمائر أن التباين يرتكز في التفاصيل وفي توزيع الفراغات وفي معالجة الكتل وفي عناصر التأثيث وفي الألوان وفي الزخارف والنقوش وطريقة صياغتها كأدوات تعبيرية تعكس ثقافة كل مجتمع وتحدد ملامح خصوصيته المتفردة عن غيرها. وليس غريبا ولا عجيبا أن نرى هذا التباين في المدينة الواحدة بين قبيلة وأخرى ليصل إلى تباين أكثر خصوصية بين عائلة وأخرى في نفس القبيلة أو داخل كل مدينة حضرية وبيت.

ونحن أبناء هذا الجيل وهذه الأيام، عندما نجد أنفسنا تحت محك المفاصلة في انتماء أي عمارة محلية في ليبيا إلى غيرها من الحضارات الوافدة عليها. يجب علينا بعد الاطلاع على أنماط العمارة المختلفة التي تميز تلك الحضارات الوافدة، وتبين أوجه الاختلاف العميق والتباين الواضح بينها أن نطرح هذا السؤال البسيط والعميق:
من أخذ عن من؟
هل الليبي أخذ عن العثماني. أم العثماني هو الذي أخذ عن الليبي؟

دعونا أيضا نتحدث عن الحضارات العظيمة في التاريخ والتي سادت العالم بقوتها وجبروتها وأسست لها نمطا معماريا عرفت به. كالحضارة الإغريقية والرومانية والفرعونية والساسانية والفارسية والإسلامية وآخرها العثمانية، التي قام سلاطينها بتفريغ العالم العربي من خيرة الحرفيين والصناع ونقلهم إلى إسطنبول، ليبنوا ما نعرفه اليوم بالعمارة العثمانية مستندين في ذلك على خبرتهم المحلية ورصيدهم المعرفي الذي نهلوه من بيئتهم الأصلية التي أتو منها. وكذلك فعلت الأمم التي قبلهم عندما سادت الأرض. وليس عنكم ببعيد حضارة الولايات المتحدة الأمريكية في وقتنا هذا. كلكم يعلم جيدا انها تستقطب العلماء والمبتكرين من جميع أنحاء العالم ومن لا تستطع شراؤه بالمال أو استجلابه إليها بالقوة تقتله لترهب بذلك سواه.

وبالتالي ما أدراكم من الذي وضع تصاميم الأهرامات في مصر أو بناها. وما أدراكم من هو مبتكر الحدائق المعلقة في بابل بالعراق. وما أدراكم من صمم الأكروبوليس باليونان أو خطط للمدن الرومانية أو صنع الصورة المشتركة لعمارة البلدان المتوسطية. قد يكون أحد أجدادنا الليبيون أو غيرهم. ولكن لأننا شعب لا يقرأ ولا يهتم بصيانة تاريخه وحفظه. يتم التعتيم على هذه الحقائق. كما فعل أشهر معماري مصري معاصر حين أدعى انه استلهم تفاصيل عمارته من النوبة. وهي في حقيقتها عمارة غدامسية بامتياز، عندما زار ليبيا في بداياته بدعوة من صديقه عميد بلدية غريان ليبني لهم مستشفى. فقط ابحثوا عن العمارة النوبية على محرك قوقل. وإن وجدتم لها علاقة بعمارته، فحاسبوني على أدعائي الباطل.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، لا يعني أن تسود حضارة ما على مجموعة من الدول أو فترة من الزمن، أنها ستنقل إرثها إلى تلك البلاد بحيث يسود كامل أرجائها ويطغى. وهذا ما لم يحدث في الواقع على مر التاريخ. وكون الدولة العثمانية بسطت نفوذها على ليبيا، فهذا لا يعني أن تخطيط مدينة طرابلس جاء وفق رؤية عثمانية من حيث النمط التخطيطي أو في شكل عمائر المدينة القديمة أو تفاصيل عناصرها ومفرداتها. ويمكننا القول كمثال، أن جامع درغوت أمر بتشييده درغوت باشا عندما فتح مدينة طرابلس. ولكن هل نقل إليه الطراز العثماني؟ المشاهد العابر سيرى اختلاف جوهري بين العمارة العثمانية بكل تفاصيلها وعمارة جامع درغوت في طرابلس. كذلك الأمر في جامع أحمد باشا القره مانللي بسوق المشير ومدرسة عثمان الساقزلي وجامع قرجي. هي مباني شيدت في العهد العثماني، ولكن لا يعني هذا أنها تحمل معها الطابع المعماري العثماني. هذا من جهة. ومن جهة أخرى هل يعتقد البعض أن العمالة التي شيدت هذه المباني استجلبت من تركيا؟ أم كانت عمالة محلية.
وما يجب معرفته أيضا، أن السلاطين والولاة غالبا ما يهتمون بتشييد بعض المباني العامة والقصور أو البيوت التي تخصهم. أو يعطوا توجيهاتهم بخصوص وضع مخططات لمدن جديدة لتكون مركزا لحكمهم- كما في بغداد المنصور- ولكن طرابلس سابقة لوجودهم فيها بثلاثة آلاف سنة. كذلك الأمر بالنسبة لفترة الاحتلال الإيطالي. يمكننا أن نرى تأثيراتهم في شارع الاستقلال وبعض الشوارع والمناطق المستحدثة في عهدهم. ولكن لا تأثير لهم على العمارة المحلية. فهم احترموا وجودها ولم يبنوا مشاريعهم على انقاضها.

وحتى لا أطيل عليكم، سآخذ مثالا بسيطا على ذلك وهو "التاج القره مانللي". وكلنا يعي جيدا أن العائلة القره مانللية هي نتاج تزاوج بين عائلات تركية وأخرى ليبية. وليس بالضرورة أن تكون طرابلسية. وكلنا يعي جيدا أن هذه العائلة تجذرت في البيئة الليبية على مدى عقود وربما تجاوزت القرن من الزمان، حتى صارت جزءا منها. وبالتالي هم عندما حكموا طرابلس الغرب واستقلوا بها عن الحكم العثماني، كانوا في فعلهم هذا يشعرون بأنهم أبناء لهذا الوطن ووجب عليهم العمل على تحريره من سيطرة الدولة العثمانية.

ليس هذا هو المهم في موضوعنا. بل الأهم منه قصة هذا التاج المسمى بالتاج القره مانللي. هل في اعتقاد أحد، أن من ابتكر شكله المتفرد عن باقي التيجان التي اشتهرت بها الحضارات القديمة، هو احد أبناء هذه الأسرة. أم هو بطبيعة الحال حرفي طرابلسي أو من أي مدينة ليبية أخرى، يمتهن صناعة النحت على الحجر؟
هذا التاج القره مانللي نراه يتوج أغلب البيوت والمساجد والفنادق في مدينة إطرابلس القديمة إلى جانب التاج الحفصي. وهما الاثنان يتوجان غالب المباني التاريخية في تونس.
فهل سنقول أنه من تأثيرات العمارة التونسية؟
وهل رديفه التاج الحفصي هو ابتكار تونسي؟
أم هو أيضا ابتكار حرفي ليبي في زمن الدولة الحفصية؟

لا شك ان هناك تأثيرات متبادلة بيت الحضارات والشعوب والأمم. تمازجت كلها، حتى لم يعد يمكن الفصل بينها أو معرفة من أخذ عن من. ومن أثر في من. ومن نقل عن من. وعندما نقف أمام أحد الشواهد التاريخية في أي بقعة من الأرض سيراودنا إحساس غامر بأن كل الشعوب والحضارات اجتمعت لتصيغ لنا هذه التحفة الخالدة. وتصبح مسؤولية الحفاظ عليها من الضياع مسؤولية كل الأحياء.

أخيراً وليس بآخر:
الإنسان عدو ما يجهله، ستبقى حقيقة دامغة لكل من لا يطلع على تاريخ بلاده. ويثق في قدرته قبل قدرة أجداده على الإتيان بالجديد والإبداع الأصيل في كل مجالات الحياة.
ويكفينا أننا لم نعرف أن الليبيون هم أول من صنع العجلة التي تجرها الخيول. وأنهم أول من بنى الأهرامات وعرفوا التحنيط. وهذا قليل من كثير ضائع. وما كنا لنصدق ذلك لولا أن هذه المعلومات ساقها إلينا علماء الغرب. وكم من علم وصناعة كان لليبيين السبق إليها.


ولكن لا أحد من هذا الجيل أو الذي قبله سعى لحفظ هذه الحقوق. فضاعت بين سارق ومدعي. وجاهل لا يعي. وحاقدٍ حاسدٍ يرجو لها أن تزول وتنهي. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية