التخطي إلى المحتوى الرئيسي

افتتاحية

استدعت حاجة المعماريين والتشكيليين والحرفيين في ليبيا إلى منبر إعلامي ملتزم بقضايا المجتمع يتم من خلاله تواصلهم اليومي مع شرائحه المختلفة، إلى إطلالة هذه الصفحات النقدية، لترسيخ عدة قيم قد يكون مفهومها غائبا عن بعضنا وقد تحمل معاني مختلفة عند البعض الآخر، ولكننا نتفق مع الكثيرين حولها. ولا بأس من تكرار طرحها بمقتضى الضرورة القصوى إلى إعادة التذكير بما نكون قد نسيناه أو تناسيناه في زحمة السعي وراء فضاء يأوينا بعد أن هجرنا ألفة بيت العائلة الحميمة، ونحن نتطلع إلى البدائل المستوردة وهي تغتال فينا كل يوم إحساسنا بكل ما هو أصيل وجميل.

قيمة أخرى تعيد طرحها هذه المدونة على مائدة الحوار بين أصحاب المهنة الواحدة تحديدا وبين أفراد المجتمع على وجه العموم، وهي احترام الرأي الآخر والتفاعل معه على أساس أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى الارتقاء بالعمل الإبداعي" المعماري والتشكيلي والحرفي" إلى مرحلة التفاعل مع هموم واحتياجات المجتمع والتعبير عن تطلعاته إلى حياة أكثر استقرارا وإنتاجية.

وأخيرا هي صفحات تهدف إلى تصحيح مفهوم العالمية في أذهان المبدعين المحليين، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقيقة مرامي الدعاة إليها أو المنساقين وراءها. وكي لا تشكل العالمية هاجسنا الأول الذي يدفع بنا إلى أن نرمي باحترامنا لذواتنا خلف ظهورنا جريا وراء سراب اسمه تفوق الآخر.

الإنسان عدو ما يجهله


مسجد عبدالوهاب القيسي بمدينة طرابلس القديمة
بعد التعديلات التي أجراها عليه السطى الليبي علي ابوزيان في النصف الول من القرة 20


الإنسان عدو ما يجهله، جملة سمعتها لأول مرة في محاضرة للأستاذ علي قانه، رحمه الله وغفر له، عن تنسيق الحديقة الليبية في بداية الثمانينات، ضمن مادة تنسيق الحدائق التي يقوم بتدريسها لنا الدكتور مصطفى المزوغي، ولا زالت هذه الجملة تفرض نفسها على خاطري وتفكيري في كل مرة أسمع أو أقرأ تعليقا لأحدهم حول العمارة الليبية بصفة عامة والطرابلسية بصفة خاصة، بغض النظر عن صفته الاعتبارية (مثقف، معماري، جاهل)، يردد فيها وعن قناعة لا تستند على أي مرجعية، بأنه لا يوجد شيئاً اسمه عمارة ليبية محلية. وأن ما هو متواجد في مدينة طرابلس ليس إلاّ أنماطا معمارية لمراحل استعمارية متعددة بدءا بالفترة العثمانية ووصولا إلى الاحتلال الإيطالي ومرورا بالتأثيرات الأندلسية والتونسية والمتوسطية والشرقية والغربية وربما حتى تأثيرات من كواكب أخرى مرت على المدينة. المهم عندهم هو إنكار وجود حالة إبداع محلي ومن وحي البيئة وبعقول ليبية.

بالنسبة لي وفي إطار استجلاء الحقائق، شددت رحالي إلى المدن التركية في صيف 1983 م. وإلى مدن تونس في صيف 1988 وتكرر الأمر بعدها في السنوات القريبة الماضية. وإلى مصر في العام 1993 م. وإلى مدن المملكة المغربية بطولها وعرضها مع بداية صيف 2004 وتكررت الزيارات على مدار اربع سنوات متعاقبة. ناهية عن مراجعة المصادر المصورة التي تتحدث عن العمارة اليونانية والإيطالية والمتوسطية. زيادة على ما اتاحته لنا شبكة الانترنت من معلومات لا حصر لها عن عمارة جميع الحضارات القائمة على رقعة الكرة الأرضية بكل أنماطها التاريخية والمعاصرة. بحثا عن التفاصيل. وبين ثنايا التفاصيل دائما تكمن حقيقة الأشياء وفرادتها.

وطبعا لا أنسى أن اعرج بكم على بيت القصيد، عن علاقتي "بمدينة طرابلس القديمة"، التي بدأت "بصورة واعية ومدركة" خلال المرحلة الإعدادية، عندما تعودت على المسير إليها من مقر سكن العائلة في مدينة الحدائق، لأشق شوارع ميزران تارة أو الاستقلال و24 ديسمبر تارة أخرى، بصورة شبه يومية. مبتدئاً دخولي إليها من باب المدينة عبر ميدان الشهداء. متجولا بين أسواقها ومحجما عن التعمق في دواخلها، لعدم درايتي بخفايا شوارعها وإلى أين ستفضي بي. واستمر هذا الحال، حتى مرحلة التحاقي بقسم العمارة والتخطيط العمراني في بداية الثمانينات. وتحديدا مع أول بحث أكلف به مع مجموعة من الطلبة والطالبات للقيام بدراسة وتحليل وأعمال رفع لأحد بيوتات هذه المدينة وهو حوش محمود بي الملاصقة لمبنى القنصلية الفرنسية (دار حسن الفقيه حسن للفنون حاليا)، بزنقة الفرنسيس- بمنطقة باب البحر. ومن هناك بدأت حكايتي مع المدينة القديمة كطالب ثم كباحث معماري بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة في 21 أبريل من العام 1990م. وحتى يومنا هذا.

لن أقف هنا مدافعا عن أصالة وفرادة العمارة الليبية في خصوصيتها وتمايزها عن عمائر البلدان الأخرى، لأن في ذلك امتهان لقيمة هذه العمارة، أمام المشككين عن جهالة أو (سفالة، مردها تحسسهم من كل شئ ينتمي إلى ليبيا). ولكن أود التأكيد على نقطة مهمة وهي أنه يمكننا ملاحظة وجود اختلاف كبير أو تباين واضح بين جميع العمائر في العالم. بعضها قابل للقياس لوضوح الاختلاف بينها. وبعضها الآخر يحتاج لدراسة معمقة لتلمس ملامح التباين بينها. ومثال على ذلك، التباين بين العمارة الأندلسية والعمارة المغربية. وبين العمارة في بعض المدن التونسية والعمارة الطرابلسية. وبين العمارة الفارسية والعمارة في العراق والشام. وبين العمارة اليمنية والعمارة الصحراوية في جزيرة العرب والصحراء الكبرى وعلى رأسها العمارة الغدامسية. وبين عمارة تطاوين التونسية وعمارة بيوت الحفر في مدينة غريان الجبلية. وبين كل مدينة ومدينة أخرى على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.

سنجد من خلال التمعن في هذه العمائر أن التباين يرتكز في التفاصيل وفي توزيع الفراغات وفي معالجة الكتل وفي عناصر التأثيث وفي الألوان وفي الزخارف والنقوش وطريقة صياغتها كأدوات تعبيرية تعكس ثقافة كل مجتمع وتحدد ملامح خصوصيته المتفردة عن غيرها. وليس غريبا ولا عجيبا أن نرى هذا التباين في المدينة الواحدة بين قبيلة وأخرى ليصل إلى تباين أكثر خصوصية بين عائلة وأخرى في نفس القبيلة أو داخل كل مدينة حضرية وبيت.

ونحن أبناء هذا الجيل وهذه الأيام، عندما نجد أنفسنا تحت محك المفاصلة في انتماء أي عمارة محلية في ليبيا إلى غيرها من الحضارات الوافدة عليها. يجب علينا بعد الاطلاع على أنماط العمارة المختلفة التي تميز تلك الحضارات الوافدة، وتبين أوجه الاختلاف العميق والتباين الواضح بينها أن نطرح هذا السؤال البسيط والعميق:
من أخذ عن من؟
هل الليبي أخذ عن العثماني. أم العثماني هو الذي أخذ عن الليبي؟

دعونا أيضا نتحدث عن الحضارات العظيمة في التاريخ والتي سادت العالم بقوتها وجبروتها وأسست لها نمطا معماريا عرفت به. كالحضارة الإغريقية والرومانية والفرعونية والساسانية والفارسية والإسلامية وآخرها العثمانية، التي قام سلاطينها بتفريغ العالم العربي من خيرة الحرفيين والصناع ونقلهم إلى إسطنبول، ليبنوا ما نعرفه اليوم بالعمارة العثمانية مستندين في ذلك على خبرتهم المحلية ورصيدهم المعرفي الذي نهلوه من بيئتهم الأصلية التي أتو منها. وكذلك فعلت الأمم التي قبلهم عندما سادت الأرض. وليس عنكم ببعيد حضارة الولايات المتحدة الأمريكية في وقتنا هذا. كلكم يعلم جيدا انها تستقطب العلماء والمبتكرين من جميع أنحاء العالم ومن لا تستطع شراؤه بالمال أو استجلابه إليها بالقوة تقتله لترهب بذلك سواه.

وبالتالي ما أدراكم من الذي وضع تصاميم الأهرامات في مصر أو بناها. وما أدراكم من هو مبتكر الحدائق المعلقة في بابل بالعراق. وما أدراكم من صمم الأكروبوليس باليونان أو خطط للمدن الرومانية أو صنع الصورة المشتركة لعمارة البلدان المتوسطية. قد يكون أحد أجدادنا الليبيون أو غيرهم. ولكن لأننا شعب لا يقرأ ولا يهتم بصيانة تاريخه وحفظه. يتم التعتيم على هذه الحقائق. كما فعل أشهر معماري مصري معاصر حين أدعى انه استلهم تفاصيل عمارته من النوبة. وهي في حقيقتها عمارة غدامسية بامتياز، عندما زار ليبيا في بداياته بدعوة من صديقه عميد بلدية غريان ليبني لهم مستشفى. فقط ابحثوا عن العمارة النوبية على محرك قوقل. وإن وجدتم لها علاقة بعمارته، فحاسبوني على أدعائي الباطل.

هذا من جهة ومن جهة أخرى، لا يعني أن تسود حضارة ما على مجموعة من الدول أو فترة من الزمن، أنها ستنقل إرثها إلى تلك البلاد بحيث يسود كامل أرجائها ويطغى. وهذا ما لم يحدث في الواقع على مر التاريخ. وكون الدولة العثمانية بسطت نفوذها على ليبيا، فهذا لا يعني أن تخطيط مدينة طرابلس جاء وفق رؤية عثمانية من حيث النمط التخطيطي أو في شكل عمائر المدينة القديمة أو تفاصيل عناصرها ومفرداتها. ويمكننا القول كمثال، أن جامع درغوت أمر بتشييده درغوت باشا عندما فتح مدينة طرابلس. ولكن هل نقل إليه الطراز العثماني؟ المشاهد العابر سيرى اختلاف جوهري بين العمارة العثمانية بكل تفاصيلها وعمارة جامع درغوت في طرابلس. كذلك الأمر في جامع أحمد باشا القره مانللي بسوق المشير ومدرسة عثمان الساقزلي وجامع قرجي. هي مباني شيدت في العهد العثماني، ولكن لا يعني هذا أنها تحمل معها الطابع المعماري العثماني. هذا من جهة. ومن جهة أخرى هل يعتقد البعض أن العمالة التي شيدت هذه المباني استجلبت من تركيا؟ أم كانت عمالة محلية.
وما يجب معرفته أيضا، أن السلاطين والولاة غالبا ما يهتمون بتشييد بعض المباني العامة والقصور أو البيوت التي تخصهم. أو يعطوا توجيهاتهم بخصوص وضع مخططات لمدن جديدة لتكون مركزا لحكمهم- كما في بغداد المنصور- ولكن طرابلس سابقة لوجودهم فيها بثلاثة آلاف سنة. كذلك الأمر بالنسبة لفترة الاحتلال الإيطالي. يمكننا أن نرى تأثيراتهم في شارع الاستقلال وبعض الشوارع والمناطق المستحدثة في عهدهم. ولكن لا تأثير لهم على العمارة المحلية. فهم احترموا وجودها ولم يبنوا مشاريعهم على انقاضها.

وحتى لا أطيل عليكم، سآخذ مثالا بسيطا على ذلك وهو "التاج القره مانللي". وكلنا يعي جيدا أن العائلة القره مانللية هي نتاج تزاوج بين عائلات تركية وأخرى ليبية. وليس بالضرورة أن تكون طرابلسية. وكلنا يعي جيدا أن هذه العائلة تجذرت في البيئة الليبية على مدى عقود وربما تجاوزت القرن من الزمان، حتى صارت جزءا منها. وبالتالي هم عندما حكموا طرابلس الغرب واستقلوا بها عن الحكم العثماني، كانوا في فعلهم هذا يشعرون بأنهم أبناء لهذا الوطن ووجب عليهم العمل على تحريره من سيطرة الدولة العثمانية.

ليس هذا هو المهم في موضوعنا. بل الأهم منه قصة هذا التاج المسمى بالتاج القره مانللي. هل في اعتقاد أحد، أن من ابتكر شكله المتفرد عن باقي التيجان التي اشتهرت بها الحضارات القديمة، هو احد أبناء هذه الأسرة. أم هو بطبيعة الحال حرفي طرابلسي أو من أي مدينة ليبية أخرى، يمتهن صناعة النحت على الحجر؟
هذا التاج القره مانللي نراه يتوج أغلب البيوت والمساجد والفنادق في مدينة إطرابلس القديمة إلى جانب التاج الحفصي. وهما الاثنان يتوجان غالب المباني التاريخية في تونس.
فهل سنقول أنه من تأثيرات العمارة التونسية؟
وهل رديفه التاج الحفصي هو ابتكار تونسي؟
أم هو أيضا ابتكار حرفي ليبي في زمن الدولة الحفصية؟

لا شك ان هناك تأثيرات متبادلة بيت الحضارات والشعوب والأمم. تمازجت كلها، حتى لم يعد يمكن الفصل بينها أو معرفة من أخذ عن من. ومن أثر في من. ومن نقل عن من. وعندما نقف أمام أحد الشواهد التاريخية في أي بقعة من الأرض سيراودنا إحساس غامر بأن كل الشعوب والحضارات اجتمعت لتصيغ لنا هذه التحفة الخالدة. وتصبح مسؤولية الحفاظ عليها من الضياع مسؤولية كل الأحياء.

أخيراً وليس بآخر:
الإنسان عدو ما يجهله، ستبقى حقيقة دامغة لكل من لا يطلع على تاريخ بلاده. ويثق في قدرته قبل قدرة أجداده على الإتيان بالجديد والإبداع الأصيل في كل مجالات الحياة.
ويكفينا أننا لم نعرف أن الليبيون هم أول من صنع العجلة التي تجرها الخيول. وأنهم أول من بنى الأهرامات وعرفوا التحنيط. وهذا قليل من كثير ضائع. وما كنا لنصدق ذلك لولا أن هذه المعلومات ساقها إلينا علماء الغرب. وكم من علم وصناعة كان لليبيين السبق إليها.


ولكن لا أحد من هذا الجيل أو الذي قبله سعى لحفظ هذه الحقوق. فضاعت بين سارق ومدعي. وجاهل لا يعي. وحاقدٍ حاسدٍ يرجو لها أن تزول وتنهي. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

م/ آمنه العجيلى تنتوش

المقدمة تتوقف الراحة الفسيولوجية للإنسان على الثأتير الشامل لعدة عوامل ومنها العوامل المناخية مثل درجة الحرارة والرطوبة وحركة الهواء والإشعاع الشمسي . وللتهوية داخل المبنى أهمية كبيرة وتعتبر إحدى العناصر الرئيسية في المناخ ونق الانطلاق في تصميم المباني وارتباطها المباشر معها فالتهوية والتبريد الطبيعيين مهمان ودورهما كبير في تخفيف وطأة الحر ودرجات الحرارة الشديدة ، بل هما المخرج الرئيسي لأزمة الاستهلاك في الطاقة إلى حد كبير لأن أزمة الاستهلاك في الطاقة مردها التكييف الميكانيكي والاعتماد عليه كبير والذي نريده فراغات تتفاعل مع هذه المتغيرات المناخية أي نريد أن نلمس نسمة هواء الصيف العليلة تنساب في دورنا ومبانينا ونريد الاستفادة من الهواء وتحريكه داخل بيئتنا المشيدة لإزاحة التراكم الحراري وتعويضه بزخات من التيارات الهوائية المتحركة المنعشة . فكل شي طبيعي عادة جميل وتتقبله النفس وترتاح له فضلا عن مزاياه الوظيفية . وعلى المعماري كمبدأ منطقي عام البدء بتوفير الراحة طبيعياً ومعمارياً كلما أمكن ذلك ومن تم استكملها بالوسائل الصناعية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الراحة مقتصداً في اس…

المعلم/ علي سعيد قانة

موسوعة الفن التشكيلي في ليبيا 1936- 2006





جمال الهمالي اللافي

الفنان التشكيلي" علي سعيد قانة" هو أبرز الفنانين التشكيليين الذين عرفتهم الساحة التشكيلية في ليبيا... انخرط في هذا المجال منذ نحو أربعة عقود. ولد بمدينة طرابلس الموافق 6/6/1936 ف ترعرع في منطقة سيدي سالم (باب البحر) بمدينة طرابلس القديمة.والتحق بأكاديمية الفنون الجميلة بروما- إيطاليا سنة 1957 وتخصص في مجال النحت بمدرسة سان جاكومو للفنون الزخرفية، كما حرص خلال وجوده في روما على دعم قدراته الفنية من خلال دورات تخصصية في مجال الرسم الحر والطباعة والسباكة وبرز في هذه المجالات جميعا.•

التحق عند عودته إلى ارض الوطن بمعهد للمعلمين ( ابن منظور ) للتدريس سنة 1964ف• انتقل للتدريس بكلية التربية جامعة الفاتح سنة1973 ف• انضم إلى كلية الهندسة/ جامعة الفاتح بقسم العمارة والتخطيط العمراني سنة 1974- وتولى تدريس أسس التصميم و الرسم الحر لغاية تقاعده سنة 2001 ف• عمل مستشارا للشئون الفنية بمشروع تنظيم وإدارة المدينة القديمة.


مساهماته الفنية/
اقتنى متحف مدينة باري للفنون بإيطاليا لوحتين من أعماله الفنية.•
شارك في العديد من المعارض الفنية ف…

حول النمط المعماري والهوية المعمارية

صور من المشهد المعماري للمدن الليبية


د. رمضان الطاهر أبو القاسم*

تقديم/ شكلت الهوية عبر التاريخ احد الاحتياجات الرئيسة للإنسان وبتالي لوجوده علي سطح الأرض. في العمارة, استحوذت الهوية علي اهتمامات الكثيرين، غير إن جدل النقاد حول هذه الظاهرة ربط فكرة الهوية العمرانية بالعمارة التقليدية القديمة. ويستند هؤلاء النقاد في ذلك علي إن هذه العمائر التقليدية أظهرت نمطا معماريا متميزا ارتبط بالزمن والمكان الذي ظهر فيه وعكس إمكانيات محدودة للتطوير والتجديد.
الهوية المعمارية يمكن رؤيتها كنتاج معماري لإبداعات فنية، يحاول المعماري والمخطط من خلالها صياغة علاقته بالمحيط والموارد المتاحة وذاكراته ببعده التاريخي والحضاري والبيئي.                                                             خلال القرن العشرين، حاول رواد العمارة الحديثة نبذ الماضي والتنصل منه وتبني نموذج الإنتاج الصناعي المجمّع (mass production) في مقترحاتهم التخطيطية والعمرانية مما تسبب في تجريد أعمالهم المعمارية من كثير من أبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية العريقة وتحميل هذه الأعمال مفاهيم ودلالات رمزية " جديدة " ومحدودة الم…

اللحظة الفاصلة في مستقبل العمارة الليبية المعاصرة

جمال اللافي

حتى هذه اللحظة لم تتحدد بعد رسالة المعماري الليبي بصورة واضحة وجلية.
حتى هذه اللحظة لم يظهر تأثيره على مراكز اتخاذ القرار في كل ما يمس العمارة الليبية المعاصرة.
حتى هذه اللحظة لا تزال العمارة الليبية تشكو من التجاهل وتفتقد هويتها المعمارية والمبررات العلمية لمسارات تصميمها عند غالب المعماريين والمعماريات.
حتى هذه اللحظة لم يقرر المعماري الليبي الخط الذي يجب أن تسير عليه العمارة الليبية ومستقبلها.
حتى هذه اللحظة يعزف غالبهم عن مجرد فتح باب الحوار الجاد ويكتفي ببعض كلمات المجاملة أو عبارات الإطراء عندما يتعلق الأمر بالتعليق على مشاريع تطرح للنقاش والإثراء.
حتى هذه اللحظة لا يقبل المعماري الليبي مجرد طرح فكرة النقد المعماري لما يقدم اليوم من مشاريع إسكانية وسكنية وعامة، لأن ذلك قد يشمله.
حتى هذه اللحظة لا زالت خياراتنا المعمارية رهينة حالة عاطفية وقراراتنا ارتجالية واجتماعاتنا فرصة للترفيه عن النفس من عناء الروتين اليومي، وصفحاتنا المعمارية محطة عابرة يقف عندها للاستراحة، ثم يمضي في حال سبيله لا يلوي على شئ.
حتى هذه اللحظة لم نر ورش عمل جادة ولا ندوات علمية ولا مؤتمرات بحثية تنا…

مدينة غدامس

المهندس/  خالد مصطفي افتيته

مقدمة/ تتميز مدينة غدامس بخصائص المدن الصحراوية بشكل عام .وهي تقع على الحافة الغربية للحماده الحمراء على ارتفاع 360 متر فوق سطح البحر.وهي اقصى مدن الواحات الليبية تطرفا ناحية الغرب و اقصاها أيضاً في اتجاه الشمال وتلتقي عندها حدود ليبيا والجزائر وتونس, ولقربها النسبي من مدن الجبل الغربي والمراكز الحضرية الساحلية الغربية وحجم سكانها الذى وصل إلى حوالى 7750 نسمة سنة 1988 م. فهي تعتبر من الواحات الرئيسية ومركز حضري مهم في الجزء الشمالي الغربي من ليبيا.


تدل الآثار الموجودة بالواحة على تعاقب الحضارات على الموقع الحالي للمدينة فترة ما قبل التاريخ (الجرمنتي) مروراً بالعهد الروماني وحتى فترة العصور الوسطى عندما ضمت الواحة مثل بقية مدن شمال أفريقيا إلى الدولة الإسلامية في منتصف القرن السابع الميلادي. وبعد وقوعها لفترة من الزمن ضمن نفوذ الدولة العثمانية, مرت بها تجربة الاستعمار الأوروبي الحديث (الايطالي والفرنسي) الذى استمر حتى منتصف القرن الحالي.
مدينة غدامس القديمة من الأمثلة القليلة الباقية في ليبيا التي تعتبر نموذجاً للمدينة الإسلامية التقليدية والتي قاومت الزمن محتفظ…

مشاريع معمارية

" بيوت الحضر" رؤ ية معاصرة للمسكن الطرابلسي التقليدي

تصميم وعرض/ جمال الهمالي اللافي
في هذا العرض نقدم محاولة لا زالت قيد الدراسة، لثلاثة نماذج سكنية تستلهم من البيت الطرابلسي التقليدي قيمه الفكرية والاجتماعية والمعمارية والجمالية، والتي اعتمدت على مراعاة عدة اعتبارات اهتم بها البيت التقليدي وتميزت بها مدينة طرابلس القديمة شأنها في ذلك شأن كل المدن العربية والإسلامية التقليدية وهي: ·الاعتبار المناخي. ·الاعتبار الاجتماعي ( الخصوصية السمعية والبصرية/ الفصل بين الرجال والنساء). ·اعتبارات الهوية الإسلامية والثقافة المحلية.
أولا/ الاعتبار المناخي: تم مراعاة هذا الاعتبار من خلال إعادة صياغة لعلاقة الكتلة بمساحة الأرض المخصصة للبناء، بحيث تمتد هذه الكتلة على كامل المساحة بما فيها الشارع، والاعتماد على فكرة اتجاه المبنى إلى الداخل، وانفتاحه على الأفنية الداخلية، دون اعتبار لفكرة الردود التي تفرضها قوانين المباني المعتمدة كشرط من شروط البناء( التي تتنافى شروطها مع عوامل المناخ السائد في منطقتنا). وتعتبر فكرة الكتل المتلاصقة معالجة مناخية تقليدية، أصبح الساكن أحوج إليها من ذي قبل بعد الاستغناء…

البيئة والعمارة المحلية

دراسة تحليلية لمدينة درنة القديمة


م. غادة خالد الماجري

مقدمة/ اهتم الانسان منذ بدأ الخليفة بأعداد المكان الذي يوفر له الحماية من الظروف المناخية المتقلبة المحيطة به كمحاولة منه لخلق البيئة المحدودة الملائمة لتأدية كافة نشاطاته وقد تطورت هذه المحاولات من البدائية التلقائية وتقليد الطبيعة الي التعايش وتفهم الظواهر المناخية المحيطة ومحاولة التكيف معها باستخدام مواد البناء المتاحة بعد التعرف علي خصائصها وايضاً باستخدام وسائل واساليب بسيطة لا دخل للآلة او الطاقة الصناعية فيها تعالج الظروف المناخية طبيعياً لخلق الجو الملائم في الفراغ الداخلي . وفي هذه الدراسة سنتطرق الي تأثير العوامل البيئة الحضارية في تكوين النسيج الحضري في مدينة درنة والاساليب التي اتبعها الانسان الدرناوي للتكيف مع الظروف البيئية والمناخية لمدينة درنة. لمحه عن مدينة درنة/ موقعها وتسميتها / الموقع الجغرافي :
تقع مدينه درنة علي شاطئ البحر الابيض المتوسط وعلي خط عرض 32 شمالاً وخط طول 22 شرقاً يحدها شمالاً البحر المتوسط وجنوباً الجبل الاخضر ويمتد الطريق البري الساحلي ليربطها ببقية مناطق اقليم الجبل الاخضر من الشرق والغرب . شكل ( 1 ) م…

الرمزية والعمارة

د. رمضان أبو القاسم*
تقديم/ شكلت الرمزية ركنا أساسيا من أركان تطور الفكر والعمل المعماري. فمن المعروف أن العمارة هي تعبير عن رد فعل الإنسان تجاه محيطه. كما أن العمل المعماري يعتبر وسيلة تعبيرية تحمل جملة من الرموز والمصطلحات متعددة المعاني. المعماري رمنذ القدم عرف هذا وحاول تطويع مختلف التصاميم المعماري ليجعل لها معنى وهوية محددة، وذلك من خلال ما تحوي هذه التصاميم من عناصر ومؤشرات رمزية. غيرأن الملاحظ لكثير من الأعمال المعاصرة يمكنه استنتاج فقر هذه الأعمال من مدلولاتها الرمزية، وبات من السهل عدم التميز بين عمل معماري في الشرق وآخر ظهر في بقعة جغرافية مغايرة.
في هذه الورقة هناك محاولة لتسليط الضوء على الرمز والرمزية وعلاقتهما بالعمل المعماري. الغرض من ذلك فهم هذه الأفكار وإبراز مدى أهميتها للعمارة بهدف الوصول إلى جملة من التوصيات التي يمكن استخدامها في إثراء الأعمال المعمارية، أملا في الرفع من مستوى البيئةالمعيشية وتأكيد هوية معمارية مميزة.
الطريقة التي اتبعت في البحث تتلخص في ثلاثة محاور:- المحور الأول استهدف مناقشة معنى الرمز والرمزية. المحور الثاني شمل انعكاس الرمزية على العمل المعماري،…

حول النقد المعماري

د. رمضان الطاهر أبوألقاسم استاذ قسم العمارة و التخطيط العمراني
“A judgment that something is beautiful does not result from evaluation, but from a deliberation and inner reasoning that stem from our soul; this manifest itself in the fact that there is no one who could look at thing which are ugly and poorly constructed without feeling unpleasantness and repulsion.” (Alberti, L., B., Book IX, 5,337)
النقد المعماري/ النقد المعماري نشاط حيوي للمعماري من الصعب له الاستغناء عليه.يمكن تعريف النقد المعماري بأنه وسيلة للتعبير الذاتي حول البيئة المحيطة " ما يجب أن تكون عليه العمارة". هذا التعبير يمكن أن يتحقق بتقديم نظرية صالحة للتصميم المعماري أو اقتراح مجموعة أسس"لتقييم" قيمة عمل معماري.النقد يعتمد على قدرةالناقد على التمييز و الطريقة التي يستخدمها في النقدالنقد يتأثر بالزمن والمكان والطريقة المستخدمة و الثقافة.النقد إشكالية نسبية وليست مطلقة في كثير من الأحيان. تاريخيا ارتبط النقد بما هو جميل أو قبيح. و جميل أو قبيح قد يكون نسبيا. كي يك…

الفن التشكيلي الشعبي بين الحداثة و الاصالة

د. عياد هاشم*

      تأتي الفنون الشعبية التشكيلية على قمة الماثورات الشعبية ممارسة وأصالة و تتمتع بطابع فني خاص يعكس حياة الناس و تتصف بالعراقة فهي ترديد لعادات و تقاليد متوارثة تعبر بوضوح و صدق عن ثقافة معينة تحدد معالم الشخصية الحضارية لكل مجتمع.
بدأ الاهتمام بالفنون الشعبية أوالمأثورات الشعبية كما يسميها الكثيرون في أواخر القرن التاسع عشر كمصطلح انجليزي استخدمه لاول مرة عالم الاثريات الانجليزي ( سيرجون وليام تومز ) ( 1803 – 1885م ) و ذلك في يوم 22 من شهر  أغسطس  من عام 1846م امتدادت للجهود العلمية التي سبقته في كل من انجلترا نفسها و المانيا و فنلندا و لقد ظهر هذا المصطلح ( فولك – لور ) بعد ذلك و هو بمعنى ( حكمة الشعب ومأثوراته ) و يطلق على كل موضوع من ابداعات الشعب المختلفة. وأصبح هذا الفن تعبيرا مباشرا بالصدق و يجمع في مادته خبرات ثقافية موروثة وتجربة حية معيشة بوسائل تعبير مختلفة.
في تراثنا العربي ظهرت مواد المأثورات الشعبية بشكل واضح في القرن الثامن و أهم يميزها قدرتها على الاستمرار في عملية الابتكار والإبداع في تتابع الاجيال، ويتحول الموروث الثقافي إلى مأثور ثقافي حي في تواصل أيضا…