أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2026

متى تحظى العمارة بالجماهيرية؟


جمال الهمالي اللافي

    متى ترتقي العمارة في وجدان مجتمعنا لتنافس أشهر الأغاني، وتأخذ مكانة كرة القدم، وتستحوذ على اهتمام الشارع كما تفعل الأفلام؟

    لقد أصبحت العمارة اليوم في واقعنا المحلّي من أكثر المجالات الإبداعية انزواءً وركوناً في زوايا الإهمال. يُتعامل معها كتحصيل حاصل لمن أراد أن يبني، فيراها الجائع كوجبة إفطار أو غداء: يأتيها بلهفة واضطرار لسد جوعه العمراني، فلا يهمه كيف قُدّمت، ولا ماذا تحوي، وهل سيعقبها مغصٌ وإسهال أم ستمرّ بسلام! أما الشبعان، فلا ينظر إلى هذه الوجبة ولا يعيرها أي اهتمام؛ لأنها قُدّمت بلا روح ولا طعم يستفز ذائقته.

    لماذا لا تقترب العمارة من اهتمامات الناس في الشارع؟ فيتحدثون عن مبنى جديد شُيّد هنا أو هناك، ويذهبون لمشاهدته، ويتنافسون في تقييمه بين معجب ومنتقد؟ وتتكلم الصحافة والإعلام عمن صممه وشيّده، وتظهر صورهم أمام المبنى، وتتزاحم الكاميرات عليهم لتفوز بسبق الحديث معهم؟

    متى يقف "عالم العمارة" شامخاً ومنتظماً على منصة الإبداع بجانب عوالم السينما والغناء والرياضة؟

    متى نعيش مشهداً شبيهاً بليالي الأوسكار أو "السعفة الذهبية"، حين تتجه أنظار الليبيين إلى خشبة المهرجان، وتُسلط الأضواء على فريق العمل المعماري كاملاً؟ يتصرفون كنجوم حقيقيين ببدلاتهم الرسمية الأنيقة بعد أن خلعوا بدلات الشغل والغبار في الموقع؛ فيقف المعماري بجوار مهندس الإنشاء، ومصمم الإضاءة، وشيخ الحرفيين والبنائين، ليتحدث كل واحد منهم أمام الصحافة الجماهيرية بفخرٍ عن دوره الإبداعي في غزل هذا المنشأ: كيف طوعوا الضوء، وكيف روضوا المادة، وكيف خُلق هذا الفضاء الإنساني الساحر!

    والقضية ليست قصة "اعتياد وألفة" كما يظن البعض؛ فالناس محاطون بالموسيقى والأغاني، والمحطات تذيع المباريات والبطولات على مدار الساعة، والجميع يشاهد الأفلام دون أن تفقد هذه المجالات بريقها أو شغف الناس بها وانتظارهم بشوق كل جديد.

    الفارق الحقيقي والخطير يكمن في وجود حالة إبداعية تستقطب انتباه الجماهير إليها في جانب، مقابل حالة تعكس انهيار الإبداع وتغليب النشاز في الجانب العمراني، مما صرف عنها الأنظار، فلا الناس ولا الإعلام باتوا ينتبهون لها!

    إن سر جماهيرية الأغنية وفريق كرة القدم والفيلم يكمن في الحرص على تقديم عمل إبداعي يخلص فيه فريق العمل كله لإنجاحه. هناك شعور صادق لدى كل عضو بمسؤوليته الكاملة عن تقديم أقصى طاقته الإبداعية، فتنشأ حالة من تضافر الجهود والانسجام والتواصل وتقبل الملاحظات والأفكار من أجل الهدف الأسمى.

    في حين يغيب كل ذلك عن وسطنا العمراني والمهندسين بمختلف تخصصاتهم الهندسية والفنية! فتظهر النتيجة النهائية للمشروع لا كحالة إبداعية تُبهج الروح، بل كحالة تفصح عن تشرذم فريق العمل، وتنافر أدواته، وغياب روح الإخلاص في الخروج بعمل محترم. أصبح كل طرف في الفريق يهمه الكسب المالي السريع قبل نجاح العمل، فيؤديه بطريقة روتينية جافة خالية من أي روح.

    لقد فقدت العمارة ثقلها وصارت "أخف" من مباراة برغم ثقل خرساناتها التي شيدت بها، وأقصر طولاً من شريط سينمائي ملحمي رغم مناطحتها للسحاب، وأقل من سهرة غنائية في اختطاف مشاعر الجماهير والحوز على تصفيقهم، بل إنها لم تنل شهرة ترند عابر يستحوذ على عقول المتابعين!

    والواجب اليوم لا يبدأ من الدولة ولا من الشارع، بل يفرض على المنظومة المعمارية بكافة تخصصاتها أن تستعيد روح الإبداع والإخلاص أولاً، وتنهي حالة التشرذم والركض وراء الكسب السريع، حتى يُصنع المنتج العمراني بحس إبداعي متكامل؛ حينها فقط تفرض العمارة هيبتها، وينزل الإبداع إلى الشارع ليتحول العمران إلى موقف جماهيري حاشد، يترقب الناس جديده، ويتنافسون في تذوقه ونقده، ويحتفون بصنّاعه كنجوم يُشار إليهم بالبنان.

    وهنا تبدأ حكايتنا جميعاً؛ مواطناً ومستثمراً ودولة. فنحن جميعاً المنتفعون بجمال هذا العمران حين يزهر، ونحن المتضررون الأوائل حين يمرض ويُمرضنا معه! إننا نغفل أحياناً حين نسلم أقدار بيوتنا ومدننا لمن لا يدرك قيمتها، ونكتفي بقبول ما يُقدم لنا باضطرار الجائع، دون أن ننتبه للوجع البصري والنفسي الذي سيعيش معنا ومع أبنائنا طويلاً.

    إننا ندقق في كل تفصيل عابر في حياتنا، لكننا نمرّ باستسهال عجيب أمام المكان الذي نتنفس فيه عمرنا كله! وحين تتوقف مؤسساتنا عن رعاية الرداءة، وحين نرفع جميعاً سقف ذائقتنا ونرفض الاستهانة بعقولنا وأموالنا، حينها فقط سنجبر الوسط العمراني على الاستيقاظ من ركضه السريع، ولن تعود خرساناتنا مجرد جدران صماء تعزلنا عن الحياة، بل حالة جمالية حية تُشبهنا، وتليق بكرامة عيشنا على هذه الأرض.

    إن هذا النص لا يطرح مجرد تساؤلٍ عابر، بل يطلق صرخة نقدية وفلسفية تشخص جرحاً غائراً في ثقافة مجتمعنا المعاصر: إنه يبحث في سبب عزلة العمارة عن روح الشارع، ويسائل غياب "الجماهيرية" عن الفن الأقرب والأكثر ملاصقة لحياتنا يومياً.. لعل العمران يستعيد نبضه، ونعود لنرى في جدراننا مرآة تشبه أرواحنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...