أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الاثنين، يناير 19، 2026

العمالة الفنية بين الانضباط والعبث: قراءة في أثرها على العمارة الليبية

  


جمال الهمالي اللافي

العمارة ليست مجرد جدران تُبنى ولا مخططات تُنفذ، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الرؤية الفكرية وتنتهي عند تفاصيل التنفيذ. وفي هذه المنظومة، تظل مسألة العمالة الفنية إحدى أكثر القضايا حساسية، لأنها تمثل الجسر بين الفكرة المرسومة على الورق والواقع الملموس في المدينة.

لقد اخترت أن أكتفي بدوري كمعماري في التصميم والإشراف على التنفيذ والتشطيب والتأثيث، تاركاً جانب المقاولات واستجلاب العمالة خارج نطاق عملي. هذا القرار لم يكن اعتباطياً، بل جاء بعد خيبة أمل في تجارب مع مقاولين ليبيين سعيت من خلالها إلى إعادة الاعتبار للمقاول المحلي، لكن النتائج لم ترتقِ إلى مستوى الرؤية التي أطمح إليها.

من هنا، أصبحت مرحلة التصميم بالنسبة لي أكثر من مجرد رسم هندسي؛ إنها لحظة استباقية أضع فيها كل الاحتمالات التي قد تواجه المشروع، بالتنسيق مع الاختصاصات الهندسية والتصميمية، حتى لا يترك التنفيذ رهينة الصدفة أو الارتجال.

أما المفاضلة بين العمالة المغاربية والمصرية، فهي ليست حكماً مسبقاً، بل خلاصة تجارب ميدانية يعرفها كل من خاض تجربة بناء بيته أو مشروعه. فقد تميزت العمالة المغربية والجزائرية، ثم التونسية، بأخلاقيات الحرفة والانضباط السلوكي، وهي سمات افتقدتها العمالة المصرية في الظروف الحالية التي تمر بها البلاد. هذه ليست أحكاماً مطلقة، بل انعكاس لواقع خبرة متكررة في السوق الليبي.

ومع ذلك، لا أملك عمالة خاصة بي، لا مغاربية ولا مصرية، لأن عملي يقتصر على التصميم والإشراف. ما أحرص عليه هو أن تكون التصاميم التي أقدّمها مستوفية للدراسة من جميع الجوانب: الكلفة الاقتصادية، الهوية المعمارية، كفاءة الوظائف الفراغية، والحماية البيئية. هذه الاعتبارات تُدرج منذ مرحلة التصميم، بالتنسيق مع الاختصاصات الهندسية، قبل أن يبدأ التنفيذ. لذلك قد تتخلل المشاريع فترات توقف طبيعية، هدفها ضمان جودة التنفيذ لا تعطيله. هذا التوجه قد لا يلقى قبولاً واسعاً لدى بعض المقاولين والعمالة الباحثة عن سرعة الإنجاز والانتقال من مشروع إلى آخر، لكنه بالنسبة لي شرط أساسي لحماية العمارة من الرداءة ومنحها صفة الديمومة.

إن رفضي لبعض العمالة ليس تجنياً عليها ولا محاباة لغيرها، بل إقرار بواقع خبرة ممارسة ميدانية. فالعمارة الليبية اليوم لا تحتاج فقط إلى تصاميم أصيلة تستمد هويتها من جذورنا، بل إلى منظومة تنفيذية تحترم أخلاقيات الحرفة وتلتزم بالانضباط. الفارق بين الجودة والرداءة، وبين الانضباط والعبث، هو ما يحدد مصير أي مشروع معماري.

السبت، يناير 17، 2026

من خديعة الدوبلكس إلى اغتراب الخليجي: رحلة التيه في المعمار الليبي

 قراءة في انكسار الهوية المعمارية بين استيراد الأنماط وعشوائية الرؤية


جمال الهمالي اللافي

إن البيت الذي نعتزم توريثه للأحفاد اليوم ليس "البيت الليبي"، بل هو "الهجين الخليجي" الذي استوطن رغباتنا قسراً. نحن اليوم نكرر خطيئة "الدوبلكس" الذي وُلد غريباً ومات مشوهاً؛ تلك المرحلة التي استمرأت الفوضى كسياسة لتدمير الذات وتغريب الهوية المعمارية.

أولاً: جرد الحساب.. من سطوة "الوافد" إلى "خطيئة الدوبلكس"

في السبعينيات، سقطنا في فخ "الدوبلكس". ذلك النموذج الذي جاءنا محمولاً على أكتاف المقاولين السوريين و"المساحين" المتطفلين، ليفرض شفراته الخرسانية وسلالمه الخارجية كعنصر هجومي على واجهات مدننا. لقد كان الدوبلكس أول إعلان عن انحسار القيمة الفكرية للمعماري الليبي أمام سطوة "المقاول الدخيل".

تأملوا بقاياه اليوم في شوارع طرابلس؛ جثث خرسانية صماء مغطاة بطلاء "الجرافيكي" الخشن وألوانه القاتمة التي لا تمنح العين راحة ولا تعكس ضياء شمسنا المتوسطية. هذه الواجهات لم تكن تصميماً، بل كانت "ساتراً" يفصل الإنسان عن بيئته. لقد كان "الأسطى" الوافد يصبُّ غربته في قوالب خشبية، بينما يدفع المواطن الثمن ظناً منه أنه يواكب العصر، لينتهي الأمر بجرافات "الكاشيك" وهي تلتهم تلك الكتل لأنها لم تمتلك يوماً مقومات البقاء أو احترام المناخ.

ثانياً: تكرار المأساة.. الهوس الخليجي وانحسار الذات

اليوم، يعاد إنتاج المسرحية بذات الفصول وبأبطال جدد، حيث يتكرر المشهد بصورة أكثر قسوة عبر "النمط الخليجي" الذي يغزو الاستثمار العقاري وذائقة المرأة الليبية. إنه "آخر انحسار للذات"، حيث نهرب من هويتنا لنستعير هوية أخرى لا تتناسب مع جغرافيتنا ولا اجتماعنا.

·     انحسار "الأسطى" وفقدان سر الصنعة: تحول مفهوم "الأسطى" اليوم إلى عمالة وافدة تفتقر للتقييم والمحاسبة، مما حول البيت من "كيان روحي" إلى "منتج عقاري".

·     عَمَه الرؤية والحصار: إن غلق المنافذ أمام الكفاءات المغاربية وغياب المنافسة الوطنية خلق حالة من التبعية لنمط يُروّج له كدليل رفاهية، بينما هو في العمق تصدع فكري يعمق ضياع البوصلة.

·     البيت كمختبر للقدر: وفق رؤيتنا الفلسفية، فإن الأرض هي مختبر تُصاغ فيه المصائر. فإذا كان "الأسطى" الليبي القديم يبني بفطرته المرتبطة بالأرض، فإنه كان يضع لبنة في سجل مدننا الخالد. أما اليوم، فبات البناء مجرد "تكرار للغش" المقنن، مما يجعل بيوتنا تفتقر للرتبة الروحية التي تؤهلها لتكون جزءاً من "التوسع" المعماري في السماء.

ثالثاً: أسئلة معلقة للمعماري الليبي

أوجه سؤالي لزملائي المعماريين: هل تعتقدون أن هذه التصاميم التي تُنسخ من شاشات الإنترنت لترضي ذوقاً عاماً مشوشاً ستصمد أمام اختبار الزمن؟

·         لماذا نجح جيل الثمانينيات والتسعينيات في استعادة بعض الهيبة للمعماري، بينما يتراجع جيل اليوم أمام سطوة "المستثمر" و"الذوق المستورد"؟

·         أين هي "البصمة الليبية" التي تتجاوز الشكل لتصل إلى كفاءة وظيفية ومناخية تعكس ثقافتنا الأصيلة؟

إن البيوت التي لا تُبنى بوعي معماري يربط الأرض بالسماء، والداخل بالخارج، هي بيوت مؤقتة مهما بلغت تكلفة خرسانتها.

الخلاصة: نحو صحوة الهوية

إن هذه المقالة هي صرخة لإيقاظ الوعي؛ فالمعمار هو "سجل المدن" الخالد، وبناء بيوت لا تشبهنا هو بناءٌ لسجل الاغتراب لا الأصالة.

حان الوقت لنعيد الاعتبار لـ "الأسطى الليبي" وللمعماري المثقف، لنبني بيتاً يليق بأحفادنا؛ بيتاً جذوره في ترابنا وسقفه يعانق هويتنا الثقافية. فالبيت الذي لا يملك القدرة على التحول إلى "بيت جد" تحتضنه الذاكرة، لا يستحق عناء البناء. يا أخي المعماري، كن حارساً للذاكرة ولا تكن مجرد صدى لأنماط ستسحقها جرافات التاريخ غداً.

الجمعة، يناير 16، 2026

الإضاءة والهوية: كيف يستعيد البيت الليبي روحه عبر تفاصيل الضوء

هذه إعادة رسم لفانوس وجدته على سطح أحد المساجد التقليدية التاريخية.
الأصل فُقد في أحد الورش التي توقعت أنها ستقوم بتنفيذ نماذج أخرى منه.


جمال الهمالي اللافي

مقدمة

في زمن تتسارع فيه موجات الاستيراد وتغزو الأسواق منتجات بلا ذاكرة، تظل الإضاءة في البيت الليبي المعاصر أكثر من مجرد وظيفة تقنية. إنها عنصر معماري وثقافي يعكس الهوية، ويعيد للبيت روحه حين تُصنع بأيدٍ ليبية أو بأيدٍ من الجوار الثقافي القريب. هذه المقالة تناقش كيف يمكن للإضاءة أن تتحول من سلعة إلى مشروع حضاري، يربط بين المعمار والهوية، بين الحرفيين والمعماريين، وبين الربح المعنوي والاقتصادي.

الإضاءة كعنصر معماري

الإضاءة ليست تفصيلاً ثانوياً في العمارة، بل هي لغة بصرية تحدد علاقة الإنسان بالفراغ. توزيع المصابيح والفوانيس والثريات داخل البيت يخلق إيقاعاً جمالياً، ويؤثر في إدراك المساحات، ويعزز الانسجام بين الأثاث والمواد الأخرى. البيت الذي تُوزع فيه الإضاءة بعناية يصبح أكثر دفئاً وحميمية، بينما البيت الذي تُركّب فيه قطع متنافرة أو مستوردة بلا رؤية يفقد تماسكه البصري. لذلك فإن التفكير في الإضاءة يجب أن يكون جزءاً من التصميم المعماري منذ البداية، لا مجرد إضافة لاحقة.

البعد الثقافي والهوية

الإضاءة ليست مجرد مصابيح تُعلّق في السقف أو فوانيس تُثبت على الجدران، بل هي ذاكرة مضيئة تحمل ملامح المكان. حين يصنع الحرفي الليبي فانوساً من النحاس أو ثريات من الزجاج الملوّن، فإنه لا يقدّم قطعة إنارة فحسب، بل يكتب سطراً جديداً في كتاب الهوية المعمارية. هذه القطع الصغيرة تستحضر تاريخ الأسواق القديمة في طرابلس وبنغازي ودرنة، حيث كانت الحرف اليدوية جزءاً من الحياة اليومية. وعندما نفتح الباب أمام الحرفيين المغاربيين والمتوسطيين، فإننا نضيف طبقات من التاريخ المشترك، دون أن نفقد خصوصيتنا الليبية.

البعد الاقتصادي والاجتماعي

البيت الذي يضيء بفانوس محلي الصنع لا يضيء فراغاته فقط، بل يضيء حياة صانعه أيضاً. تصنيع الإضاءة محلياً يعني فرص عمل جديدة، يعني أن الشاب الذي تعلم طرق تشكيل المعدن أو الزجاج يجد مكاناً له في السوق، ويعني أن الاقتصاد الوطني يربح من دورة إنتاجية متكاملة. الربح المعنوي هنا هو الأساس: أن يشعر المجتمع بأن بيته يعكس هويته. ومن هذا الربح المعنوي يولد الربح المادي كنتيجة طبيعية، إذ تتحول الصناعة المحلية إلى قطاع قادر على المنافسة، ويصبح البيت الليبي نموذجاً يُحتذى في الجمع بين الأصالة والحداثة.

الإضاءة والروح المعمارية

الروح لا تُشترى ولا تُستورد. هي التي تجعل من ثريا معلقة في غرفة الجلوس أكثر من مجرد مصدر ضوء، وتجعل من فانوس في مدخل البيت علامة ترحيب تحمل دفء المكان. هذه الروح تنبع من التفاصيل التي تُصنع بأيدٍ تحمل ذاكرة ليبيا، من الحرفيين الذين يضعون جزءاً من حياتهم في كل قطعة. البيت الذي يكتفي بالاستيراد قد يكون أنيقاً، لكنه يظل بلا ذاكرة. أما البيت الذي تُصاغ تفاصيله بروح محلية، فإنه يصبح بيتاً نابضاً بالحياة، بيتاً يروي قصة أهله ومجتمعه.

دعوة عملية

إننا أمام فرصة لإطلاق مشروع حضاري مشترك:

  • المعماريون: أن يدمجوا الإضاءة المحلية في مشاريعهم منذ مرحلة التصميم، لتكون جزءاً من هوية البيت لا مجرد إضافة لاحقة.
  • التجار: أن يمنحوا المنتجات المحلية مساحة في السوق، وأن يعرضوها بجانب المستورد، ليصبح الاختيار متاحاً للجمهور.
  • الجمهور: أن يقدّر قيمة الإضاءة المحلية، وأن يختارها باعتبارها جزءاً من هويته، لا مجرد سلعة.

خاتمة

    الإضاءة في البيت الليبي المعاصر ليست مجرد وظيفة تقنية، بل هي مشروع حضاري يعيد للبيت روحه ويمنح المجتمع هويته. حين نستعيد هذه الهوية في تفاصيل البيت، من الإضاءة إلى الأثاث والنباتات، نحقق الربح المعنوي الذي يسمو بنا جميعاً، ويأتي الربح المادي كنتيجة طبيعية. البيت الليبي يحتاج إلى ضوء يصنعه أبناؤه، ضوء يحمل ذاكرة المكان ويعيد للمعمار أصالته.

الخميس، يناير 15، 2026

روح المكان بين الذاكرة والاغتراب: قراءة نقدية في المشهد العمراني الليبي

 


جمال الهمالي اللافي

 

المقدمة

تُعد العمارة انعكاسًا مباشرًا للهوية الجمعية والذاكرة التاريخية، وهي ليست مجرد مبانٍ أو فراغات عمرانية، بل مشروع وجودي يحدد علاقة الإنسان بمكانه ومجتمعه. في السياق الليبي، شهدت المدن بعد الاستقلال تحولات جذرية اتسمت بغياب التخطيط، هدم المعالم التاريخية، وظهور أنماط معمارية بلا هوية، ما أدى إلى أزمة عميقة في علاقة المواطن بمكانه.

فقدان الذاكرة المعمارية

لم تُصنع للأماكن التي توسّعت بعد الاستقلال تفاصيل معمارية أو ملامح تخطيطية تمنحها روحًا خاصة. بل جرى هدم مدن تاريخية وتشويه ما تبقى من معالمها، مما أفرغ الإنسان الليبي من ذاكرته الجمعية. هذا الفراغ العمراني انعكس على الهوية، حيث وجد المواطن نفسه في فضاء بلا ذاكرة ولا ملامح، ما عمّق شعوره بالاغتراب.

السياسات الممنهجة وإذلال المواطن

لم تقتصر السياسات على المعمار، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية:

  • التدريب العسكري الإلزامي: أداة لإذلال الطلاب بدلًا من تأهيلهم كمواطنين قادرين على حماية وطنهم.
  • إلغاء الأسواق الحرة: فرض نمط استهلاكي يقوم على الطوابير الطويلة وسلع رديئة الجودة.
  • السيارات كمثال اقتصادي: تحولت من رمز حرية فردية إلى أداة إذلال، حيث دفع المواطن أضعاف ثمنها وانتظر سنوات للحصول عليها.

هذه الممارسات تكشف أن إذلال المواطن كان سياسة ممنهجة، انعكست على كل تفاصيل حياته، بما في ذلك العمارة.

العمارة اللاشيئية

في تلك الفترة، لم تكن العمارة مغتربة بالمعنى الغربي، بل كانت بلا ملامح، يمكن وصفها بـ"العمارة اللاشيئية". نماذج مثل الدوبلكسات ذات الطلاء الرمادي الجرافيتي الخشن جسّدت فراغًا بصريًا ونفسيًا، حيث تحولت المدن إلى فضاءات صامتة لا تقول شيئًا، لكنها تفعل فعلها في النفس عبر تكريس الشعور بالهشاشة والاغتراب.

العمارة المغتربة

مع منتصف العشرية الثانية من الألفية، ظهرت محاولات لتقليد أنماط الحداثة وما بعدها. هذه العمارة لم تنبع من سياق محلي، بل كانت محاولة للتشبّث بصورة خارجية ترمز إلى القوة والوضوح، أشبه بمحاولة المستضعف أن يتشبّت بيد قوية يظن أنها قادرة على إنقاذه. غير أن هذه اليد كانت امتدادًا للطغمة نفسها التي صنعت معاناته، فبدلاً من معالجة الأزمة، عمّقت الاغتراب ورسّخت التبعية.

تشخيص الجرح

الأزمة ليست شكلية، بل جرح عميق في جسد الوطن. العمارة اللاشيئية والمغتربة هي أعراض لسياسة ممنهجة استهدفت الذاكرة المعمارية، العضو الذي يحفظ هوية المجتمع ويربط المواطن بماضيه. فقدان هذا العضو أدخل الوطن في حالة "الموات السريري"، حيث فقد المواطن مرآته التي يرى فيها ذاته.

البعد التخطيطي

غياب التخطيط العمراني لم يكن مجرد إهمال، بل سياسة لإفراغ المدن من وظيفتها كفضاء منظم للحياة المشتركة. التخطيط هو "العقل" الذي ينسّق بين الإنسان والمكان، وغيابه يعكس غياب المشروع الوطني.

الأثر الاجتماعي

الفوضى المعمارية والعشوائيات لم تؤثر فقط على المشهد البصري، بل أنتجت أنماطًا اجتماعية مرتبطة بالانعزال، ضعف الروابط المجتمعية، وانهيار المجال العام الذي يجمع الناس. المكان فقد وظيفته كحاضن للتفاعل، فتحوّل إلى فضاء يكرّس الانقسام والاغتراب.

الاقتصاد السياسي

العمارة اللاشيئية والمغتربة كانت انعكاسًا لاقتصاد موجّه قائم على السيطرة لا على التنمية. المباني بلا هوية لم تكن مجرد فراغ بصري، بل جزءًا من منظومة أوسع لإلغاء الفرد والمجتمع، حيث تحولت العمارة إلى أداة سياسية لإدامة التبعية وإلغاء الكرامة.

قرار العلاج

  • الإخاطة (الإصلاح الجزئي): ترميم بعض المباني، تحسين التخطيط، إدخال عناصر هوية في المشاريع الجديدة.
  • البتر (إزالة السبب): إنهاء السياسات التي تفرغ العمارة من معناها، وإعادة تأسيس علاقة جديدة بين المواطن والمكان تقوم على احترام الذاكرة والهوية.

أفق المستقبل

استعادة روح المكان ليست مشروعًا معماريًا فحسب، بل مشروع وطني شامل يبدأ من الاعتراف بالجرح، ثم إعادة بناء علاقة الإنسان بذاكرته ومحيطه عبر سياسات جديدة تعيد الاعتبار للتخطيط، للذاكرة، وللإنسان نفسه. عندها فقط يمكن أن يستعيد المكان روحه، ويستعيد الإنسان ذاته، ويخرج الوطن من حالة الموات السريري.

الأربعاء، يناير 14، 2026

غياب المعلم الملهم… حين يُجبر التلميذ أن يكون معلم نفسه


جمال الهمالي اللافي


المقدمة

    التعليم ليس أوراق اعتماد ولا سنوات على مقاعد الدراسة، بل هو فعل وجودي غايته تكوين الإنسان القادر على الفهم والممارسة والإبداع. هذه الغاية لا تتحقق إلا حين تُبنى العملية التعليمية على أيدي أصحاب الخبرة العملية، فهم الأصل الذي تنبثق منه الممارسة التعليمية الحقيقية. أما حين تُوكل منابر التعليم إلى من يفتقرون لأصول المهنة وأدواتها، ويحتلون مواقع التدريس فقط لأنهم يحملون شهادات نظرية تُسمى عليا، فإن ما يحدث لا يمثل أي صلة بالتعليم، بل يتحول إلى مناهج عقيمة تسرق أعمار المتعلمين وتُخرّج جاهلين لا مؤهلين.

من المعلم الوظيفي إلى المعلم الملهم: جوهر الفارق في العملية التعليمية

    البعض يفترض أنه من البداهة أن يكون لكل متعلم معلمٌ ملهم تتلمذ على يديه في مجاله، ويرى من الغرابة أو حتى من الغرور أن يُنكر وجوده في مسيرته. غير أن هذا الافتراض يحتاج إلى مراجعة، لأنه يعكس ثقافة اجتماعية أكثر مما يعكس حقيقة تعليمية.

    في مسار العملية التعليمية التخصصية، هناك معلمون يؤدون وظيفة التعليم كارتزاق أو كمطلب اجتماعي، لا يشغلهم سوى أن تسير الأمور على هواهم. لا يلتفتون إلى تنوع المهارات، ولا إلى اختلاف أساليب التلقي عند تلاميذهم، ولا إلى فوارق التميز بينهم. وفي النهاية، لا يبالون بطبيعة المنهج الذي يلقنونه ولا بعلاقته بالواقع المحلي، ولا بالنتائج العملية التي تترتب على أساليب تدريسهم.

    أما المعلم الملهم، فهو مسألة مختلفة تماماً، تستحق الوقوف عندها للتعرف على صفاته ومقوماته ومناهجه ومنجزاته الفكرية والعملية. المعلم الملهم هو من:

  • يربط المعرفة بالواقع المحلي ويجعلها جزءاً من حياة المتعلم لا مجرد مادة نظرية.
  • يحترم اختلافات المتعلمين ويعاملها كفرص للتنوع والإثراء لا كعوائق.
  • يشعل الفضول ويحوّل الدرس إلى تجربة وجودية، يتجاوز بها حدود التلقين إلى فضاء الإبداع.

    غياب هذا المعلم يفرض على التلميذ أن يتحول إلى معلم نفسه، فيبحث ويجرب ويعيد صياغة معرفته عبر الممارسة المباشرة. هنا تصبح التجربة العملية هي المعلم الأصدق، لأنها تضع الطالب أمام مواجهة مباشرة مع الواقع، مع الأخطاء والنجاحات، وتجعله يبني خبرته الخاصة من معترك التجارب.

    ويجب أن يُقال بوضوح إن غياب المعلم صاحب الخبرة العملية والممارسة التطبيقية عن المؤسسات التعليمية، وغياب الجانب التطبيقي عن المناهج، هو ما أفرز غياب المعلم الملهم. فالمؤسسات التي تكتفي بالتلقين النظري وتُهمل التجربة الحية، تُنتج معلمين بلا أثر، وتترك المتعلم في فراغ لا يملؤه إلا التتلمذ الذاتي.

    المعلم الملهم ضرورة في مسيرة التعلم، لأنه يفتح أبواباً لا تُفتح بغيره، ويختصر الطريق نحو المعرفة الحقيقية. لكن حين يغيب، يخسر التلميذ سنوات طويلة على مقاعد الدراسة النظرية التي لا تمنحه سوى أوراق اعتماد شكلية، ثم يخسر سنوات أخرى في محاولاته لاكتساب الخبرة من الممارسة العملية بعد التخرج. وهكذا يتأخر نضج الخريجين وتأخر استفادة المجتمع منهم، في حين كان المفترض أن يكون عطاؤهم جاهزاً بمجرد تخرجهم، لا بعد أعوام من السعي المضني لاكتساب الخبرة، وأعوام ضاعت في قاعات الدراسة بلا ثمرة عملية.

الخاتمة

    غياب المعلم الملهم ليس مجرد نقص في العملية التعليمية، بل هو فراغ في الذاكرة الثقافية، وانقطاع في السلسلة التي تربط المعرفة بالحياة. حين يغيب، يجد التلميذ نفسه وحيداً أمام أسئلة الوجود، يجرّب ويخطئ ويعيد بناء ذاته من رماد التجربة. لكنه في هذه الرحلة القاسية يكتشف أن التعلم ليس أوراقاً ولا شهادات، بل هو مواجهة مع العالم، وصراع مع العجز، وولادة متكررة للذات الباحثة عن المعنى.

    المعلم الملهم، حين يحضر، يختصر على التلميذ سنوات من التيه، ويمنحه البوصلة التي تقيه ضياع العمر في قاعات بلا ثمرة. وحين يغيب، يصبح الزمن هو الثمن، والخبرة هي المعلم، والرحلة هي الدرس. وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل نرضى أن يظل أبناؤنا أسرى هذا الغياب، أم نعيد للتعليم جوهره بعودة المعلم الحق، الذي يوقظ العقول ويصون الأعمار من الضياع؟

 

الاثنين، يناير 12، 2026

سيلين: استعادة بصرية للأفق المفقود

 


جمال الهمالي اللافي

    تصميم لمسكن مفترض، وُضع تلبيةً لرغبة ابن العم 'ظافر اللافي'، ليكون محاكاةً وتفاعلاً مع طبيعة الموقع البكر قبل أن يتم تغيير معالمها. كان من المفترض أن يتربع هذا البناء على قمةٍ تشرفُ على جماليات الطبيعة في منطقة 'الطويلة' بسيلين- الخمس، قبل أن تتحول بتدخل الإنسان من مرقبٍ شامخ إلى حفرةٍ وسط الجبال. هذا المشهد (المحول إلى فيديو) هو استعادة بصرية لما كان يمكن أن يكون عليه التعايش مع تضاريس المكان.

·         عن الموقع وتغيير الطبيعة:

    لقد كان الموقع يمتلك لغته الخاصة وقوامها الطبيعية، حيث تمنح القمة للساكن أفقاً ممتداً. لكن عملية التسوية التي طالت الأرض لم تكن مجرد تمهيد للبناء، بل كانت طمساً لهوية الجبل، وتحويلاً قسرياً لمنطق الارتفاع إلى منطق الانخفاض (من قمة إلى حفرة)، مما أفقد العمارة علاقتها الحميمية مع جبال الخمس الشامخة.

·         عن التصميم المفترض:

    جاء التصميم في هذا المشهد ليحترم انحدارات الأرض وانسياب الوادي، حيث تظهر الكتل المعمارية بوضوحها وبياضها كقطعة من الغمام المستقر فوق المرتفع، محاولةً الحفاظ على التوازن البصري بين صلابة الصخر وجريان الماء( في الأيام التي تهطل فيها الأمطار بغزارة) في الأسفل.

·         عن الغرض من الفيديو:

    هذا المحتوى الرقمي ليس مجرد عرض معماري، بل هو وثيقة بصرية تُوثق 'الحالة المفقودة' للموقع، وتُبرز كيف يمكن للمعمار أن يكون ابناً للبيئة المحيطة به، بدلاً من أن يكون غريباً عنها بعد تسويتها وتغيير فطرتها الجغرافية.

 

 

السبت، يناير 10، 2026

العمارة بين رصانة التأسيس وجناية الانفلات

 


جمال الهمالي اللافي

لطالما كانت الحواضر التاريخية ومعالمها المعمارية تجسيداً لقيم الرصانة التي يغلفها الإبداع في أسمى تجلياته. لم يكن هذا الوقار المعماري وليد الصدفة، بل كان نتيجةً لوعيٍ جمعيٍ ومؤسسيٍ صارم، يعتبر الحرمة المعمارية خطاً أحمر لا يُسمح للعابثين بانتهاكه. كانت العمارة، بصفتها مرآةً للحضارة، تُبنى لتبقى، وتُصمم لتُحترم.

إلا أن التحولات التي طرأت مع عمارة الحداثة وما تلاها لم تكن، في جوهرها، إلا خروجاً عن هذا النطاق الرصين وانفلاتاً للأمور عن نصابها الصحيح. لقد شهدت هذه الحقبة سيطرة "الغوغاء" على مفاصل القرار المعماري، حيث فُتح الباب لسطوة النفوذ لتعيد صياغة هوية المدن وفق أهواءٍ عابرة، بعيداً عن القواعد الراسخة. وفي محاولة لتبرير هذا التشويه، انبرى "سفهاء العقول" لتزييف الوعي وإضفاء صبغة من المثالية الزائفة على مبانٍ تفتقر للروح والاتزان.

إننا نعيش اليوم مرحلةً يُحارب فيها مفهوم "الجودة" ويُمنع من العودة، في توازٍ مخيف مع الممانعة التي يبديها الفاسدون لعودة النظام والقانون. فالمعادلة واضحة: النظام والجودة يمثلان التهديد الحقيقي لكل من يقتات على العبث والفساد. إن استعادة الهوية المعمارية والاجتماعية تتطلب اليوم وقفةً حازمةً تتبنى منطق القصاص العادل؛ فالمعماري العابث الذي لوث بصر الأجيال واستهان بهوية المدن، يجب أن يُحكم على مشاريعه بالهدم كفعل تطهيري.

وفي المقابل، فإن المفسدين من اللصوص والمجرمين، سواء كانوا من عامة الناس أو من ساسةٍ استغلوا نفوذهم لنهب المقدرات، لا بد أن يواجهوا العقوبة القصوى المتمثلة في الإعدام. إن الحزم في استئصال القبح المعماري والفساد السياسي هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للمدينة وللمجتمع على حد سواء، فلن يستقيم البناء إلا إذا طُهرت الأرض من العابثين بمقدراتها وهويتها.

المسكن الليبي: بين أصالة المعنى وزيف الاستعراض

 


جمال الهمالي اللافي

 مقدمة

إن المسكن ليس مجرد جدرانٍ وأسقف، بل هو انعكاسٌ ماديّ للمنظومة القيمية التي يحملها الإنسان تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. وفي واقعنا المعاصر، تحول المسكن الليبي في كثير من نماذجه من فضاءٍ للسكينة إلى منصةٍ للاستعراض، مما يفرض علينا إعادة قراءة فلسفة البناء برؤيةٍ تفرق بين الثراء المادي الصاخب وبين الثراء المعنوي الرصين.

1.      نقد الاستعراض الشكلي في الواجهات

تعاني كثير من المساكن الحديثة في ليبيا من انفصامٍ حاد بين المضمون والشكل؛ حيث تزدحم الواجهات بتراكمات من "الكرانيش" والأعمدة التي تُقحم في غير سياقها الوظيفي، ولا غاية لها سوى التباهي الطبقي. إن هذا التوجه يمثل بذخاً مسرفاً يفتقد للمعنى ويُرهق الحواس، بينما تكمن الرصانة في العودة إلى "صدق التعبير"؛ بحيث تكون الواجهة انعكاساً أميناً لوظيفة الفراغ الداخلي واستجابةً حقيقية للمناخ المحلي، مما يخلق ثراءً بصرياً يمنح العين والروح طمأنينة الاستقرار.

2.      المسكن كبيئة حاضنة للسكينة

إذا أسقطنا مفهوم الأثر الطيب على المسكن، فإن العمارة الرصينة هي التي تمنح ساكنها راحة نفسية وهدوءاً يتجاوزان المظاهر. الثراء الحقيقي هنا لا يُقاس بتكلفة الرخام المستورد، بل بـ "هندسة الضوء" وتطويع الشمس لتنساب داخل الأفنية والغرف، وفي توزيع الفراغات التي تحترم خصوصية العائلة الليبية وقيمها. هذا الأثر المعنوي للمكان هو ما يفتقده البذخ الصارخ الذي يهتم بما يراه الآخرون لا بما يعيشه أصحاب الدار.

3.      فلسفة "التوازن" في التوزيع الفراغي

يتجلى الثراء الحقيقي في المسكن بذكاء استغلال المساحات وتحقيق التوازن بين الحاجة الفعلية والمساحة المبنية. فبدلاً من إهدار المساحات في بناء صالونات استقبال ضخمة تظل مغلقة ومعطلة طوال العام، يكمن الرقي في استبدالها بفراغات مرنة تتصل بالطبيعة أو بفناء داخلي نابض. هذا هو التوازن الذي يجعل كل زاوية في البيت حية ومستغلة، حيث تتحول العمارة من مجرد "أمتار مربعة" صماء إلى بيئة سكنية تلبي احتياجات العائلة دون إسراف أو تقصير.

4.      المادة كجسر للهوية

إن الارتباط بالأرض الليبية يفرض بحثاً جاداً عن الجمال في المواد التي تحترم البيئة وسياقها البصري. إن تكديس الواجهات بمواد متنافرة يؤدي إلى تشتت البوصلة الحواسية وضياع الهوية. في المقابل، تعيد البساطة توجيه الحواس نحو ملمس الحجر الطبيعي، وصفاء الجدران البيضاء التي تروض حدة الشمس، وتفاعل ظلال النخيل مع الأسطح؛ وهذا هو جوهر الثراء الذي يربط المسكن ببيئته وتاريخه دون زيف أو افتعال.

ختاماً، إن العودة إلى البساطة في المسكن الليبي ليست دعوةً للتقشف، بل هي دعوةٌ لاستعادة 'البوصلة الجمالية' التي فُقدت في ضجيج المظاهر. إننا بحاجة إلى عمارةٍ تتحدث لغتنا، وتحترم شمسنا، وتُبنى على مقاس أرواحنا لا على مقاس أوهام الوجاهة الاجتماعية. فالمسكن الحقيقي هو الذي يشيخ معك بكرامة، ويبقى أثره طيباً في ذاكرة المكان.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...