أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الأحد، مارس 23، 2025

نحو توحيد لغة التصميم: كيف يمكن لنموذج الباوهاوس أن يساهم في تطوير العمارة والفنون التطبيقية في ليبيا

مدرسة باوهاوس المعمارية


جمال الهمالي اللافي

إحدى أبرز التحديات في مجال العمارة والمهن المكملة لها تتمثل في تمسك كل طرف بوجهة نظره وتوجهه التصميمي، مما يجعل من الصعب تحقيق انسجام أو رؤية مشتركة بين الأطراف المشاركة في مشروع واحد. نادرًا ما نجد معمارياً يتعاون مع آخر لتحقيق رؤية موحدة لمشروع واحد. بالمثل، يصعب تحقيق توافق بين المعماريين والمصممين الداخليين أو منسقي الحدائق أو مصممي الأثاث وغيرهم من المتخصصين في المجالات المكملة.

حتى مصممو الجرافيك، الذين تتمثل مهمتهم في التعبير عن رؤية العميل بأسلوب إبداعي، يواجهون تحديات في تبني رؤية المعماريين. فنجدهم يصرون على إخراج المشاريع بأسلوبهم المعتاد، غير القابل للتغيير، مما يؤدي إلى انحصار التنوع الإبداعي وتكرار الأنماط. وهنا يتضح مثال مشابه يُستقى من الإعلانات التلفزيونية المصرية، التي تعتمد جميعها على نمط واحد في الترويج، بغض النظر عن طبيعة السلعة. إذ تُسخَّر فيها مختلف الفئات العمرية من الرجال والنساء وحتى الأطفال في مشاهد رقص وهز وسط، بشكل يعكس الحلول الأسهل والأكثر ربحية، بدلاً من البحث عن أفكار إبداعية مبتكرة تتناسب مع كل حالة على حدة.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن:  نعم أستاذ جمال، هذا الرأي كان ولا يزال قائماً، ولكنه أحد الأسباب الرئيسية وراء ظهور نظرية الباوهاوس الألمانية - Bauhaus - التي طرحت حلاً للمشكلة:

·         الانتقال من التصميم الفردي إلى التصميم الديمقراطي الجماعي الذي يعتمد على لغة تصميمية واحدة مشتركة بين الجميع.

·     نظرية الباوهاوس قدمت نظاماً للتصميم الجماعي يتيح لجميع الأطراف العمل دون تضارب في الأفكار والاتجاهات، حيث تم دمج جميع الأبعاد في اتجاه واحد يتماشى مع الجميع.

هذا رأيي الشخصي حول كيفية تقديم مقترح لمعالجة المشاكل التصميمية التي تظهر عند اشتراك فريق من المصممين في مشروع واحد.

جمال الهمالي اللافي: دكتور عبدالمجيد عبدالرحمن، هذا ما نسعى لتحقيقه؛ نموذج عمل يقوم على تضافر جهود جميع التخصصات تحت رؤية مشتركة.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: نعم، ولكن إذا نظرنا بعمق إلى تاريخ نظرية الباوهاوس أثناء تأسيسها نجد أنها كانت تهدف إلى القضاء على التصميم الفردي للفنون والحرف اليدوية السبعة وعلاقتها بالتصميم المعماري، ولكنها واجهت تناقضات وصعوبات نتيجة اختلاف الاتجاهات بين تصميم الأثاث، الإضاءة، الأرضيات وغيرها.

ولهذا السبب عملت الباوهاوس على توحيد لغة التصميم وتقديم أسلوب بسيط يجمع الشكل والوظيفة في قالب موحد ليُقبله الجميع.

جمال الهمالي اللافي: دكتور عبدالمجيد عبدالرحمن، نعم، الاختلاف لا يمكن معالجته إلا من خلال توحيد لغة التصميم، وهذا ما نفتقده في بلدنا. نحتاج إلى تبني تجربة الباوهاوس في ليبيا، وربما تأسيس مدرسة معمارية خاصة يمكن الاعتماد بعدها على خريجيها لإحداث الفارق المطلوب.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: نعم، هذا ما نحتاجه: إدراج تجربة ونتائج الباوهاوس بعد 100 سنة من تأسيسها. والأهم أن ندرس كيف يمكن تطبيق نموذج الباوهاوس في المناطق الحارة.

فالجدل يدور حول كون الباوهاوس قد تأسست في مناطق باردة وانتقلت من استخدام الحجر في المرحلة الأولى إلى استخدام الزجاج والمعادن بشكل أكبر. والسؤال هو: كيف يمكن أن تكون المباني بتصاميمها الخارجية والداخلية قادرة على مقاومة الحرارة، مع الحفاظ على المعايير التي وضعتها الباوهاوس؟

بالنسبة للأثاث والإضاءة وغيرها من العناصر الداخلية، لا توجد عوائق أمام البيئة والمناخ. ولكن التحديات تكمن في التصميم الخارجي وملاءمته للحرارة المرتفعة.

جمال الهمالي اللافي: الرؤية العامة لفكر الباوهاوس وكيفية ملاءمة منهجها لقيمنا الاجتماعية وظروف بيئتنا، أعتقد أن منهج الربط بين المعماري وكافة الفنون الجميلة والحرف الفنية وخطوط الإنتاج يمثل الخطوة الأكثر أهمية، والتي من خلالها يمكن توظيف رؤية هذه المدرسة لاستنباط منهج يؤصل للعمارة المحلية المعاصرة.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: نعم، تأسيس كلية تعتمد نهج الباوهاوس في المناطق الحارة سيكون خطوة جوهرية. هذه الكلية يجب أن تشمل دراسة تخصصات العمارة، التصميم الصناعي للأثاث، والفنون التطبيقية السبعة مجتمعة. بمعنى أن المعماري يكون مسؤولاً عن تصميم كل التفاصيل، من الأثاث الداخلي إلى الشكل الخارجي للمبنى، ليسلّم المشروع كاملاً وجاهزاً من الصفر إلى تسليم المفتاح.

هذه هي فلسفة الباوهاوس التي نجحت في القضاء على الفوضى التي كانت شائعة في مجالات التصميم الداخلي والخارجي، وكذلك في العمارة وتصميم الأثاث والديكور والفنون التطبيقية الأخرى.

جمال الهمالي اللافي: دكتور عبدالمجيد عبدالرحمن، مادامت هذه المدرسة قد نجحت في حل هذه الإشكاليات، فلماذا لا نسارع بتبنيها وتطبيقها في بلادنا؟

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: لتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى مجموعة مثقفة من المخططين والمعماريين والمصممين والفنانين، الذين يمكنهم قيادة حركة فكرية جديدة داخل المجتمع. تجدر الإشارة إلى أن مؤسسي الباوهاوس بدأوا بمبادرة من القطاع الخاص، وأقنعوا الدولة لاحقاً بتبني هذه الفلسفة.

كانت الباوهاوس حركة جماعية ذات بُعد اجتماعي واقتصادي، وقدمت حلولاً فعّالة لألمانيا التي كانت تعاني من آثار الحرب العالمية الأولى. هذه التجربة كانت امتداداً لأهداف حزب العمال الألماني SPD، الذي كان يسعى إلى تصميم مساكن اجتماعية تحقق العدالة بين مختلف فئات المجتمع، وتقضي على الفجوة بين الغني والفقير.

جمال الهمالي اللافي: أرى أن تحقيق ذلك ممكن.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: الباوهاوس تميزت باتجاهها الاجتماعي القوي، والذي ركز على تلبية حاجة المجتمع إلى السكن الاقتصادي والاجتماعي. في مرحلة انتشارها الثانية، عندما انتقلت من مدينة فايمر إلى ديساو، ركّزت الباوهاوس أكثر على خدمة المجتمع. فقدمت نماذج حديثة لتصميم المجاورات السكنية، بما في ذلك المجمعات السكنية المتكاملة في مدينة برلين.

في هذه المرحلة، ظهر التخطيط الحضري الذي يربط بين الإسكان والفراغات الاجتماعية الخارجية، لتلبية احتياجات المجتمع داخل وخارج المسكن أثناء أوقات الفراغ والعطلات. كانت هذه المبادئ أسساً لتصميم يخدم الفرد والمجتمع على حد سواء.

جمال الهمالي اللافي: لا يوجد أي تعارض بين هذه المبادئ وما يحتاجه مجتمعنا اليوم.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: لتعميم هذه التجربة، يجب فتح كلية على نهج الباوهاوس، حيث يتعلم الطلاب تخصصات الفنون التطبيقية، التصميم العام، العمارة، والتخطيط الحضري. هذه هي مبادئ الباوهاوس الألمانية التي تحتاج إلى الانتشار في دول العالم الثالث، ومنها ليبيا.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: تأسيس كلية تعتمد نهج الباوهاوس في المناطق الحارة سيكون خطوة جوهرية. هذه الكلية يجب أن تشمل دراسة تخصصات العمارة، التصميم الصناعي للأثاث، والفنون التطبيقية السبعة مجتمعة. بمعنى أن المعماري يكون مسؤولاً عن تصميم كل التفاصيل، من الأثاث الداخلي إلى الشكل الخارجي للمبنى، ليسلّم المشروع كاملاً وجاهزاً من الصفر إلى تسليم المفتاح.

هذه هي فلسفة الباوهاوس التي نجحت في القضاء على الفوضى التي كانت شائعة في مجالات التصميم الداخلي والخارجي، وكذلك في العمارة وتصميم الأثاث والديكور والفنون التطبيقية الأخرى.

جمال الهمالي اللافي: دكتور عبدالمجيد عبدالرحمن، مادامت هذه المدرسة قد نجحت في حل هذه الإشكاليات، فلماذا لا نسارع بتبنيها وتطبيقها في بلادنا؟

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: لتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى مجموعة مثقفة من المخططين والمعماريين والمصممين والفنانين، الذين يمكنهم قيادة حركة فكرية جديدة داخل المجتمع. تجدر الإشارة إلى أن مؤسسي الباوهاوس بدأوا بمبادرة من القطاع الخاص، وأقنعوا الدولة لاحقاً بتبني هذه الفلسفة.

كانت الباوهاوس حركة جماعية ذات بُعد اجتماعي واقتصادي، وقدمت حلولاً فعّالة لألمانيا التي كانت تعاني من آثار الحرب العالمية الأولى. هذه التجربة كانت امتداداً لأهداف حزب العمال الألماني SPD، الذي كان يسعى إلى تصميم مساكن اجتماعية تحقق العدالة بين مختلف فئات المجتمع، وتقضي على الفجوة بين الغني والفقير.

جمال الهمالي اللافي: أرى أن تحقيق ذلك ممكن.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: الباوهاوس تميزت باتجاهها الاجتماعي القوي، والذي ركز على تلبية حاجة المجتمع إلى السكن الاقتصادي والاجتماعي. في مرحلة انتشارها الثانية، عندما انتقلت من مدينة فايمر إلى ديساو، ركّزت الباوهاوس أكثر على خدمة المجتمع. فقدمت نماذج حديثة لتصميم المجاورات السكنية، بما في ذلك المجمعات السكنية المتكاملة في مدينة برلين.

في هذه المرحلة، ظهر التخطيط الحضري الذي يربط بين الإسكان والفراغات الاجتماعية الخارجية، لتلبية احتياجات المجتمع داخل وخارج المسكن أثناء أوقات الفراغ والعطلات. كانت هذه المبادئ أسساً لتصميم يخدم الفرد والمجتمع على حد سواء.

جمال الهمالي اللافي: لا يوجد أي تعارض بين هذه المبادئ وما يحتاجه مجتمعنا اليوم.

الدكتور المعماري/ عبدالمجيد عبدالرحمن: لتعميم هذه التجربة، يجب فتح كلية على نهج الباوهاوس، حيث يتعلم الطلاب تخصصات الفنون التطبيقية، التصميم العام، العمارة، والتخطيط الحضري. هذه هي مبادئ الباوهاوس الألمانية التي تحتاج إلى الانتشار في دول العالم الثالث، ومنها ليبيا.

ملخص الحوار:

يركز الحوار على أهمية تبني فلسفة الباوهاوس في ليبيا كحل للتحديات التصميمية والمعمارية التي يواجهها المجتمع. يشدد الدكتور عبدالمجيد عبدالرحمن على أن نموذج الباوهاوس، الذي نجح في توحيد التخصصات المختلفة تحت رؤية تصميمية مشتركة، يمكن أن يحقق نقلة نوعية في التصاميم المحلية، بشرط تكييفه مع الظروف البيئية والاجتماعية للبلاد. جمال الهمالي اللافي يرى أن هذه المبادئ لا تتعارض مع احتياجات المجتمع الليبي، مؤكداً إمكانية تطبيق هذا النهج عن طريق تأسيس كلية تعتمد على فلسفة الباوهاوس لتكوين جيل جديد من المصممين والمعماريين القادرين على تحقيق التكامل والإبداع في المشاريع المستقبلية.

ويتفق الطرفان على أن نجاح هذا النموذج يعتمد إلى حد كبير على التعليم المستمر والابتكار. يمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء برامج تدريبية قصيرة الأمد بمشاركة محترفين عالميين أو عبر شراكات مع جامعات ومدارس تصميم دولية. هذه البرامج تمثل خطوة أولى نحو تطبيق تجربة الباوهاوس محلياً، إلى جانب تأسيس الكلية. كما يُمكن تعزيز هذا النهج باستخدام التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك برامج التصميم الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتكييف الحلول مع البيئة المحلية. هذه الخطوات ستكون أساسية لإحداث تحول شامل في مجال التصميم بما يخدم المجتمع ويُسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

خاتمة:

في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها قطاع التصميم المعماري والفنون التطبيقية اليوم، تبرز الحاجة الملحّة إلى تبني منهجيات أكثر تعاوناً وشمولية. إن غياب رؤية مشتركة ولغة تصميم موحّدة بين التخصصات المختلفة يؤدي إلى تفاقم التباين والانقسام. ومع ذلك، نجد في تاريخ العمارة وتصميم الفنون أمثلة على مبادرات رائدة، مثل تجربة الباوهاوس الألمانية، التي نجحت في توحيد جهود المصممين والمعماريين والفنانين، مما جعلها نموذجاً يُستلهم لتحقيق تكامل إبداعي ينهض بالمجتمع.

قد تكون هذه التجربة درساً قيّماً لدول العالم، وخصوصاً في منطقتنا، حيث يمكن إعادة صياغة مبادئها لتتلاءم مع السياق البيئي والاجتماعي والثقافي المحلي. إن تبني مفهوم التصميم الجماعي لا يساعد فقط على التغلب على الفجوة بين مختلف الفنون والتخصصات، بل يفتح الباب لإبداعات حقيقية تلبي احتياجات المجتمعات وتُسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

السبت، مارس 22، 2025

المعماري: من تصميم الفضاءات إلى تشكيل التجربة الحياتية

 

فكرة أولية لتوزيع عناصر التأثيث، وارتباطه بمرحلة التصميم، في تحديد المساحات المناسبة لكل فراغ وتوزيع الأبواب والنوافذ في مكانها الصحيح قبل التنفيذ. والأهم تحديد نمط عناصر التأثيث الذي يتماشى مع الطراز المعماري للمبنى.

جمال الهمالي اللافي

مقدمة/

في المشهد المعماري الحديث، يواجه المعماري تحديات جوهرية تهدد رؤيته التصميمية، خاصة في السياقات التي تعاني من غياب التنسيق بين التخصصات. في ليبيا على وجه الخصوص، يُعاني المجال من تعددية الأدوار وتداخلها بين المعماريين والمصممين الداخليين وغيرهم من المتخصصين. في كثير من الأحيان، تصبح الرؤية الشمولية التي يضعها المعماري عرضة للتغييرات غير المدروسة أو التدخلات العشوائية، مما يؤدي إلى فقدان الانسجام وتقويض الفلسفة الجمالية والوظيفية للمشروع.

إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب من المعماري التعامل مع المشروع بمنظور شمولي يبدأ من الفكرة الأولى وحتى التنفيذ النهائي. هذا يعني العمل على تحقيق التكامل بين جميع الجوانب – من التصميم الداخلي وتنسيق الحدائق إلى التفاصيل اليومية – بما يضمن حماية المشروع من العبث العشوائي والتغييرات التي قد تخل بجوهره. يتطلب ذلك بناء ثقافة مهنية تعزز التعاون بين التخصصات ووضع معايير واضحة تُلزم الجميع باحترام رؤية المعماري ودوره الشمولي.

التوسع في أدوار المعماري/

المعماري هو أكثر من مجرد مصمم للخرائط أو موزع للفراغات. في حقيقة اختصاصه، يتعامل مع المشروع كمنظومة متكاملة ترتبط فيها الهندسة بالفكر الجمالي والوظيفي، حيث تتداخل جميع العناصر في تجربة حسية شاملة يعيشها المستخدم. تشمل مسؤوليات المعماري أبعادًا متعددة، منها:

·         التصميم الداخلي: اختيار المواد والألوان وتصميم الأثاث بما يتناغم مع رؤية المشروع الشاملة.

·         تنسيق الحدائق: التخطيط لاختيار الأشجار والنباتات، بما يعزز فلسفة التصميم ويراعي الطبيعة المحيطة.

·         التفاصيل اليومية: ابتكار حلول للمفروشات وأواني الطبخ، لضمان تحقيق بيئة متناغمة على جميع المستويات.

أمثلة واقعية لمعماريين رائدين/

لتوضيح هذا المفهوم، يمكن الإشارة إلى بعض رواد العمارة الغربية الذين جسدوا الشمولية في التصميم:

1.      فرانك لويد رايت:

·     يُعد فرانك لويد رايت نموذجًا للمعماري الشمولي، حيث كان يُصمم كل تفاصيل مشاريعه، بما في ذلك الأثاث والإضاءة وحتى البراغي. مشروعه Fallingwater مثال واضح على دمجه الطبيعة بالتصميم، بينما يعكس متحف سولومون غاغينهايم رؤيته للتكامل بين الشكل والوظيفة.

·     تعكس فلسفته مقولته الشهيرة: "الشكل يتبع الوظيفة – هذا تم فهمه بشكل خاطئ. الشكل والوظيفة يجب أن يكونا واحدًا، متحدين في اتحاد روحاني."

2.      لو كوربوزييه:

·     في مشروعه "Unité d'Habitation"، أظهر اهتمامًا كبيرًا بتصميم الأثاث الداخلي بما يتوافق مع احتياجات السكان، حيث استخدم خطوطًا بسيطة وأشكالًا هندسية لتحقيق الراحة والجمال.

·     تبنى مبدأ "آلة للعيش" (a machine for living)، وهو مفهوم يعكس تكامله بين جميع جوانب المشروع لضمان توافق كل عنصر مع الوظيفة اليومية.

التحديات وجذور المشكلة/

إن غياب التنسيق بين التخصصات يُعد أحد الأسباب الرئيسية للتشرذم في المشاريع المعمارية، مما يؤدي إلى التضارب في الرؤى وتنفيذ مشاريع تفتقر إلى الانسجام. يمكن تحليل جذور هذه المشكلة كالتالي:

1.      قلة التنسيق بين التخصصات: عدم وجود قنوات تواصل فعالة بين المعماري والمصممين الداخليين أو غيرهم يؤدي إلى تضارب الأفكار.

2.      الافتقار إلى رؤية موحدة: التعامل مع المشروع كأنه سلسلة مراحل منفصلة بدلاً من كونه منظومة متكاملة.

3.      انعدام الوعي بدور المعماري الشمولي: ضعف إدراك أهمية التكامل بين الأبعاد المختلفة للمشروع.

الحلول المقترحة/

لمعالجة هذه الإشكاليات، يمكن اتخاذ الخطوات التالية:

·         التوعية المهنية: نشر ثقافة العمل الجماعي وتعزيز فهم أن المشروع هو نتاج عمل تكاملي، وليس مجموعة جهود منفصلة.

·         وضع معايير واضحة: صياغة قوانين أو بروتوكولات تُلزم جميع الأطراف باحترام الرؤية التصميمية للمعماري.

·         تدريب المعماريين على التكامل: تضمين التصميم الداخلي وتنسيق الحدائق في عملية التصميم من البداية.

الخاتمة/

إن دور المعماري يتجاوز كونه مصممًا لفراغات أو موجهًا لتوزيع الأدوار. إنه المبدع الذي يبتكر تجارب حياتية متكاملة، حيث تمتزج العناصر الهندسية والجمالية والوظيفية لتشكل وحدة واحدة متناغمة. إن شمولية المعماري هي المفتاح لضمان تميز المشاريع واستدامتها، حيث يعمل كجسر يربط بين مختلف التخصصات ويضمن التوازن بين التفاصيل الكبرى والصغرى.

في ظل التحديات التي يواجهها المعماريون اليوم، يبقى الحل في بناء ثقافة مهنية تعزز التعاون وتحترم رؤية المعماري كشخص مؤتمن على جوهر المشروع. هذا يعني التأكيد على أهمية التكامل بين الأدوار، مع وضع آليات واضحة لحماية المشاريع من التعديلات التي قد تُفقدها طابعها الأصلي. وبذلك، يصبح المعماري ليس مجرد مُنفذ، بل مُبدعًا يقود المنظومة لتحقيق رؤية ملهمة تعكس أهداف التصميم وروحه.

 

الجمعة، مارس 21، 2025

رؤيتي المعمارية

 

منزل أسامة الفرجاني- طرابلس

جمال الهمالي اللافي

        أسعى إلى تقديم رؤية معمارية إسلامية ليبية معاصرة ترتكز على إعادة إحياء العلاقة التكاملية بين المعماري الليبي والحرفي، ليس فقط كمتعاونين، بل كجزء من منظومة إبداعية شاملة. تهدف هذه الرؤية إلى إنتاج عمارة ليبية ذات بُعد مادي وروحي، تستجيب بمرونة لحاجات المجتمع الليبي المعاصر، مع الاستفادة الذكية من التقنيات الحديثة وتطويعها لصياغة بيئة عمرانية مستدامة ومتوازنة.

تركز هذه الرؤية على:

  • التفاصيل المناخية: تطبيق حلول تصميمية مبتكرة تُراعي الظروف المناخية المحلية مثل الحرارة المرتفعة وتوفير التهوية الطبيعية.
  • التنوع الثقافي المحلي: استلهام التراث الحرفي والجماليات المحلية الليبية وإعادة تقديمها بطرق إبداعية تُبرز هوية المكان.
  • الموارد الاقتصادية: الاعتماد على استخدام مواد محلية مستدامة ومنخفضة التكلفة، مما يُعزز الاقتصاد المحلي ويُشجع التنمية المستدامة.
  • المساحات المجتمعية: تصميم مساحات تعزز من التفاعل الاجتماعي، وتقوي الروابط بين أفراد المجتمع الليبي.

بالإضافة إلى ذلك:

  • التوجه الفلسفي للعمارة: تنطلق رؤيتي من قناعة بأن العمارة ليست مجرد بناء مادي، بل هي أداة للتعبير الثقافي ولإحداث تغيير إيجابي يعكس قيم المجتمع وهويته.
  • الاستدامة البيئية: أؤمن بأن العمارة يجب أن تلعب دوراً فعالاً في حماية البيئة من خلال تطبيق حلول تصميمية تعتمد على الطاقة المتجددة وتقليل الأثر البيئي.
  • العمارة التشاركية: أتبنى نهجاً معمارياً يُشرك أفراد المجتمع في مراحل التصميم والبناء، مما يعزز ارتباطهم بالمكان ويضمن تلبية احتياجاتهم الفعلية.
  • الإبداع التقني: أطمح إلى الاستفادة من التقنيات الحديثة لابتكار تجارب معمارية تفاعلية تُلبي تطلعات المستقبل وتتماشى مع الروح المعاصرة.
  • رؤية تعليمية: أضع ضمن أهدافي نقل المعرفة والخبرات المعمارية والحرفية إلى الأجيال القادمة، لضمان استمرارية الهوية الثقافية المحلية وإلهام المصممين الشباب.

الشكل ينبع من الوظيفة العاطفية

 حين سُئلت الكاتبة " إيلين غولد " عن إحدى أمنياتها الكبرى، أجابت: “أريد أن أبني بيتًا، لا يرغب ساكنوه في الهروب منه.”

تكمن حكمة هذه الإجابة في التعبير عن مفهوم “البيت” كرمز للسكينة والأمان، لا كمجرد مجموعة من الغرف المستطيلة والمساحات المزخرفة أو التجهيزات العصرية.

الإنسان بحاجة إلى أن يتحرر من العقلية التي تقدّس المظاهر، وأن يبدأ في النظر إلى الأمور من جوهرها الحقيقي. عليه أن يدرك أن البيت، الذي من المفترض أن يحميه من العواصف، لا ينبغي أن يكون هو ذاته مصدر العاصفة.

الفكر المعماري: تحولات مأمولة من الشكل إلى الجوهر


جمال الهمالي اللافي

العمارة ليست مجرد بناءٍ يصمد أمام الزمن أو يتماشى مع المتطلبات العملية للحياة، بل هي انعكاسٌ لفكرٍ عميق يُعبّر عن رؤى الإنسان تجاه بيئته ومجتمعه وحتى قيمه. المشاريع التي قدمها رواد العمارة مثل فرانك لود رايت، لو كوربوزييه، ووالتر غروبيوس لم تكن مجرد تصميمات جميلة، بل كانت تجسيدًا لنظريات معمارية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.

فرانك لود رايت والنظرية العضوية:

عندما صمم رايت منزل "فيلا الشلالات"، لم يكن الهدف فقط تحقيق التوازن بين الطبيعة والبناء، بل تقديم فلسفة تعتمد على التكامل التام بين العناصر المعمارية والطبيعة المحيطة. هذه النظرية العضوية تحدت المفاهيم التقليدية، وأرست قواعد جديدة للعلاقة بين العمارة والبيئة.

لو كوربوزييه والوظيفية الراديكالية:

مشاريعه مثل "فيلا سافوي" جسدت النظرية الوظيفية بطريقة لم تكن مجرد استجابة للاحتياجات البشرية، بل خطوة نحو التفكير في التصميم كوسيلة لإعادة صياغة الحياة اليومية. كما أن كنيسة رونشامب قدمت مستوى روحانيًا في التعبير المعماري، يظهر كيف يمكن للعمارة أن ترتقي بروح الإنسان.

والتر غروبيوس وثورة الباوهاوس:

إن مدرسة الباوهاوس لم تكن مجرد أكاديمية لتعليم الفنون والتصميم، بل كانت منصة للتغيير الثقافي. تأثيرها امتد ليشمل مختلف المجالات الفنية، من التصميم الصناعي إلى الهندسة المعمارية، مضيفةً إلى العالم فلسفة ترى في البساطة والتكامل الحل الأمثل للإبداع.

المعماري الليبي والهوية المحلية:

على المعماري الليبي أن يتجاوز التصميم السطحي، ليبحث عن العمق الفكري الذي يمكن أن يقدمه في مشاريعه. الهوية الليبية غنية بتنوع ثقافي وبيئي يمكن استثماره لإنتاج عمارة تُجسد هذه الخصوصية. يجب أن يكون هناك تأملٌ مستمر في كيفية إعادة صياغة العلاقة بين العمارة والمجتمع، بين التصميم والوظيفة، وبين الجمال والقصد.

العمارة كتغيير اجتماعي:

المشاريع المعمارية العظيمة لا تسهم فقط في تغيير المشهد العمراني، بل تُحدث تحولًا في طريقة تفكير الناس وقيمهم تجاه الفضاءات التي يعيشون فيها. العمارة الحقيقية ليست مجرد هياكل، بل أداة لتشكيل وعي اجتماعي.

وكما قال لو كوربوزييه: "العظمة ليست في الحجم ولكن في القصد." دعونا ننظر إلى العمارة كفكر ومضمون قبل أن تكون شكلًا.

 

واقع تدريس التصميم المعماري بين التحدي والابتكار: مراجعة نقدية

مدينة طرابلس التاريخية


جمال الهمالي اللافي

        يُعد التصميم المعماري مجالاً يسعى لتحقيق تكامل الأداء الوظيفي والراحة المعيشية للمستخدمين، مع تقديم حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه المباني المعمارية القائمة، سواء السكنية أو الخدمية. ومع ذلك، تشهد مناهج تدريس التصميم المعماري في بعض المؤسسات التعليمية انحرافاً عن هذه الغايات السامية.

        تتمثل أبرز مظاهر هذا الانحراف في تركيز بعض مدرسي مادة التصميم المعماري على دفع الطلاب لإبداع تصاميم "غريبة" أو "فريدة"، متجاهلين بذلك الأهداف الأساسية للعمارة. فالعمارة ليست مجرد استعراض للأشكال، بل هي وسيلة لتلبية احتياجات الإنسان وتعزيز جودة حياته من خلال تقديم حلول مبتكرة ومستدامة. ومع ذلك، بات الشكل الخارجي للمبنى محور اهتمام مبالغ فيه، حيث يُقيَّم الطالب بناءً على غرائبية تصميمه أكثر من جودة الأداء الوظيفي لمبناه.

        هذا النهج التدريسي لا يُؤدي فقط إلى فصل المهنة عن غاياتها الإنسانية، بل يُسهم في تهميش القيم الأساسية للعمارة. كما يعكس هذا الاتجاه واقعاً أوسع يتعلق بالمهنة حالياً، لا سيما في السياق الليبي، حيث أصبح ضعف التعليم وقصوره عن تلبية احتياجات الواقع أحد الأسباب الرئيسية لتراجع جودة المخرجات المعمارية.

        إن إعادة النظر في مناهج تدريس التصميم المعماري تتطلب التوازن بين الابتكار ومتطلبات الوظيفة، مع التركيز على تأهيل الطلاب ليصبحوا معماريين قادرين على مواجهة التحديات الحقيقية بدلاً من الاكتفاء بملاحقة غرائب التصاميم. فالعمارة، في جوهرها، تسعى لتلبية احتياجات البشر بتكامل جمالي ووظيفي.

الخميس، مارس 20، 2025

للواجهة قناع: دعوة لتحرير طرابلس من فوضى العمران


        دار هذا الحوار المثري بيني وبين أستاذي العزيز أحمد انبيص (رحمه الله وغفر له)، منذ عدة سنوات، ذكّرني بها الفيسبوك اليوم، حيث تناولنا فيه قبساً من موضوع شغل تفكيره وكان دائم الحديث عنه، ألا وهو دور واجهات المباني في صياغة هوية المدينة، ومسؤولية الجميع في الحفاظ على الفضاء العام
. أحببت اليوم أن أحيي ذكراه في نفوس كل من تتلمذ على يديه بقسم العمارة والتخطيط العمراني بجامعة طرابلس.

الأستاذ أحمد انبيص: "للواجهة قناع" كان العنوان الذي استوحيتُه من الملامح المعمارية التي ميزت المدينة الإيطالية "طرابلس". خذ على سبيل المثال شارع الرشيد في سوق الحوت؛ المباني هناك تبرز واجهات تشبه القناع، مؤلفة من أقواس ذات أعمدة قصيرة مكررة بإيقاع منتظم وعدد فردي، تتوسطه مدخلٌ واضحٌ في منتصف كتلة المبنى. إنها صيغة معمارية ظاهرة أيضًا في واجهات شوارع عمر المختار، الاستقلال، وحتى مبنى الخارجية. والسؤال هنا: هل يجب أن يساهم المبنى في صياغة ملامح المدينة؟ وأن يأخذ مقياسها، لتصبح واجهته ملكًا للشارع وللناس، لا ملكًا لصاحب المبنى؟ للأسف، نرى عكس ذلك كما هو الحال في شارع عمر المختار أمام مستشفى الأطفال، حيث لم يعد الرصيف أو الفضاء العام ملكًا للجميع، بل أصبح تحت سيطرة المالك.

جمال الهمالي اللافي: قبلتُ دعوتك يا أستاذ أحمد واستوعبت فكرتك، لكني لم أفهم تصرف مالك العمارة القريبة من مستشفى الجلاء سابقًا. ربما تكون هذه مسألة قانونية تحتاج لتدخل الدولة، لتحديد حدود ملكيته وسيطرته على الموقع. فالفكرة التي طرحتها حول ضرورة أن يتحول الرواق الموجود في أي عمارة إلى ملكية عامة، فكرة تستحق التأمل. ولكن ما فائدة هذا الطرح إن لم تتدخل الدولة بفرض سيطرتها على هذه الحيزات لصالح الاستخدام العام؟

الأستاذ أحمد انبيص: لا أقصد مبنى بعينه، لكننا نتحدث عن أمثلة متعددة، مثل المباني التي تبدأ من بعد محطة البنزين في شارع عمر المختار، حيث احتلت كل الشارع والفضاء العام دون أي احترام للمحيط أو سكان المدينة. هذه أمثلة تجرنا إلى مناقشات أوسع حول مسؤولية الجميع. إنها دعوة لتحرير المدينة مرة أخرى.

جمال الهمالي اللافي:  أتفق تمامًا مع طرحك يا أستاذ أحمد. تحديد حدود المسؤولية، سواء للدولة، للملاك، أو للمواطنين، هو ما يقود إلى التوازن بين الحقوق والواجبات. هذا النظام يخلق استقرارًا وازدهارًا ويُنهي الفوضى والصراعات. تحديد مركز لكل منطقة سكنية وإعادة التخطيط العمراني بما يُخصص فضاءات عامة مثل الرواق، سيخلق بيئة أكثر تنظيماً وراحة. ولكن هل يتحمل الجميع مسؤولياتهم تجاه قرارات مثل هذه؟

الأستاذ أحمد انبيص: هذا يقودنا إلى فكرة المسؤولية المشتركة؛ أن المواطن يُسائل نفسه دائمًا عمّا يحدث حوله، يطرح الحلول ويشارك فيها. فالمدينة لنا جميعاً، وليس لأحد الحق في العبث بمخططها أو حرمان أهلها من فضاءاتها العامة.

جمال الهمالي اللافي : نعم يا أستاذ أحمد، فتحديد دوائر المسؤولية يدفع الجميع لتحمل أدوارهم. هذا التعاون هو ما يخلق النظام ويُسهم في تحقيق نهضة عمرانية شاملة. التخصيص الرشيد للحيز العمراني لصالح الناس هو جزء من مسؤولية مشتركة بين الملاك، المستخدمين، والدولة.

خاتمة:  هذا الحوار الثري يطرح قضية بالغة الأهمية تتعلق بحقوق الفضاء العام ومسؤولية كل الأطراف في الحفاظ على المدينة، ويُبرز الحاجة لتفعيل دور الدولة والمجتمع في تعزيز قيمة الفضاءات المشتركة.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...