أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

السبت، أكتوبر 24، 2026

ما الذي أدركته العمارة المحلية وأضعناه نحن؟

العمارة بين الحاجة والرغبة

جمال الهمالي اللافي

لست من النوع الذي يوزع عبارات الإطراء على مشاريع أي معماري أو معمارية. بل إنني متحفظ جداً في هذا الأمر، إن لم أكن بخيلاً به على من لا يستحق، انطلاقاً من قيمي وقناعاتي المهنية. فعندما أقيّم مشروعاً معمارياً، فإنني أنظر أولاً إلى العمل المنجز نفسه، وأركز على ما يحمله من أفكار وما يقدمه من حلول وما يعكسه من فهم للعمارة، دون أن أغفل حق صاحبه في التقدير المستحق.

ولهذا لا أسمح لنفسي بأن أضغط زر الإعجاب على مشروع يتعارض مع قناعاتي المعمارية، مهما كانت مكانة صاحبه أو حجم ما يبديه من تقدير لمشاريعي. فالإعجاب عندي ليس مجاملة متبادلة، ولا استجابة لعلاقات شخصية أو مهنية، بل شهادة معمارية لا ينبغي أن تمنح إلا عن قناعة.

ولعل هذه المسألة تكشف عن مشكلة أعمق يعيشها الوسط المعماري اليوم، حيث أصبح النقاش يدور غالباً حول الأشكال والصور والانطباعات البصرية، بينما يغيب السؤال الأهم: ما المرجعية التي ننطلق منها في الحكم على العمارة؟ وما المعايير التي تجعل مشروعاً ما جديراً بالإعجاب أو النقد أو الإهمال؟

في الوسط المعماري الليبي، أصبح من النادر أن نعثر على مشروع يحكي عن صدق مصممه في تعاطيه مع البيئة واحتياجات المالك وطبيعة المجتمع الذي يعمل من أجله. وجل ما يقدم اليوم، إلا ما ندر، يفصح عن رغبة محمومة لدى المعماري في فرض منطقه التصميمي الخاص، وكأن المشروع فرصة لاستعراض الذات أكثر من كونه استجابة لمتطلبات الإنسان الذي سيعيش داخله. فيتحول المالك إلى متلقٍ، بينما يحتكر المعماري حق صياغة المشهد وفق رؤيته الخاصة.

ولست متعصباً لتوجه معماري بعينه، بقدر تعصبي لرسالة العمارة نفسها. فالعمارة في نظري وجدت أولاً لخدمة الإنسان، ولتحقيق السكينة والراحة والكرامة له، ثم تأتي بعد ذلك الاعتبارات البيئية والثقافية والاقتصادية لتكمل هذه الرسالة وتثريها. فإذا فقدت العمارة بعدها الإنساني، فقدت مبرر وجودها مهما بلغت درجة الإبهار في أشكالها أو تقنياتها.

ومن هذا المنطلق جاء انحيازي للعمارة المحلية الليبية. لا بوصفها تراثاً ينبغي التمسك به لمجرد قدمه، ولا باعتبارها تعبيراً شكلياً عن الهوية فحسب، بل لأنها تمثل في نظري نموذجاً عمرانياً استطاع أن يحقق معادلة نادرة بين الإنسان وبيئته وثقافته وقيمه.

فالعمارة المحلية في ليبيا تختلف في كثير من جوانبها عن نماذج عمرانية أخرى نشأت داخل فضاء الحضارة الإسلامية نفسه. وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد قدمت منظومة قيم عامة للعمران، فإن الشعوب تفاوتت في كيفية ترجمة تلك القيم إلى بيئة مبنية. وما يلفتني في التجربة الليبية هو أنها كانت أقرب إلى المقياس الإنساني، وأكثر ابتعاداً عن التكلف والاستعراض ومظاهر التفاخر العمراني.

لقد اختارت البساطة دون أن تقع في الفقر البصري، وحققت الإتقان دون أن تبحث عن الإدهاش المفتعل، وقدمت الراحة دون إسراف، والجمال دون تكلف. فلم تكن عمارة تبحث عن لفت الأنظار بقدر ما كانت تبحث عن توفير حياة كريمة ومستقرة لسكانها. ولهذا جاءت فراغاتها متوازنة، وعلاقاتها الاجتماعية واضحة، وحلولها البيئية ذكية، وتوظيفها للمواد المحلية متقناً ومنسجماً مع طبيعة المكان.

ولعل ما يميز هذه العمارة أكثر من غيره أنها لم تتعامل مع الدين بوصفه زخرفة تضاف إلى الواجهات أو مفردات شكلية تستعار من الماضي، بل بوصفه منظومة قيم انعكست بصورة طبيعية على العمران. فحضور الخصوصية، ومراعاة الجوار، واحترام الحياة الأسرية، وترشيد الإنفاق، وحسن استثمار الموارد، كلها لم تكن شعارات نظرية، بل ممارسات عمرانية تجسدت في البيت والشارع والحوش والعلاقة بين الفراغات المختلفة.

ولهذا أرى أن العمارة المحلية الليبية استوفت مبكراً شروط الإبداع المستدام، لأنها لم تنخرط في سباقات الضخامة والفخامة والتكلف، ولم تدخل في منافسات استعراضية مع الحضارات الأخرى، بل ركزت على تحقيق المقاصد الحقيقية للعمران. فكان الإنسان فيها هو الغاية، لا وسيلة لإبراز قدرات المصمم أو ثروة المالك.

وعندما نعرض هذه العمارة على متطلبات العصر، سنكتشف أن أغلب ما يثار حول قصورها المزعوم لا يعود إلى قصور حقيقي فيها، بقدر ما يعود إلى تغير نظرتنا نحن للعمارة. فالكثير من الاعتراضات الحديثة ليست ناتجة عن احتياجات إنسانية جديدة بقدر ما هي ناتجة عن تحولات ثقافية واستهلاكية أعادت تعريف مفهوم الحاجة نفسه.

فالإنسان الذي نشأ في مبانٍ لا توفر الراحة الحرارية إلا تحت ضغط أجهزة التكييف، قد يجد صعوبة في استيعاب الحكمة الكامنة في حلول عمرانية كانت تحقق قدراً كبيراً من الراحة بالاعتماد على التصميم ذاته. والإنسان الذي اعتاد تقييم العمارة وفق الصور المنشورة والإعلانات البراقة سيجد صعوبة أكبر في تقدير عمارة صممت لتُعاش لا لتُعرض.

أما الكثير مما يُقدَّم اليوم تحت عنوان "متطلبات العصر"، فلا يعدو في جانب كبير منه أن يكون انعكاساً لشهوات الاستهلاك والرغبة في تقليد كل جديد وكل موضة وكل صورة يتم الترويج لها. والحقيقة أن الإنسان الليبي لم تتغير احتياجاته الجوهرية بالقدر الذي تغيرت به رغباته. فما يزال يبحث عن السكن الآمن، والخصوصية، والراحة، وروابط الأسرة، والعلاقة السليمة مع الجوار والبيئة المحيطة. إلا أن ضجيج الاستهلاك أوهمه أن هذه الحاجات أصبحت متخلفة أو غير كافية.

ومن هنا فإن القضية ليست صراعاً بين القديم والجديد، ولا بين المحلي والوافد، بل بين مرجعيتين مختلفتين لفهم العمارة. مرجعية تنطلق من حاجات الإنسان الحقيقية، ومرجعية أخرى تنطلق من رغبات لا تتوقف عن التبدل والتجدد.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية قد قدمت عبر عمرانها مبادئ راسخة لتنظيم العلاقة بين الإنسان والمسكن والمدينة والمجتمع، فإن المشكلة لا تكمن في نقص تلك المبادئ، وإنما في ابتعادنا عنها واستبدالها بمرجعيات أخرى صنعت أوهام النقص ثم راحت تقدم حلولاً لمشكلات لم تكن موجودة أصلاً، بقدر ما خلقت مشكلات أكبر من تلك التي ادعت معالجتها.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: ما الذي ينقص العمارة المحلية الليبية حتى تواكب العصر؟ بل: ما الذي ينقص الإنسان المعاصر حتى يدرك قيمة ما فرّط فيه؟

فقبل أن نبحث عن عمارة جديدة، علينا أن نتأكد أولاً من أننا ما زلنا نعرف ما الذي نحتاجه حقاً من عمارتنا. لأن المجتمعات التي تفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين السكن والترف، وبين الراحة والاستهلاك، قد تنجح في إنتاج مبانٍ أكثر حداثة، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج عمارة أكثر إنسانية.

ختاماً

ولعل المأساة الحقيقية ليست في أن العمارة المحلية الليبية قد تراجعت، بل في أننا أصبحنا ننظر إليها بعين من فقد ثقته بما أنتجه أجداده، وبما كان يملكه من حكمة قبل أن يتعلم الانبهار بكل وافد. فهذه العمارة لم تكن مجرد جدران من طين أو حجر، ولا تفاصيل إنشائية فرضتها ظروف زمنها، بل كانت خلاصة فهم عميق للإنسان وحاجاته، وللأسرة وعلاقاتها، وللمناخ وتحدياته، وللأرض وما تمنحه من موارد.

وحين نتأملها اليوم بعين الإنصاف، نجد أنها لم تكن تعاني أزمة في الفكر أو المنهج أو القيم، بقدر ما نعاني نحن أزمة في فهم معنى التقدم نفسه. فقد أقنعنا العصر أن كل جديد أفضل، وأن كل بسيط ناقص، وأن كل ما ورثناه يحتاج إلى استبدال، حتى أصبحنا نهدم ما أثبت نجاحه بحثاً عن بدائل ما تزال عاجزة عن إثبات جدارتها.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: كيف نجعل عمارتنا المحلية تشبه عمارة هذا العصر؟ بل كيف نجعل إنسان هذا العصر أكثر قدرة على فهم العمارة التي أنتجها مجتمع عرف ذاته قبل أن يعرف الدعاية، وفهم احتياجاته قبل أن تتكفل الأسواق بتحديدها له.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ما الذي ينقص العمارة المحلية حتى تواكب العصر؟ بل ما الذي ينقص الإنسان المعاصر حتى يدرك قيمة ما فرّط فيه؟ فقبل أن نبحث عن عمارة جديدة، علينا أن نتأكد أولاً من أننا ما زلنا نعرف ما الذي نحتاجه حقاً من عمارتنا. لأن المجتمعات التي تفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين السكن والترف، وبين الراحة والاستهلاك، قد تنجح في إنتاج مبانٍ أكثر حداثة، لكنها لن تنجح بالضرورة في إنتاج عمارة أكثر إنسانية.

فربما لا تكمن أزمتنا في تخلف عمارتنا عن العصر، بل في تخلفنا نحن عن فهم القيمة الكامنة فيها. وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال العمارة المحلية عمّا ينقصها، ونبدأ بسؤال أنفسنا عمّا فقدناه نحن، حتى غدت بيوت أجدادنا أكثر فهماً لنا من كثير من المباني التي نشيدها اليوم باسم الحداثة والتقدم. فليست كل عمارة جديدة تقدماً، كما أن ليست كل عمارة قديمة تخلفاً؛ وإنما التقدم الحقيقي هو أن نعرف كيف نميز بين ما يحتاجه الإنسان حقاً وما يُقنعه عصره بأنه يحتاجه.

وعندها فقط سندرك أن بعض ما نبحث عنه في المستقبل كانت العمارة المحلية قد أدركته منذ زمن بعيد، ثم أضعناه نحن بأيدينا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...