أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}- سورة الرعد، الآية 17

الخميس، ديسمبر 25، 2025

جناية "الأنا" المعمارية: كيف أهدرنا عقول الأمة على واجهات البيوت؟

 

جمال الهمالي اللافي

عندما تصل إلى حالة الوعي كمعماري، ستواجه الحقيقة المرة: لستَ مجرد مصمم، بل أنت "صانع غواية" تسخر علمك لتضخيم أناك المتعالية عبر جيوب زبائنك. إن المعماري الذي يغري الزبون بأنماط سكنية باذخة، موهماً إياه بأن وجاهته تُقاس بترف الواجهات وفخامة الرخام، هو في الحقيقة يشكل هذا الزبون كخامةٍ تخدم صورته الذهنية عن نفسه.

لقد خلق المعماري بيئة تتسم بفوارق أخلاقية مرعبة؛ حيث انتقلت عدوى "الأنا المتضخمة" منه إلى الزبائن، ليصبح همهم الشاغل التباهي بصروحٍ خاصة تستنزف الميزانيات وتُهدر فيها الموارد. هذا الانشغال المحموم بتشييد ’متاحف السكن‘ صَرَفَ أصحاب الأموال عن رسالتهم الحقيقية، وأعمى أبصارهم عن توجيه زكاة أموالهم وصدقاتهم لتحسين البيئة التعليمية المتردية من حولهم.

بينما ننشغل نحن بتفاصيل التأثيث الأسطوري لفللٍ تسكنها عائلات قد يغرق أفرادها في التخلف القيمي، تقف في الجوار مدارس وكليات لا يجد طلابها كرسياً أو طاولة، ولا حمامات نظيفة، ولا ماءً صالحاً للشرب. صروحٌ تعليمية بلا معامل، وبلا كتب، وبلا مبانٍ تحمي الأجيال من زمهرير الشتاء أو هطول الأمطار.

إن نهضة الأمة تبدأ حين يكسر المعماري قيد أناه، ويُعيد توجيه بوصلة الزبون من "الاستعراض الباذخ" إلى "كفاية الاحتياج". فلو وُجِّه جزءٌ يسير من ذاك الهدر الذي نُزينه للناس في بيوتهم نحو ترميم وتجهيز صروح التعليم، لانتهى الجهل والمرض والتخلف. رسالتك كمعماري ليست تزيين القشور، بل بناء الأمة عبر ترشيد عمارة المسكن وتعظيم عمارة العقل.

حين يتحول التاريخ من بديهية زمنية إلى ذريعة للتبعية

 

من البيت الطرابلسي التقليدي إلى البيت الطرابلسي المعاصر: الهوية أساس التطور، لا عائق أمامه.


جمال الهمالي اللافي

المقدمة

كثيرًا ما يُستعمل القول  "لن يتوقف التاريخ " كحجة لا تحتمل النقاش، وكأن مجرد استمراره يعني بالضرورة تقدم الشعوب وتطورها. وهي عبارة تبدو بديهية في معناها الزمني، إذ التاريخ رديف للزمن، والزمن لا ينقطع حتى نهايته. لكن هذا الفهم السطحي يُسقط المعنى الأصلي للتاريخ بوصفه تقويمًا زمنيًا لا ينقطع، ويحوّله من حقيقة زمنية إلى شعار يُسوَّق لتبرير التبعية الثقافية والمعمارية، بدلًا من أن يكون دعوةً إلى الارتقاء الواعي. وهنا يصبح السؤال ملحًا: هل التاريخ فعلٌ واعٍ نصنعه بارتباطنا بهويتنا، أم مجرد ذريعة تُستخدم لإقناعنا بالانصياع لكل ما يأتي من الخارج؟"


التاريخ كزمن لا كذريعة

التاريخ في جوهره تقويم تسترشد به الشعوب لتنظيم حياتها اليومية، قائم على حركة الشمس والقمر، لا أكثر ولا أقل. وهو بهذا المعنى لا يتوقف، بل يتوغل في أعماق الزمن حتى نهايته. لكن تحويل هذه البديهية إلى شعار سياسي أو ثقافي يراد منه إقناع الناس بأن عليهم الانصياع لكل ما يأتي من الخارج، هو قلب للمعنى وتزييف للوعي.

المعمار بين الهوية والتبعية

المعمار ليس مجرد شكل أو قوالب جاهزة تُستورد من وراء البحار. إنه سلسلة متصلة بهوية المكان، تُبنى على إرث الأجداد وتُطوَّر بما يلائم الحاضر. المفارقة أن من يطالبوننا بتجاوز "الجمود المعماري"، هم أنفسهم غارقون في جمود فكري؛ جمود عن التفكير النقدي، وقبول بالتقليد الأعمى لكل ما يُستورد دون مساءلة عن ملاءمته للمناخ، لمواد البناء، للمقومات الاقتصادية، للقدرات الإنشائية، وللظروف الاجتماعية والعقيدية.

التقدم الحقيقي: إعادة إنتاج الإرث

الدراسات المعمارية تؤكد أن التقدم لا يُقاس بكمية ما يُستورد، بل بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج إرثه المعماري بما يلائم المناخ، مواد البناء، المقومات الاقتصادية، والظروف الاجتماعية. هذا ما يُعرف في الأدبيات بـ "التنمية المعمارية المستدامة"، التي تسعى إلى حماية الهوية من الذوبان في أنماط استهلاكية عابرة. التقدم الحقيقي يعني تنقية الإرث من شوائب التحريف، وتطويره ليكون دعامة لحياة مستقلة وهوية راسخة.

التجربة اليابانية: برهان عملي

ولعل التجربة اليابانية تكشف بوضوح أن الهوية ليست عائقًا أمام التطور، بل أساسًا له. فقد استطاعت اليابان أن تحافظ على خصوصية معمارها التقليدي - كالبيوت الخشبية ذات الأسقف المائلة واستخدام الورق والخشب في الفواصل الداخلية - حتى في المدن الحديثة. هذا يبرهن أن الهوية المكانية يمكن أن تتجدد دون أن تُمحى. كما أن دمج الإرث المحلي مع تقنيات مقاومة الزلازل يوضح أن التقدم يمكن أن يكون استدامة ثقافية واعية، لا تبعية عمياء. والمفارقة هنا أن الشعوب التي تُدرك قيمة إرثها لا تقع في فخ شعار  "لن يتوقف التاريخ" بوصفه ذريعة للتقليد، بل تُحوّله إلى فعل وعي يعيد وصل الماضي بالحاضر.

الخاتمة: دعوة إلى وعي معماري جديد

وعليه، فإن القول "لن يتوقف التاريخ" لا ينبغي أن يُستعمل كذريعة للتبعية، بل كدعوة لإعادة وصل الحاضر بالماضي، وصياغة مستقبل معماري مستقل يوازن بين الأصالة والتجديد. فالمعمار، في جوهره، ليس مجرد انعكاس لزمنٍ لا يتوقف، بل هو فعل مقاومة وذاكرة حيّة، وامتداد لعزةٍ لا ينبغي أن تُمحى.

التاريخ لا يتوقف، لكن المعمار قد يضيع إن فقد هويته. وحده الوعي القادر على تحويل الاستمرار الزمني إلى تقدمٍ حقيقي، يحفظ العزة ويصوغ مستقبلًا يوازن بين الأصالة والتجديد.

الأحد، ديسمبر 21، 2025

أحدب نوتردام والتشوه الأخلاقي: مرآة العمارة الليبية المعاصرة

حين تتحول الواجهات إلى أقنعة، ويُقصى الجوهر من عمران المدن


 جمال الهمالي اللافي

    لا شك أن أغلبكم قرأ رواية أحدب نوتردام للروائي الفرنسي فيكتور هوجو، ومن لم يقرأها فلا بد أنه شاهد الفيلم الهوليوودي المستوحى منها. أما من لم يطّلع على الرواية ولا على الفيلم، فالقصة تدور حول إنسان مشوّه الخلقة، أحدب الظهر، يعيش معزولاً في كنيسة نوتردام بفرنسا. لم أقل منعزلاً، لأن العزلة فعل إرادي يختاره المرء بنفسه، بل قلت معزولاً، لأن المجتمع هو من أقصاه خوفاً أو احتقاراً لشكله. وحدها فتاة بسيطة رأت خلف هذا التشوّه ملامح الطيبة والعفوية والشهامة، فصاحبته.

    لكن القساوسة والسلطة الحاكمة رأوا في تصرفها تهديداً لهيبتهم. فالعوام ينجذبون عادةً إلى المظاهر: الجمال والوسامة والأناقة والثراء والسلطة، ولا يبحثون عمّا وراءها من وحشية وأنانية وجشع واستغلال. حين كسرت الفتاة هذه القاعدة، كشفت أن خلف المظهر قد تختبئ قيم النبل والشهامة، وأن خلف الواجهة البراقة قد يختفي الخبث والدناءة وانعدام الرحمة. وهذا الوعي، لو انتشر بين الناس، لكان مبعثاً على الثورة والتمرد، ولأجبرهم على إعادة النظر في تقييماتهم، لا وفق الشكل بل وفق الفعل والقيمة.

    خشيت الكنيسة والطغمة المتحكمة من هذا الوعي، فسارعت إلى اتهام الفتاة بالسحر والشعوذة، تهمة جاهزة تسبق يقظة العامة وتمنع بصيرتهم من الانفتاح على الحقائق. وهكذا تحوّل انبهار الناس بالمظاهر إلى غفلة وغيبوبة، جعلتهم وحوشاً تطالب بحرق الفتاة دون أن يتبينوا حقيقتها. أُحرقت الفتاة، وفقد الأحدب العين الوحيدة التي رأت جوهره والقلب الذي تعاطف معه.

    انتقامه كان أن رمى كبير القساوسة من أعلى برج الكنيسة. لم يكن فعله مجرد غضب شخصي، بل حكماً أخلاقياً على الظلم والافتراء والكذب الذي نُصرت به الطغمة. وحده من يمتلك الشهامة والنبل يتخذ قراراً كهذا: إعدام الظلمة والفاسدين، عقاباً رادعاً لكل من يزيّف الحقائق ويروّج الأباطيل ليهنأ الظالم بظلمه ويعيش المستغفل في غفلته.

الخاتمة: الرواية كمرآة للعمارة الليبية المعاصرة

    الحكمة التي أرادها فيكتور هوجو من رواية أحدب نوتردام، والتي تتجلى أيضاً في قراءتي لها ومشاهدتي بعدها للفيلم، هي أن التشوّه الأخلاقي أخطر من أي تشوّه جسدي. فالأول يفسد الوعي الجمعي ويحوّل الناس إلى أدوات في يد الطغاة، بينما الثاني يظل فردياً لا يتعدى صاحبه.

    وإذا أسقطنا هذا المعنى على واقعنا المعماري الليبي، نجد أن ما يعيشه عمراننا اليوم ليس مجرد خلل في الشكل أو ضعف في التقنية، بل هو انعكاس مباشر لتشوه أخلاقي واجتماعي أعمق. فالمباني التي تُشيّد بلا روح، وتُزيَّن بواجهات زائفة لا تخدم الإنسان ولا تعبّر عن بيئته، هي أشبه بسلطة تتزين بالهيبة وتخفي وراءها الجشع والفراغ. إنها عمارة مشوّهة لأنها فقدت وظيفتها الصادقة، تماماً كما فقد المجتمع قدرته على التمييز بين الجوهر والقشرة.

    إن عمارتنا الليبية اليوم، بما تحمله من واجهات زائفة ومبانٍ بلا روح، ليست سوى انعكاس للتشوه الأخلاقي الذي فضحه هوجو في روايته، حيث يُقصى الجوهر ويُعبد المظهر. وهكذا يصبح الأحدب رمزاً كاشفاً لواقعنا، ويغدو عمران المدن شاهداً على غفلة الناس واستسلامهم للتزييف.

 

ليست مأساة الأحدب في قبح جسده، بل في قبح مجتمعٍ عبد المظاهر وأقصى الجوهر. وما أشبه اليوم بالأمس، حين نرى عمارتنا الليبية تتزين بواجهات زائفة تخفي وراءها فراغاً أخلاقياً ووظيفياً.

السبت، ديسمبر 20، 2025

البيت الذي يخنقنا

 


جمال الهمالي اللافي

اختيارك لنمط بيتك وأثاثه لم يكن يومًا مرآةً لذاتك،
لم يكن بحثًا عن راحةٍ تسكنك أو دفءٍ يحيطك،
بل كان بحثًا عن نظرات الآخرين، عن انبهارٍ عابرٍ يلمع في عيونهم.

كنت تفرح حين يشيرون إلى بيتك بإعجاب،
تنتشي حين يطربهم جماله،
لكنهم لم يلتفتوا إليك أنت، لم يروا ساكنه،
رأوا البيت وحده، وتركوك نكرةً خلف جدرانه.

أما كيف تعيش فيه، لم يكن يعنيهم،
ولا يعنيك أنت أيضًا،
فأنت لم تبحث عن سكينةٍ نفسية، ولا عن راحةٍ حرارية،
بحثت فقط عن فخرٍ زائفٍ يلمع في أعين الآخرين.

لكن ألم تلحظ أن انبهارهم كان عابرًا؟
أن نظراتهم التي كانت مسلطة عليه، انطفأت سريعًا؟
صاروا يمرّون أمامه دون التفاتة،
وأنت بقيت وحدك، محاصرًا بمعاناتك في داخله،
تكتمها عن الجميع، حتى لا يشمتوا بك.

هكذا يصبح البيت الذي شيّدته بيديك،
بيتًا يخنقك بدل أن يحتضنك،
بيتًا يذكّرك كل يوم أنك غريب فيه،
وأنك بنيته لأعين الآخرين، لا لقلبك أنت
.

الدولة بين العمارة وتخطيط المدن: قراءة في قرار ترامب

 


جمال الهمالي اللافي

في 28 أغسطس 2025، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بعنوان جعل عمارة الدولة جميلة من جديد. نص القرار على أن تكون المباني الفدرالية الجديدة مرئية كرموز مدنية، تعكس التراث الأمريكي، وتلهم المواطنين بالفخر الوطني، مع اعتماد الطراز الكلاسيكي أو التقليدي كخيار افتراضي، ورفض الطرز الحداثية والتفكيكية التي وُصفت بأنها منفصلة عن الناس وغير ملائمة لتمثيل الدولة. بهذا القرار، أعاد ترامب فتح النقاش حول علاقة الدولة بالمدينة، وحول مسؤولية ضبط الفوضى العمرانية والمعمارية التي شهدها القرن العشرون وما زالت آثارها تتفاقم في مدننا المعاصرة.

لقد أثبت التاريخ أن المدن الكبرى التي بقيت شاهدة على الجمال والتناسق لم تكن وليدة شطحات فردية، بل نتاج سياسات عامة صارمة فرضتها الدولة أو السلطة الدينية والسياسية. في اليونان القديمة، المعابد والساحات كانت جزءًا من مخطط عمراني يرمز إلى النظام والهوية الوطنية. في روما، الكولوسيوم والطرق الشعاعية جسدت قوة الإمبراطورية وهيبتها، حيث التخطيط كان أداة سياسية بامتياز. في المدن الإسلامية الكبرى، من بغداد إلى قرطبة والقاهرة، كان المسجد الجامع والأسواق مركز التخطيط، والدولة هي من تحدد مواقعها لتربط العمران بالشرعية الدينية والسياسية. وفي أوروبا عصر النهضة، لم تكن الكنائس والقصور وحدها هي التي تعكس سلطة الدولة، بل أيضًا الشوارع والميادين التي رسمت ملامح المدن وفق رؤية مركزية.

هذا النجاح التاريخي يقابله فشل واضح في مدن القرن العشرين والمعاصرة، حيث غابت الدولة عن دورها المركزي في التخطيط، وترك المجال لشطحات المعماريين والمستثمرين. انفجرت المدارس المعمارية: الحداثة، التفكيكية، التجريبية، وصولًا إلى مبانٍ تستلهم من الطماطم والفواكه والحشرات والراقصات. النتيجة كانت مدنًا متنافرة بلا هوية، عشوائيات عمرانية، وتناقضات بصرية تعكس غياب الدولة عن دورها المركزي. لم تعد هناك رؤية شاملة تربط بين الماضي والحاضر، بل صار التخطيط مجرد رد فعل على أزمات متراكمة، حيث كل مرحلة تحاول إصلاح ما قبلها بدل أن تبني على رؤية طويلة المدى.

قرار ترامب، في هذا السياق، يعيد الاعتبار إلى أن العمارة والتخطيط لا ينفصلان، وأن الدولة هي الضامن الوحيد لانسجام المدن وحماية هويتها. فالمباني العامة ليست سوى جزء من مخطط عمراني أشمل، وإذا فرضت الدولة الطراز الكلاسيكي كإطار عام، فهي في الحقيقة تعيد ربط العمارة بالتخطيط، وتضع حدًا لشطحات المعماريين التي تهدد بتحويل المدن إلى مستنقعات بصرية. بهذا القرار، تُعاد المياه إلى مجاريها: يصبح الإبداع جزءًا من النهر العمراني، لا بركة راكدة تتعفن على الهامش.

وجهة نظري كمعماري ليبي

من موقعي كمعماري ليبي، أرى أن هذا القرار يحمل رسالة مهمة لنا: لا يمكن ترك مصير المدن لشطحات فردية أو مصالح ضيقة. نحن بحاجة إلى أن تتحرك الدولة لتضع مسارًا شاملًا لمخططات عمرانية ومعمارية تحترم الهوية الوطنية، وتتوفر فيها جميع مقومات الحياة الكريمة من بنى تحتية وخدمات ضرورية، مع القضاء على الفوضى المعمارية والعشوائيات. إن مسؤولية الدولة ليست فقط في ضبط الطراز المعماري، بل في رسم رؤية متكاملة للمدينة، حيث التخطيط العمراني يصبح أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، والهوية الثقافية، والانسجام البصري.

خاتمة

ما نحتاجه اليوم هو أن نستلهم من الماضي نجاحه، ونواجه حاضرنا بفشل سياساته، لنرسم مستقبلًا أكثر وضوحًا. الدولة يجب أن تعود لتضع السياسات التخطيطية والمعمارية العامة الملزمة، وتترك حرية الإبداع ضمن هذا الإطار فقط. هكذا نصون المدن كهوية جماعية، لا كاستعراض فردي، ونضمن أن يبقى التخطيط العمراني نهرًا جاريًا يحمل الماضي إلى الحاضر، بدل أن يتحول إلى مستنقعات تزيد من عفونة الفوضى العمرانية.

الجمعة، ديسمبر 19، 2025

العمارة المحلية المعاصرة بين الإصلاح والإلغاء ومسؤولية المصمم



جمال الهمالي اللافي

مقدمة

تُعد العمارة المحلية المعاصرة مرآةً لهوية الأمة وميراثها الحضاري، وهي ليست مجرد ممارسة تقنية أو جمالية، بل مسؤولية ثقافية وأخلاقية. غير أن بعض الممارسات التصميمية الحديثة تنطلق من عقلية "الإلغاء والإحلال"، متجاوزة حدود المسؤولية، ومهددةً بطمس الهوية وإضعاف الرصيد الحضاري.

أولاً: مستويات التعاطي مع العمارة المحلية

  • الحفاظ: على العناصر التي أثبتت صلاحيتها وملاءمتها لمتطلبات الواقع المعاش.
  • الإلغاء: لما لا يحقق تلك المتطلبات أو يعيق التكيف مع الحاضر.
  • الإصلاح والتعديل: لما يمكن تطويره دون أن يُستبدل أو يُمحى.

هذه المستويات الثلاثة تشكّل إطاراً عملياً للمصمم، يوازن بين الأصالة والتجديد، ويمنع الانزلاق نحو القطيعة مع التراث.

ثانياً: خطورة عقلية الإلغاء والإحلال

  • تجاوز المسؤولية: حين يتعامل المصمم مع التراث وكأنه ملك شخصي قابل للمحو.
  • تغريب الهوية: عبر استيراد نماذج لا تنتمي إلى السياق المحلي.
  • فقدان الاستمرارية: إذ تتحول العمارة إلى أداة قطيعة بدل أن تكون أداة وصل بين الماضي والحاضر.

ثالثاً: البعد الحضاري للعمارة

العمارة ليست مجرد مبانٍ أو زخارف، بل هي سجل حيّ لتجارب الأمة وذاكرتها الجمعية. كل إضافة معمارية يجب أن تُقرأ كصفحة جديدة في هذا السجل، لا كتمزيق للصفحات السابقة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه المصمم: ما الذي يستطيع أن يضيفه للرصيد الحضاري لأمته؟

خاتمة

إن مسؤولية المصمم المعماري، والمصمم الداخلي، ومصمم عناصر التأثيث والزخرفة، ومنسق المواقع، لا تقف عند حدود الإبداع الفردي، بل تتجاوزها إلى حماية ميراث الأمة وصون هويتها. فالإبداع الحقيقي ليس في الهدم أو التغريب، بل في الإضافة الواعية التي تعزز الرصيد الحضاري وتخدم الواقع المعاش.

 

تنويه: هذا المقال يمهّد لبيان معماري موجَّه للممارسين والطلاب، سينشر على صفحتي في فيسبوك، ليضع المبادئ العملية التي تكمل هذا الطرح النقدي.

الخميس، ديسمبر 18، 2025

الشكل يتبع الوظيفة… ولكن ليس وحدها

  


جمال الهمالي اللافي

مقدمة

الوظيفة هي الشرط الأول لأي مبنى؛ فهي المعيار الذي يحدد نجاحه أو فشله. فالمبنى الذي لا يحقق كفاءة التوظيف، مهما كان شكله جذابًا، يظل مبنى ناقصًا. لكن الاقتصار على الوظيفة وحدها لا يكفي لتفسير العمارة ولا لتشكيلها. فالشكل يتأثر بالحاجة، بالقدرة المالية، بالسياسة، بالثقافة، بمواد البناء، وبقيم المصمم وخبرته.

العمارة إذن ليست معادلة بسيطة بين وظيفة وشكل، بل هي حصيلة شبكة من العوامل المتداخلة، بعضها ظاهر وبعضها خفي، بعضها قوي وبعضها ضعيف. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى العمارة بوصفها انعكاسًا للحياة نفسها، لا مجرد استجابة لبرنامج وظيفي.

إذا كانت الوظيفة هي الشرط الأول، فإن العوامل الأخرى هي التي تمنح الشكل ملامحه النهائية. فالمبنى لا يولد من الوظيفة وحدها، بل من شبكة متداخلة من المؤثرات:

  • الحاجة: هي البذرة التي تحدد نوع الوظيفة، لكنها تختلف باختلاف الناس والظروف.
  • السياسة والأيديولوجيا: توجه المشاريع الكبرى، وتفرض رموزًا أو أنماطًا تعكس السلطة القائمة.
  • التمويل والقدرة المالية: يحدد سقف الطموح، ويقرر إن كان المبنى متواضعًا أو فخمًا.
  • مواد البناء والتقنيات: كل عصر يفرض إمكاناته وحدوده، من الطين والحجر إلى الخرسانة والزجاج.
  • المقاول والعمالة الفنية: التنفيذ ليس محايدًا؛ كفاءة أو ضعف العمالة يترك أثرًا مباشرًا على الشكل.
  • المصمم نفسه: خبرته، قيمه، ثقافته، نزاهته، وحتى خلفيته الأكاديمية، كلها تصوغ ملامح العمل.
  • العلاقات السلطوية: من يفرض رأيه؟ المعماري، الزبون، أم من يقف خلف الزبون.
  • الثقافة السائدة: هي الإطار الأوسع الذي يحدد الذوق العام، ويضغط على المعماري ليكون ابن عصره.

خاتمة

الوظيفة هي الشرط الأول الذي لا يُستغنى عنه، لكنها ليست وحدها ما يصوغ العمارة. فالشكل يتشكل من الحاجة والمال والسياسة والثقافة، ومن قيم المصمم وخبرته، ومن شبكة الحياة بكل تناقضاتها. العمارة الناجحة إذن هي التي تحقق كفاءة التوظيف، وتستوعب في الوقت نفسه هذه القوى المتداخلة، لتصبح مرآةً للحياة لا مجرد استجابة لبرنامج وظيفي.

الوظيفة شرط، لكن الحياة هي الإطار الذي يمنح الشكل معناه.

أنماط البيوت التقليدية في ليبيا

المسكن الطرابلسي التقليدي المنزل ذو الفناء " الحوش " جمال الهمالي اللافي مقدمة / يعتبر(...