العمارة... قضية ورسالة



جمال الهمالي اللافي


مقدمة/
لا نشك لحظة في أن الجميع يتفق على تحديد مفهوم الخيانة على كافة المستويات بدء بالخيانة الزوجية وانتهاء بخيانة الوطن والأمة. كما أن الجميع متفق على العقوبة التي يستحقها الخائن ويشدد عليها.

ورغم أن الجميع يعرف جيدا كيف يحدد طبيعة الخائن ويستكشف وسائله وأدواته في ممارسة دوره كخائن لأمته... إلاّ أن هناك حالة لم يستطع أحد منا أن يحدد مسؤولية صاحبها وهل يمكن توقيع تهمة الخيانة العظمى عليه أم يستثني أعماله من ذلك.

· نعرف السياسي الخائن والمتواطئ مع أعداء الأمة، من شعاراته التي يرفعها، من خطاباته التي يلقيها ومن مواقفه تجاه قضايا أمته المصيرية.
· نعرف جميعا خيانة المثقف لأمته من خلال كتاباته ونصوصه الأدبية.
· ونعرف الإعلامي الخائن من خلال تحليلاته للأحداث.
· كذلك نميز الفقيه الخائن لأمته من خلال الفتاوى التي تبرر للعدو ما يفعله وتصبغها بالصبغة الشرعية.
ما من دور يمارسه الخائن لأمته والمتعاطف مع عدوها إلاّ ونستطيع تحديد ماهيته من خلال فهمنا العميق للدور الذي يلعبه أو يمارسه علينا.
صنف واحد لا زال يمارس مهمته في خيانة أمته ولكن حتى هذه اللحظة لم توجه إليه أصابع الاتهام أو الحكم عليه بالخيانة.... لا لشئ إلاّ لعدم فهم الناس لطبيعة دوره الخياني وكيف يمارسه.

لن أطيل عليكم وسندخل في الموضوع مباشرة، ونطرح عليكم هذا السؤال:

هل يمكن للمعماري أن يخون أمته؟ وكيف يفعل ذلك؟
لاشك في أن تهاون المعماري في أصول ممارسته لمهنته وتقصيره في المسؤوليات الملقاة على عاتقه والتي تحملها عن طيب خاطر في إطار عمله الذي يأخذ عليه أجرا، يعتبر جرما كبيرا يستحق العقاب الرادع. وهي تعتبر في حكم المشرّع خيانة للأمانة يعاقب عليها المرء في الدنيا والآخرة. .... ولكن من الناحية الفكرية، لو سلمنا بأن هذا المعماري حريص على إتقان عمله/
· فهل يحق للمعماري المسلم أن يتبنى أي منهج فكري أو نظرية معمارية ويطبقها على أرض الواقع في شكل مشاريع هندسية أو محاضرات أو مقالات؟
· وهل هو حر في اتخاذ الاتجاه المعماري الذي يراه مناسبا له، أم هو مقيد بمنهج معين؟
· ما هو هذا المنهج الذي يجب على المعماري المسلم الالتزام به ولماذا؟
· هل العمارة قضية وهمّ يحمله المعماري على عاتقيه؟ أم هي مجرد هواية يحترفها ليتعيّش منها ويمارس من خلالها رغبته في إبراز قدراته الإبداعية على مجاراة أحدث الصرعات في العمارة وتطويع نظم الإنشاء لتحقيق أشكال جمالية متنوعة وربما وظيفية؟
· هل المعماري على وعي تام بما تعنيه هذه النظريات الحديثة والمنهج الذي تدعو إليه، أم يراها مجرد مدارس معمارية تسعى لتجديد العمارة ومواد وتقنيات البناء وتطويعها لخدمة الإنسان؟
· وهل هناك ضير في تبني أي مدرسة معمارية غربية أو شرقية مهما كانت أهدافها النظرية التي تروج لها؟
· هل نعتبره من دعاة التجديد والتطور والتنوير؟ أم نعتبره خائنا يروّج لفكر هدام ويعادي قيم المجتمع وعقيدته؟
وأخيرا هل العمارة مفصومة عن الفكر الذي تنطلق منه؟
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل العمارة عن الفكر الذي تنطلق منه، بل هي تتويج له وتطبيق عملي لمنظومة القيم التي ينادي بها.... والمعماري كمفكر وفنان وعالم يفترض أنه يعي جيدا ما يفعل. وأن العمل المعماري ليس مجرد هوى يقود صاحبه كيفما شاء، بل هو أداة طيعة بين يديه، يوجهها هو كيف يشاء.
ومن هنا نستطيع أن نحدد بعض الأدوات التي يتورط المعماري والمخطط من خلالها تحت طائلة الخيانة وتدمير كيان أمته وقيم مجتمعه، سواء كان ذلك عن قصد أو حسن نية وهي:
1- المناهج التعليمية بكليات وأقسام العمارة وتخطيط المدن/ والمسئولية هنا تقع على عاتق المعلم الذي يغرس في عقول طلبة العمارة هذه المفاهيم ويرسخها في وجدانهم على أنها الحراك الطبيعي لسنة التطور في الحياة. وأن القيم التي انطلقت منها العمارة التقليدية وشواهدها وتطبيقاتها أصبحت من الماضي الذي يجب عدم الالتفات إليه والاكتفاء بدراسته على أنه جزء من تاريخ تطور العمارة عبر العصور. ويضعه كجزء يسير في حلقة كبيرة من منهج تاريخ العمارة ويسمي هذا الجزء تاريخ العمارة الإسلامية.

2- قوانين المباني وتشريعاتها/ المستقاة مصدرها إن لم نقل المستنسخة بنودها حرفيا من النظم والتشريعات الغربية، شأنها في ذلك شأن القانون المدني وقانون الأحوال الشخصية في القضاء. فهي أحدى الأدوات المهمة التي مارس ويمارس المعماري من خلالها خيانة أمته. وذلك بترسيخها كنظم معمول بها بديلا عن أحكام البنيان المأخوذة نصوصها عن الشريعة الإسلامية والتي على ركائزها قامت مخططات المدن والعمائر الإسلامية وازدهرت. وهو عندما استنسخ قوانين تشريعات المباني الغربية يقع تحت أمرين:
أولهما/ أنه عندما تمّ تكليفه بوضع قوانين جديدة تنظم حركة البناء والتعمير، لم يكلف نفسه عناء البحث والتطوير، بل سارع إلى استنساخ ما وجده جاهزا وقدمه. وهذه مصيبة كبيرة.
وثانيهما/ أنه تعمد أن يستبدل أحكام البنيان المعمول بها في تخطيط المدن الإسلامية والتي كانت سائدة في المجتمع وأحل بدلا منها التشريعات الغربية. وهو عالم بما سيترتب عنها من تغيرات في قيم المجتمع لأمر في نفس يعقوب. والمصيبة هنا تكبر وتعظم.

3- تبني النظريات الغربية والترويج لها/ عبر مشاريع عمرانية ومعمارية يدك اسفينها في عمق أراضينا وأفكارنا وأهمها/
• نظرية الحداثة/ التي ترفض كل شئ مرتبط بالغيب وتعلي من شأن العقل على حساب النص. وأي نص إنه الكتب السماوية، إنه التوراث والإنجيل والقرآن.
• نظرية ما بعد الحداثة/ تعلن موت الله وانتصار الإنسان وتمهد لنظرية التفكيك التي تدعو للتشكيك في كل القيم وتحطيمها وعدم إعادة بنائها وتنادي بالحرية المطلقة التي لا تتقيد بأي قيمة أخلاقية.

وخلاصة القول/
أننا لا يمكن أن نبرئ المعماري من تهمة الخيانة العظمى، عندما يحيد عن المنهج ومنظومة القيم التي يدين بها مجتمعه. وهو- كما تفرضه طبيعة المهنة- يصمم ويخطط لمجتمعه وليس فنانا تشكيليا يرسم لوحة تعبر عن خلجات ذاتية مفصوم أثرها وعراها وتأثيرها عن المجتمع الذي ينتمي إليه. ولو أننا هنا لا نبرئ أي فنان أو مفكر أو قائد أو عامل يسخر إمكانياته لضرب منظومة القيم والعقيدة التي قبلها المجتمع عن قناعة راسخة وأصبحت جزءا من كيانه ووجدانه وحياته وموته.

وأخيرا/
هل يمكن التوفيق بين المنجز الحضاري الغربي أو الشرقي المعاصر وتوظيف بعض الجوانب الإيجابية فيه، كتطور التقنية ومواد البناء. وإعادة توظيفها في صياغة عمارة إسلامية معاصرة دون المرور على الفكر الذي يختفي وراءها ويخفي وراءه تلك القيم والمفاهيم الهدامة؟ أم ليس لنا بد من حمل الجمل بما حمل؟

وسنصل في النهاية إلى قناعة واحدة وهي أن مجال العمارة والعمران هو فكر ومنهج يوضع ويؤسس له وليس مجرد خربشات جميلة على صفحات الورق.


وضوح الرؤية يساعد على تحديد الأهداف ويرسم الطريق إلى الغاية المنشودة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التهوية الطبيعية في المباني

المعلم/ علي سعيد قانة

مشاريع معمارية